نساء مؤمنات | السَّيِّدةُ مَـرْيـمُ ابنةُ عِمْـران (العَـذْراءُ البـَتـُولُ)
السَّــيِّدةُ مَـريَمُ ابْنةُ عِمْـرَان
(رضى الله عنها)
فمن هى ؟
- كانت إمرأةُ (عِمرَان) إمرأة صالحة تقيَّة ، تَعيش فى بيئة صالحة يسوسها الأنبياء من بنى إسرائيل كزكريا (عليه السلام) ، فقد حَملت بعد طول انتظار ، فأرادت أنْ تُعبِّر عنْ شُكرها لله فنذرت مافى بَطنها للمحراب .
- كانت تتوقَّع أَنْ يَكون المولود ذكراً ليكون مُؤهلاً لخدمة العُبَّاد والزُّهاد فى المَعبد ، ومُتفرِّغًا لدراسة علوم الدين .. ولصدق نِيَّتهَا تقبل الله منها هذا النذر وبارك فيه وولدت فتاة وسمَّتها (مَرْيَم) ، فكان وقع المُفاجأة عليها شديداً فليس الذَّكر كالأنثى ، حيث لا تصلح الأُنثى لخدمة المعبد ، أو مخالطة الرِّجال .. ومع ذلك صممت على الوفاء بِنذرِها وذهبت بالوليدة إلى المعبد ، ووضعتها بين أيدى الأَحْبَار ليروا فيها رأيهم .
- وُضِعَتْ الوليدة مَرْيَم فى المَعبد ، وتَوقَع الأَحبار أنَّ لهذه الوليدة شأناً عظيماً لعلمهم بصلاح امرأة (عمران) ، وتقواها فتنافسوا على كفالتها ، ورعايتها ، واحتكموا للقُرْعَة ، فأتى كل واحد منهم بسهم ، وكتب عليه اسمه ، واتفقوا على إلقاء السهام فى ماء جارٍ ، فمن وقف سهمه ولم يجر مع الماء فهو صاحب الحق فى الكفالة باختيار الله له ... ووقف سهم زكريا (عليه السلام) فكان صاحب الحق فى الكفالة ، فهو أحق الناس بها إذْ هو زوج خَالتها ، ومِنْ مَحارمِها بالإضافة إلى كونه نبيًّا يُوحى إليه ، وأتقى الناس فى عصره .
- وهُيِّئت غرفة للوليدة فى المعبد تشبُّ وتترعرع فى أطْهر الأَماكن وأقدَسِها ، ولا يدخل عليها مِحرابها إِلا زوج خالتها وكافلها زكريا (عليه السلام) .. ورغم الآمال التى كان يعقدها زكريا (عليه السلام) على هذه الفتاة المنذورة لله إلا أن ما حدث فاق كل التوقعات .
- إذ كلَّمَا دخل عليها زكريا (عليه السلام) المحراب وجد عندها طعاماً ليس من جنس ما يأْكلون ، مما جعله يَسألها سؤالا مُبَاشرا : منْ أيْنَ لكِ هذا ؟ فأجابته بِبساطة ووثُوق : ﴿.. قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37) ﴾ آل عمران .
- أدهشت الإجابة زَكَريا (عليه السلام) رغم كِبر سِنه وعُقْم إمرأَتهُ ، وأيقظت الأمل فى نفسه أن يكون له ولد من صلبه يرث منه النُّبوَّة التى ورثها من آبائه وانتهز فرصة وجوده فى المحراب وتوجه إلى الله ضارعاً بهذا الطلب ..
- وقبل أَنْ يَنتهى زكريا (عليه السلام) من سُؤاله حتى بشَّرتهُ الملائكة بإستجابة الله لدُعائه ، وخرج على الناس يَأْمرهم بإقامة الصلوات شكراً لله على مَنِّه وكرمه ..
- وتتَنزَّل الملائكة على مَرْيَم العذراء تأْمُرها بِمُداومة التهجد ، والصلاة ، والتفرُّغ للعبادة ، قال الله تبارك وتعالى : ﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) ﴾ آل عمران .. فقد كفاها الله مَئونة الرزق والبحث عنه ... وتأتى المفاجأة الكبرى بعد ذلك بِبُشرى الملائكة بِحَملها للمسيح عيسى بن مَرْيَم وجيهاً فى الدنيا والآخرة ومن المقرَّبين ، ويُكلمُ الناس فى المهد وكهلاً ، ومن الصالحين .
- وتَتَعَجَّب مَرْيَم من هذا الأمر وكيف يكون ؟ وهى العذراء البَتُول التى لم يقربها رَجل ، بلْ ولم يرها رَجل إلا كافِلها وزوج خالتها زكريا (عليه السلام) وتأتى الإجابة واضحة : إنَّ الله يخلق مايشاء ..
- فقد خلق الله آدم من غير أب وأم ، وخلق حواء من أب وهو آدم ، (فقد خلقت من ضلع من أضلاعه) ، ومن غير أم ، وها هو يخلق عيسى من أم ومن غير أب فتكتمل دائرة الإعجاز الإلهى ، ويعلم الناس ، أنَّ الله يَخلق بالأسباب ، ويَخلق دون حاجة للأسباب ، فهو سبحانه خالق الأسباب والمُسببات ..
- تستسلم مَريم لأمر الله وتبتعد عن الأنظار حاملةً لهذا النُّور الجديد الذى منَّ اللهُ به على بنى إسرائيل ليَحِلَّ لهم الطيبات ويُحرِّم عليهم الخبائث ، ويرفع عنهم بعض العقوبات التى فرضها الله عليهم لعصيانهم فى بعض الأمور وتعنُّتهم مع أنبيائهم السابقين .
- تَأْتى سَاعة الوَضع ، وتَضطرب السَّيدَة العَذراء ، رغم بشرى الملائكة لها وتتمنَّى الموت وتلجأ إلى مكان بعيد ، وتتشبَّث بِجذع النخلة كما أشار القرآن الكريم : ﴿ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا (23) ﴾ مريم .. ويَخرج الوليد المبارك إلى الدنيا يتكلم بكلام الرِّجال ، وبمنطق الأنبياء والمرسلين ، ويُطمئن أُمَّهُ ويأْمرها بالصيام عن الكلام ، فقد إنتهى دورها ، وأَدَّت رسالتها التى اصطفاها الله لها .
- يأتى دور الوليد الذى اصطفاه الله له ، ويشير القرآن لهذا الأمر إشارة بليغة فى غاية الإعجاز حيث تَقصُّ الآيات من سورة (مريم) القصة كاملة حتى أتت به قومها تَحْملهُ فاتَّهموها تُهمة شنيعة باطلة ، وتتوقف القصة عند قول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ.. (29) ﴾ مريم .. وهنا ينطق المسيح (عليه السلام) مُبَرِئًا لأمِّه ، مبينًا لرسالته ، وتتوقف الآيات عن الكلام عن السَّيِّدة مريم تماما ، ويبدأ الكلام عن المسيح (عليه السلام) وقصته مع بنى إسرائيل وما لقيه منهم : ﴿ .. قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) ﴾ مريم .
- يتبين لنا مِنْ هذه القصة أن السَّيدَة مَرْيَم كان يأْتيها رزقها دون جَهد منها أو سؤال حين كانت مُتفرغة للعبادة ، ولمَّا وضَعت حمْلها أَمرها وليدها أنْ تبذل الجهد فى هزَّ الشجرة حتى يسقط عليها الرطب جنياً فى الوقت الذى تحتاج فيه إلى رعاية وخدمة بعد الوضع .
- من هنا نتعلم أن دور الأُم هو أعظم الأدوار فى هذه الحياة الدنيا ... إنَّه الجهد المبذول فى رعاية الأبناء ، والحنو عليهم .. إنه تذويد الدنيا بالرِّجال الذين يَحملون الأمانة فى عِمارة الأرض . ولقد ضَرب اللهُ المثل بالسَّيدَة مَرْيَم للمؤمنين والمؤمنات فى كل زمان ومكان بقوله : ﴿ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12) ﴾ التحريم .
- ويُبَشِّر رسولُ الله ﷺ نساء أُمته بِقوله : "إذا صَلَّتْ المرْأَةُ خَمْسَها ، وصَامَتْ شهْرَهَا ، وحَفِظَتْ فَرْجَهَا ، وأَطَاعَتْ زَوْجَهَا ، دَخَلَتْ من أَىَّ أبْوابِ الجنَّة شاءَتْ" . رواه الإمام أحمد بن حنبل فى المسند .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛