من هدى النبى ﷺ | أسْعدُ النَّاس بالدُّنيا لُكعُ ابنُ لُكع لا يُؤمن بالله ورسوله
أَسْعَـد النَّـاس بِالدُّنْيَـا
لُكع ابن لُكع
- إنَّ الذين يتولون أمُور المسلمين فى آخر الزمان ويتصرفون فى أموالهم هم أَخَسِّ الناس وأحقرهم ، وإذا تأملنا فى واقعنا الحاضر لوجدنا أن المؤمن التَقىُّ مُبْتلى بل شديد الإبتلاء على عكس كثير من أصحاب النفوذ والأموال الذين امتلأت قلوبهم حِقداً وغيظاً على الفقراء وعلى الإسلام وعلى المؤمنين .
- كما نجد أن الإنسان الأمين يُتهم بالخيانة ، والخائن يُوصف بالامانة والصدق ويشير إلى ذلك قول النبى صلى الله عليه وسلم :
- لا شك أنه حين يُحدِّثُ الرسول ﷺ أصحابه عن المستقبل بحديث كهذا ، فهو لا يَعنيهم به لأنهم لن يحضروا ذلك الزمان ، وإنما يعنى به الذين سيأتون من بعدهم ، ولم تتح لهم فرصة معاصرته ﷺ .. فيجدوا جانبًا من الإعجاز الدال على صِدْق نبوَّته ورسالته ، حيث يتحقَّق كلامه بعد مئات السنين مما يدل على أنه لا ينطق عن الهوى ، بل رسولاً يُوحَى إليه .. وكذلك يُحدثهم بهذه الأحاديث ليحفظوها وينقلوها لمن يأتى بعدهم فتتناقلها الأجيال ، جيل بعد جيل ، ولكى يحتاط المؤمن لنفسه .
- كما يساعد الحديث على رسوخ عقيدة المؤمن ، والصحابة رضوان الله عليهم رغم عدم حضورهم لذلك الزمان ـــ فقد حفظوا هذه الأحاديث ورووها للتابعين الذين حَدَّثوا بها تابعيهم .. وهكذا حتى وصلت إلينا ، وأصبح من واجبنا أنْ نرويها لمن يأتى بعدنا .. لأن الزَّمان الذى يشير إليه الحديث زمن غريب للغاية : حيث تختلط فيه المعايير ، وتَختلُّ القيم ، ويُصبح القابض فيه على دينه كالقابض على جَمْرة من النار ، إذ يُصَدَّق الكاذب ، ويُكَذَّب فيه الصادق .. ويُخَوَّن الأمين ، ويُؤْتَمن الخَئونُ الذى أصبحت الخيانة فى طبعه .
- إذًا أين يذهب الصادق الأمين فى مثل هذا الزمان الذى قد تَبْلغ فيه الفتن مداها حتى يَتَّهم المؤمن فيه نفسه ، ويُسِىء الظنَّ بـ الله ، وتهتز عقيدته .. فإذا سمع هذا الحديث وأمثاله علم أنَّ الله تبارك وتعالى قد قضى بهذا فقال عزَّ وجلَّ : ﴿ .. وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ .. (112) ﴾ الأنعام .. وتيقن أن العيب ليس فيه ، فيتمسك بعقيدته ، ويلزم بيته .
- كما يُشيرالحديث إلى علامات هذا الزمان حتى يعلم المسلم متى يأتى ، وهل هو يعاصره أم لا ؟ فيقول :" يَشْهَدُ الرَّجُلُ ولم يُسْتَشْهَدْ ويَحْلِفُ وإِنْ لَمْ يُسْتَحْلَفْ " والشهادة بالغة الخطورة ، ويخشاها الصالحون ، إذ بها تتقرر الحقوق .. والإنسان قد ينسى ، أو يخطئ ، أو تتنازعه الأهواء .. من أجل ذلك لا يشهد إلا إذا طُلِب للشهادة ، فيتحرى الصدق والحق ولو كان على نفسه أو الأقربين .. ولا يشهد تَطوُّعًا إلا إذا كانت شهادته ضرورية لحفظ الحقوق من الضياع .
- لقد كان من فرط خوف الصالحين من الشهادة - لخطورة تبعاتها - أنْ حذَّرهم الله تبارك وتعالى من كتمانها بقوله : ﴿ .. وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ .. (283) ﴾ البقرة .. كما أنَّ الحلف بغير استحلاف دليل على تهاون الحالف باليمين ، وعدم تقديره لخطورته .. وربنا تبارك وتعالى يقول : ﴿ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (10) ﴾ القلم .. ثم يختم الحديث بالإشارة إلى أن أَسْعد الناس فى ذلك الزمان هو لُكَعُ ابنُ لُكَع لا يؤمن بـ الله ورسوله ، أى كافر ابن كافر .. ومنبع سعادته أنه سوف يُصَدَّق ويُؤْتَمَن رغم عدم أحقيَّته لذلك ، فَتُتاح له فرصة أكل أموال الناس بالباطل ، وأكل أموال اليتامى ، وأخذ الرشاوى على شَهَادة الزور، ويبيع دينه بعَرَض من الدنيا قليل . ويُحدِّثُنا النبى ﷺ عن زمان آخر قد يواكب ذلك الزمان ، أو يكون سابقًا أو لاحقًا له فيقول صلى الله عليه وسلم :
{2} لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ ، ثُمَّ لاَ يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهَا مِنْهُ ، وَيُرَى الرَّجُلُ الوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرأَةً ، يَلُذْنَ بِهِ مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ . رواه البخارىُّ ومُسلم عن أبى موسى (رضى الله عنه) .
- يشيرهذا الحديث إلى أن الله قد يَأْمر الأرض فى هذا الزمان أن تُخرج كنوزها فلا يبقى أحد فقيرًا ، حتى إذا خرج الرَّجل بصدقته من ذهب لم يجد من يأخذها منه .. أو ربما يحدث ذلك فى زمان متأخِّر جدًا بعد حدوث الحروب والمجاعات .
- كما يُشير الحديث إلى أمر آخر ، وهو زيادة عدد النساء عن عدد الرجال حتى إنَّ الرجل يجد نفسه وقد أحيط بأربعين إمرأة يَلُذْن به ، فيصبح مسئولاً عنهن .. وقد يحدث هذا بقيام الحروب وموت الرِّجال فلا يبقى إلا القليل منهم .. وقد يحدث بأن يقضى الله عزَّ وجلَّ لكل حامل أنْ تلد أُنثى إلا القليل منهن .. وأيًا كانت هذه الأسباب فهى من علامات ذلك الزمان ، وصَدَقَ رسول الله ﷺ فى كل ما أُخبر به .. ويحذرنا ﷺ من زمان آخر قد يختلف عن الزمانين السابق الإشارة إليهما ، وقد يواكبهما .. فيقول صلى الله عليه وسليم :
{3} لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ ، لا يُبَالِى المَرْءُ بِمَ أَخَذَ المَالَ : أََمِنْ حَلاَلِ ؟ أَمِْ مِنْ حَرَامِ ؟. رواه البخارىُّ وأحمد عن أبى هريرة (رضى الله عنه) .
- المال الحرام ليس هو المال المغتصب أو المسروق فقط .. بل إن الصانع الذى لا يُتْقِن صنعته ، والطبيب الذى يعالج فى غير تخصُّصه ، والمدرِّس الذى لا يَقوم بواجبه ، والعامل الذى لا يُتقن عمله .. كل هؤلاء وأمثالهم يَتَكسَّبون من حرام . ومن عظمة الإسلام أنه يُرَبِّى الضمائر ويوقظها .. فلا يحتاج المسلم إلى رقيب من الناس .. فالرقيب عليه ضميره .. وبقدر ما يبتعد المسلم عن تعاليم الإسلام بقدر ما يضعف ضميره ، وتتمثَّل خطورة المال الحرام فى أنه يُتْلف الجسد ، ويصيبه بالأمراض المستعصية التى لا شفاء لها .. بالإضافة إلى عذاب النار يوم القيامة فكُلُّ لحم نَبَتَ مِنْ حَرامٍ فالنار أولى به .
- فعلى المسلم أن يتقى الله فى : نفسه ، وأبنائه ، وأهل بيته ، ويَتحَرَّى الحلال فى كَسْبه ، ويُتْقن عمله ، ويبتعد عن المال الحرام بكافَّة صوره .. ومن يستعفِف يُعفِّه الله ، ومن يستغن يُغْنِه الله ، ومن يتحرَّ الخير يعطَه .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
المرجع / من مجامع الكلم
للشيخ / ياسين رشدى