دروس وعبر | السَّيرَة النَّبويَّة فى رِحَاب المُصْطفى المُخْتَار (الجزء الأول)
السِّـيرَة النَّبَـوَيَّة (الجزء الأول)
فى رحاب المصطفى المختار
- الخليل إبراهيم (عليه السلام) ومكة
- مكة المكرمة قبل مولد النبى ﷺ
- الفيـــــل والطيـــر الأبابيل
- مولد النبى صل الله عليه وسلم
- وفاة الســـيدة آمنة وجد النبى ﷺ
- زواج النبى ﷺ من السيدة خديجة
- إعـــــادة بنــــــاء الكعبة
- مكة المكرمة قبل بدء الوحى
- بدء الوحى والجهر بالدعوة
- انتشار الإسلام فى مكة
- عام الحزن وصحيفة المقاطعة
- الإســـــراء والمعـــراج
- ولد إبراهيم (عليه السلام) بالعراق لأب كان يعمل نجارًا ، واستغل صناعته فى عمل الأصنام ، فكان قومه يعبدون هذه الأصنام التى يصنعها أبيه . بدأ إبراهيم (عليه السلام) بدعوة أبيه إلى عبادة الله وتوحيده ، وتذكيره بأن هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر ، إلا أن أباه أصرَّ على البقاء على عبادة الأصنام ، ثم انتقل إلى دعوة قومه إلى توحيد الله ، وترك ما يعبدون من دونه ، لكنهم لم يستجيبوا له . أقسم إبراهيم (عليه السلام) ليُحطم أصنامهم ، وانتظر إبراهيم (عليه السلام) خروج قومه للإحتفال الذى يقيمونه فى مكان ما بالمدينة وتوجه إلى المعابد وحطم أصنامهم ، وعندما علم القوم بما فعله إبراهيم (عليه السلام) بأصنامهم جمعوا له حطبًا عظيمًا ثم أشعلوها ، ولشدة حرارتها وضعوا إبراهيم (عليه السلام) على منجنيق وقذفوه فيها ، فقال (عليه السلام) : حسبى الله ونعم الوكيل ، فأمر الله عزَّ وجلَّ النَّار بأن تكون بردًا وسلامًا عليه ، فأنجاه الله منها .
- لمَّا نجا الله إبراهيم (عليه السلام) من النَّار أمره الله بالخروج والهجرة من أرض العراق إلى الأرض المقدسة فى الشام وتزوج ابنة عمه - سارة - وهاجر بها (عليه السلام) من العراق إلى فلسطين وقال : ﴿ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) ﴾ الصافات . ومكث بها مدة ثم ارتحل إلى مصر وكان بها ملك ظالم يأخذ كل امرأة حسناء ويقتل زوجها ، وحين سئل عنها قال : إنها أختى ، وعندما أخذها الملك وأراد أن يهم بها قامت السيدة سارة تدعو الله ألا يقربها هذا الجبار ، فرأى هذا الجبار فى منامه ما أفزعه وقال : جئتونى بشيطان ، وتركها ، وأهداها خادمة تسمى هاجر ، ورجع إبراهيم (عليه السلام) ومعه السيدة سارة والسيدة هاجر إلى فلسطين .
- ولما كانت السيدة سارة عقيم لا تنجب أهدت جاريتها هاجر لإبراهيم (عليه السلام) فتزوجها وأنجبت له إسماعيل (عليه السلام) ، وأمره الله عزَّ وجلَّ أن يذهب بزوجته هاجر وابنه إسماعيل إلى مكة ، فاستجاب إبراهيم (عليه السلام) لأمر ربه ، وسار بهما إلى جبال مكة عند موضع بناء الكعبة ، فى وادى لا زرع فيه ولا ماء ، وتركهما فى هذا الوادى وانطلق عائدا إلى الشام .
- مرت الأيام وجاء إبراهيم (عليه السلام) لبناء الكعبة بأمر من الله تعالى وقد كّبُرَ إسماعيل وطلب منه أن يعينه على رفع قواعد البيت ، ولما تم بناء البيت أمر الله تعالى إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) أن يُعلم الناس بأنه بنى بيتًا لعبادة الله وأن عليهم أن يقصدوه للنُّسُك : ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) ﴾ الحج . وأصبحت أقدام السيدة هاجر مَنْسكًا "السعى بين الصفا والمروة" ، وأصبحت أقدام إبراهيم (عليه السلام) مزارًا "مقام سيدنا إبراهيم" .
- ازدهرت مكة دينيًا ودُنيويًا وأُقيمت ملة إبراهيم الحنيفية وأصبحت شريعة الله فى مكة من صلاة وحج للبيت ، ومرت الأيام وبلغ عُمْر إسماعيل (عليه السلام) 130 عام وماتت السيدة هاجر ودُفنت بالحِجْر ، ومات إسماعيل (عليه السلام) ودفن بالحِجْر ولذلك سمى بحِجْر إسماعيل .
- أصبحت السِّدانة والسقاية فى يد أخوال أولاد إسماعيل (عليه السلام) من قبيلة جُرهم وأصبحت مكة فى عِزٍ وترف ورقص والغناء والجوارى وما إلى ذلك ، ولكن قبيلة خُزاعة طمعت فى سدانة الكعبة والعِِز والغنى التى كانت فيه قبيلة جرهم ، واستولت عليها بعد أن ضعفت جُرهم وانهارت ، واستعدت خُزاعة للإستيلاء على مكة ، مما دعا مُضاض بن عَمْرو كبير جرهم وخوفه على زمزم وكانت الكعبة وزمزم مزينة بغزالتين من ذهب وأسياف ودروع من الذهب ، أن غوَّر زمزم ووضع الغزالتين والدروع والأسياف فى البئر وردم عليهم ، وأخذ أولاد إسماعيل (عليه السلام) وخرج من مكة متجها إلى الشام ، واستولت خزاعة على مكة .
- مرت الأيام وعاد قصى بن كلاب من أولاد إسماعيل (عليه السلام) وهو الجَدُّ الخامس للنبى ﷺ من الشام إلى مكة وكان تاجرًا أمينًا وكان حسن الخُلق مما ذاع صيته بين أهل مكة بالتقدير والإحترام ، وأراد أن يتزوج فتقدم لخطبة ابنة سادن الكعبة وصاحب السقاية حُلَيْل بنُ حُبْشِيَة زعيم خزاعة ووافق على زواج ابنته ، وقبل أن يموت أوصى بالمفتاح لإبنته ولكنها اعتذرت ، وأخذ المفتاح أحد رجال خزاعة وكان سِكِّيرًا عِربِيدًا وباع المفتاح لقصي بن كلاب فى سهرة بزق من خمر .
- مرت الأيام وجمع قصى بن كلاب قبيلته قريش واجتمع العرب عليه لكرم أخلاقه وإطعامه الطعام ومعاملته مع الناس بالأخلاق الكريمة ، وانتصروا على قبيلة خزاعة وأجلوهم من مكة وعاد المفتاح والسدانة والسقاية والزعامة لقصى بن كلاب الجدُّ الخامس للرسول ﷺ ، وكان لقصي ولدين : عبد مناف وعبد الدَّار .
- وعند موت قُصي أوصى بالمفتاح والزِّعامة لإبنه عبد الدار ، وبعد ذلك حدث خلاف بين أولاد عبد الدار وأولاد عبد مناف ، وكادت قريش تختلف وتتصارع إلى أن حدث حل لهذا الخلاف وهو أن يأخذ أولاد عبد مناف السقاية والرفادة (إطعام الطعام) وأولاد عبد الدار يأخذوا السدانة والحجابة واللواء ، وكان هاشم أكبر أولاد عبد مناف وأفضلهم .
- فى رحلة من رحلات هاشم وهو عائد من الشام مرَّ بيثرب ووجد فيها فتاة حسناء فتزوجها وعاد بها إلى مكة وعندما حملت وأرادت أن تضع مولودها طلبت أن تعود إلى يثرب ، وولدت ولداً أسمته شَيْبَة ، فى هذا الوقت كان هاشم بمكة وحين جاءه الموت كانت زوجته وابنه بيثرب (المدينة) ، وقبل أن يموت هاشم أوصى بالسقاية والرفادة لأخيه المُطَّلب .
- استلم المُطَّلب السِّقاية والرِّفادة وحفاظا لجميل أخيه هاشم سافر إلى يثرب لإحضار شيبة ابن أخيه بعد محاولات ومفاوضات مع أهل أمه وأردفه خلفه على بعيره ، وعندما دخل مكة ورأه الناس قالوا المُطَّلب أشترى عبداً فأطلقوا عليه عبد المطلب الذى هو شَيْبة بن هاشم بن عبد مناف .
- قبل أن يموت المُطلب أوصى بالسقاية والرِّفادة لإبن أخيه شَيْبة ابن هاشم (عبد المطلب) الذى لاقى فيها العنت الشديد ، والمشقة ولم يكن له أولاد إلا ولد واحد هو الحارث وكان يتمنى أن يعثر على زمزم ، وكان يدعوا الله كثيرا حتى رأى فى منامه أنها بين صنمين "إساف" ، "ونائلة" مجاورين للكعبة ، وقيل فى إساف : أنه كان رجل ، ونائلة : كانت امرأة وقد فجرا فى الكعبة فَنُسِخَا إلى حجرين .
- قام عبد المطلب بحفر بئر زمزم ووجد الغزالتين والأسياف والدروع التى دفنها مُضَاض بن عمرو فى البئر وانفجرت زمزم . هنا جاءت قريش تشارك عبد المطلب فى الغزالتين والأسياف والدروع ، وانتهى النزاع واستقر الحال على أن الغزالتين للكعبة والأسياف والدروع من نصيب عبد المطلب واستقرت له السقاية من زمزم . أخذ عبد المطلب الأسياف والدروع وقام بتسييحها وضربها بابا للكعبة وأصبح باب الكعبة من الذهب وأما الغزالتين فوضعهما على باب الكعبة ليزِيَّنُها . شعر عبد المطلب فى ذاك الوقت أنه ضعيف وليس له أولاد يمنعونه وخاف من قريش أن تستولى على السقاية .
- نذر عبد المطلب لو رزقه الله بعشرة من الأولاد ليَنحرنَّ ولدا تقربا للآلهه أو لله ، واستجاب الله له ورُزق بالعشرة أولاد : العباس ، أبو طالب ، حمزة ، الزبير ، أبو لهب ، ضرار ، والمقوم ، عبد الله ، حجلاً ، الحارث وهو أكبر أولاد عبد المطلب ، وكان عبد الله أحب أولاده وأراد أن يوفِّى بالنذر وأخذ الأولاد وذهب بهم إلى الكعبة للعرَّافة لضرب القداح ومعرفة على من تقع عليه القرعة لنحره ، فوقعت القرعة على عبد الله ، أخذ عبد المطلب ابنه عبد الله لينحره عند الكعبة بين أسياف ونائلة ، ولكن قريش لحقت به ومنعته من ذلك كى لا تكون سُنَّة من بعده وهو سيد قومه .
- ماذا يفعل عبد المطلب ؟ عرضت عليه قريش أن يذهب لأشهر عرَّافة ، وكانت فى يثرب . ذهبوا إليها فلم يجدوها وقيل أنها فى خيبر ، فذهبوا إليها وقصُّواعليها الخبر وكيف يتخلى عبد المطلب عن النَّذر ، فقالت لهم : ما مقدار الدية فيكم ؟ قالوا : عشرة من الإبل ، قالت لهم : عودوا إلى بلدكم وقربوا عشرة من الإبل وقربوا عبد الله واضربوا القداح فإن أصابت القداح عبد الله زيدوا عشرة عشرة حتى تقع على الإبل ، فإن وقعت على الإبل فانحروها عنه يرضى عنكم ربكم .
- عاد عبد المطلب وأمر بضرب القداح حتى ضربت تسع مرات وفى كل مرة تقع على عبد الله حتى بلغت الإبل مائة ، فعندما أقرع بينها وبين عبد الله وقعت القرعة على الإبل ، قالت قريش : لقد رضى ربك يا عبد المطلب وانحر الإبل عن عبد الله ، قال عبد المطلب : لا و الله حتى تخرج القداح عليه ثلاث مرات وضُربت القداح ثلاث مرات وفى كل مرة تقع على الإبل ، قال عبد المطلب : الآن رَضى رَبِّى ونحر المائة ناقة ، وفرحت مكة وأقيمت الأفراح والزينة .
- فرح عبد المطلب وأخذ ابنه عبد الله معه ، وعندما مرَّ على رُقيَّة بنت نوْفل أخت ورقة بن نوفل ، ورأت عبد الله قالت له : هلم إلىَّ يا عبد الله ولك مثل ما نحر من أجلك ، تريد أن تتزوجه ولكنه رفض . أخذه عبد المطلب وذهب به إلى سيد بنى زُهرة ، وهب بن عبد مناف بن زهرة وخطب ابنته آمنة لعبد الله ففرح وقبل زواج ابنته من عبد الله ، والسيدة آمنة تجتمع فى النسب مع عبد الله فهى آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن قصى ، وتزوج عبد الله آمنة ودخل بها وحملت على الفور .
- وفى يوم من الأيام فكر عبد الله أن يمر على رُقيَّة بنت نوفل ، وقال لها هلم بما عرضت علىّ بالأمس فقالت له : أبداً لقد فارقك النُّور الذى كان معك يا عبد الله ، وعندما سُئلت قالت : لقد رأيت نوراً بين عينيه كغرة الفرس فأردت أن يكون من نصيبى فأبى فلما جاءنى مرة ثانية رأيت النور قد فارقه . حملت آمنة بنت وهب من عبد الله ، وبعد أيام سافر عبد الله إلى الشام للتجارة وفى العودة مروا بيثرب للإستراحة وانتهز عبد الله الفرصة ليزور أخواله لأبيه عبد المطلب فى يثرب ولكنه مرض ومات هناك ودُفن بيثرب وحزن عليه عبد المطلب حزنا شديدًا .
- كيف وصل الحال بأولاد إسماعيل (عليه السلام) فى هذا الوقت من عبادة الأصنام ؟ كانت مكة فى ترف من كثرة المال والعز والغنى استجابة لدعوة إبراهيم الخليل (عليه السلام) قال الله تعالى : ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) ﴾ البقرة . فكانوا يقولوا نحن أهل حرم وأنهم مصطفيْن فكان إذا سافر أحدهم للتجارة أخذ حجرا من الحرم معه للتبرك به ، ومنهم من يأخذ حجرا فى بيته ليتبرك به ، ومنهم من بدأ يشكله بأشكال مختلفة .
- جاءت قريش بعد ذلك بَنَت بيتًا ووضعت فيه أصنام وأسمته "بيت العُزَّى" فى مكان اسمه نخلة فى ضاحية من مكة ، وعملت سقيف "اللاَّت" فى الطائف ، وأمَّا "مَناة" فكانت للأوس والخزرج فى قُدَيْد عند ساحل البحر الأحمر ، وأما "ذوالخَلَصَة" فكانت لدوس وخثعم فى مكان يسمى تُبالة فكانت كلها طواغيت وأصبحت بيوت يطوفون حولها ويقدمون القرابين لها .
- كَثُرَت التجارة فى مكة وبِيعَت الأصنام وبدأت القوافل تأْتى إلى مكة وكثر المال والخير فى أيدى أهل مكة مما أغضب أهل الحبشة والنجاشى ، وكان أبرهة قد بنى بيتا ضخمًا فى اليمن ليحج إليه الناس بدلا من الكعبة ليُرضى ملك الحبشة ، ولكن الناس لم يستجيبوا له مما أثار حفيظة أبرهة والنجاشى وقرر أبرهة أن يهدم الكعبة وتوجه بجيش كبير إلى مكة ومعهم الأفيال فوجدوا أمامهم غنماً وإبلا فأخذوها ونزل عند وادى "مُحَسِّر" وطلب سيد قريش عبد المطلب يتفاوض معه على هدم الكعبة ، لكن أبرهة فوجئ برد عبد المطلب قائلا : أمَّا الإبل فأنا ربُّها وأما البيت فله ربٌ يحميه ، ورجع عبد المطلب وطلب من أهل مكة أن يتركوها إلى الجبال ، واستعد أبرهة لهدم الكعبة وقام بتوجيه أكبر الأفيال ناحية الكعبة ولكن الفيل برك مكانه ولم يتقدم وأرسل الله على جيش أبرهة طيرًا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول .
- ما حدث لأبرهة وجيشه جعل أهل مكة يشعروا بالأمان وأنهم أهل الحرم وأنهم فى حماية البيت وحماية الآلهة وأن عبادتهم صحيحة مما نتج عن ذلك ، الترفه والتنَعُّم والعيش فى زخرف وهواية شرب النبيذ والتجارة به ، وبدأت التجارة تنتعش وخصوصا بعد أن سمعت العرب ماحدث لأبرهة وجيشه ، ومما زاد من أهمية البيت الذى يطوفون حوله وزاد أيضا من قيمة الأصنام التى تحيط بالبيت وزاد الفجور واللهو والجوارى وتجارة النبيذ .
- فى يوم الإثنين الموافق 12 من ربيع الأول سنة 570 ميلادية وهو عام الفيل جاء المخاض السيدة آمنة { وولد صلى الله عليه وسلم } مختونا مسرورا أى مقطوع الحبل السُّرى ووصلت البشرى إلى عبد المطلب وفرح به فرحًا شديدًا وأخذه وحمله وطاف به حول الكعبة وسماه مُحمَّد ، وتحكى السيدة آمنة أن الحمل كان خفيفاً وأنها لم تشعر بما تشعر به الحوامل وأنها رأت فى منامها أنَّ نورا خرج منها أضاء قصور بصرى والشام فعرفت أن ما فى بطنها له شأن ، وقيل أنه جاءها فى المنام هاتف وأمرها بتسمية الوليد "مُحَمَّد" ونزل واضعًا يديه على الأرض كهيئة السجود .
- ويقال أن ثويبة جارية أبى لهب عندما بشرت أبو لهب بمولد ابن أخيه فرح وأعتقها ، وهى التى أرضعت النبى ﷺ لحين التماس المراضع له من بنى سعد ، وجاءت المرضعات ولكن لم تقبل إحداهن أن تأخذه لأنه كان يتيما ، ولكن حليمة السعدية كى لا تعود بدون رضيع فأخذته وقالت لزوجها : و الله ما أعود خاوية هلم بنا إلى هذا اليتيم لنأخذه لعل الله يبارك لنا ، وكان معها أتان ضعيفة عجفاء وبمجرد أن وصلت إلى مكان القافلة فاض اللبن من ثديها فرضع النبى ﷺ من ثديها ورضع ابنها من الثدى الآخر وإذا بالناقة قد امتلأ ضرعها باللبن وإذا بالأتان تسرع حتى أن صويحباتها اعتقدن أنها ليست الأتان التى جاءت بها .
- مرت الأيام وبلغ عمر النبى ﷺ عامين وعادت به حليمة السعدية إلى أمه السيدة آمنة وكانت أشد تعلقا به لما رأته من خير على يديه وتمنت أن ترجع به وأخذت ترجوا السيدة آمنة حتى قبلت وعادت به حتى بلغ عمره خمس سنوات وحدث له حادثة شق الصدر ، وتحكى السيدة حليمة السعدية : حدث أن كان يوما مع ابنى الذى هو أخوه فى الرَّضاعة يرعيان لنا الغنم ، فعاد ابنى مُسرعا وقال : أدركوا أخى القرشى ، فسألته عما به فقال : جاء رجلان فشقا صدره ، وأخرجا قلبه .. فخفت وذهبت إليه مسرعة ومعى زوجى فوجدناه ممتقعا فسألناه ما الخبر ؟ فأكد لنا ما قاله ابنى وقال : أنَّهما أخْرجَا من صَدْره شيئا فَطرحاه ، ثم غَسلا صدره وقَلْبه بثلج فى طَسْت من ذَهب ، ثم أعادا قَلْبه إلى مَكَانه ، فخشينا عليه من الشيطان فأردنا أن نعيده إلى أمه وهو سليم وأصدقناها القول ، فقالت : والله لنْ يَمَسَّه الشَّيْطان وأنَّ لهُ شأن عظيم ورأَيتُ من أمره كذا وكذا .
- أرادت السيدة آمنة أن تذهب به إلى أهلها فى يثرب حيث أخوال أبيه ويزور قبر أبيه وتزور أهلها ومعها الجارية أم أيمن التى تركها عبد الله ومكثت شهرا ، وعند زيارة قبر زوجها عبد الله بكت كثيرا وامتلأ الجو بالحزن الشديد لأنها لم تمكث معه سوى شهورا قليلة ، وعند عودتها فى الأبواء بين المدينة والجُحْفة على بعد 23 ميل تقريبا من المدينة مرضت السيدة آمنة وتُوفيت ودُفنت هناك واليتيم ﷺ عنده ست سنوات قد عاش شهرا من الحزن .
- وقال قائل : "وهَاكَ بَعْض النَّسب الأَبُّ يَمُوت ولاَ يَراه ، والأُم تُسلمه لغريبةٍ تَرْعَاه" . يكفله جده عبد المطلب وكان يُفضِّله على أبناءه وكان يعتنى به كثيرا وكان يجلسه على فراشه عند الكعبة لدرجة أنه تعلق به ، وكان لا يدع أحدا يدخل عليه وهو نائم ، وكان لا ينام إلا وهو بجانبه ، ولا يخرج من البيت إلا وهو معه ، وظل عبد المطلب يحوط حفيده ، ويضعه تحت رعايته ، وحين أحس عبد المطلب باقتراب أجله ، عهد كفالة حفيده النبى ﷺ لعمه أبو طالب ، ويموت الجد عن عمر ثمانين عاما وكان عمر النبى ﷺ ثمانى سنوات ، ومن شدة تعلق النبى ﷺ بجده بكى عليه بُكاءًا مرَّا وسار خلفه يبكى حتى دُفن .
- كفله أبو طالب وكان يفضله على أولاده ويعطف عليه وتعلق به اليتيم ﷺ جدا حتى بلغ سنه إثنا عشرة سنة ، وحين استعد أبو طالب للرحلة إلى الشام وإذا باليتيم ﷺ يتعلق به ويبكى فأخذه معه فى هذه الرحلة وكانت القافلة تنزل عند صومعة بها راهب اسمه "بَحيْرا" وعندما رأى الراهب اليتيم ﷺ قرَّبه منه وتفرس فيه ثم قال لأبى طالب : مَا هذا الغُلام مِنْك ؟ فقال أبو طالب : ابنى ، فقال له الراهب : ما هُو بإبْنَك ، ومَا يَنْبَغى أنْ يَكون أبو هذا الغُلام حَيًا . فقال أبو طالب : هو ابنْ أَخى ، مَاتَ أبُوه وأُمُّه حُبْلى بِهِ ، قال الراهب : ارْجع به إلى بَلدِهِ ، لو رأت اليَهود مَا رأَيْته فيه لقَتَلته ، فأسرع به أبو طالب عائدًا إلى مكة .
- مكث اليتيم ﷺ فى كفالة عمه يرعى الغنم لأهله وأهل مكة جميعا . بلغ عمر النبى ﷺ عشرين عاما ، وقد حضر حلف فى الجاهلية يسمى "حلف الفضول" يعمل على نصرة المظلومين فى مكة . أقيم قبل بعثة النبى ﷺ ، قال عنه النبى ﷺ : "لقد شَهدتُ مع عُمُومتى حِلفًا فى دار عبد الله بن جدعَان ، ما أحب أنَّ لى به حُمُر النِّعم ، ولو دُعيت به فى الإِسلام لأَجبت" وكان هذا الحلف يتضمن الكثير من مكارم الأخلاق ، ومنع أكل أموال الناس بالباطل وأخذ حقوقهم بالقوة . بلغ النبى ﷺ ثلاث وعشرين عاما وكانت السيدة خديجة تاجرة وتستأجر الرجال فتضاربهم على شىء من مالها .. وما إن سمعت بمحمد بن عبد الله الصادق الأمين أرسلت إليه تستأجره على مالها وتجارتها إلى الشام وأرسلت معه غلامها ميسرة كى يخدمه ويكون عينا لها عليه .
- عادت القافلة من رحلة الشام وأرسل ميسرة إلى السيدة خديجة يبشرها بتجارتها الرابحة ، فلما سألته عن مُحَمَّد ﷺ قال لها : أنه لم يصادف صَادق وأَمين كهذا الأَمين ، وأنه نزل تحت شجرة إلى جوار راهب وإذا بأغصان الشجرة تَنْحنى عليه لتُظله ، وأن الرَّاهب سأل عنه وقال : مَا نَزل تحت هذه الشَّجرة إِلاَّ نَبى ورأى الغَمَام يُظله حَيْثُما حلَّ أو ارْتَحل .
- انتظرت السيدة خديجة مقدم النبى ﷺ وأرسلت إليه تَخْطُبه لنفسها قائلة : إنِّى رَاغِبة فِيكَ لقرابتك منى ، وشَرفك فى قَوْمِكَ ، وأمَانتكَ عندهم ، وحُسن خُلقك ، وصِدق حَديثَكَ .. فلما عرض الأمر على أعمامه دخل السرور على قلوبهم ، وتزوجها النبى ﷺ ، وأصدقها بأربعة نوق ، وكان عمرها فى ذلك الوقت أربعين سنة وكانت تلقب "بالطاهرة" بينما عمر النبى ﷺ خمسا وعشرين سنة . كانت السيدة خديجة حين ذاك أفضل نساء قومها نسبًا وثروة وعقلا ، وهى أول امرأة تزوجها رسول الله ﷺ ولم يتزوج بعدها غيرها حتى توفيت .
- نسب النبى ﷺ : محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غانم بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خُزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن مَعَدٍّ بن عدنان ، وعدنان من ولد إسماعيل .
- مرت السنون والأيام حتى أثرت السيول على حجارة الكعبة لأنها كانت مبنية بعضها فوق بعض دون طين بينها وهابت قريش هدم البيت إعتقاداً منهم أن من يحاول هدم حجر من الكعبة سيصاب بسوء من الآلهة ، ولكن الوليد بن المغيرة قال لهم : أنا أبدؤكم فى هدمها ، فأخذ المعول وبدأ الهدم ، وترقب الناس ليلتهم ليروا هل أصاب الوليد بن المغيرة شر بسبب ما فعل ؟ فلما رأوه يغدو عليهم لا بأس به فاطمأنت قريش وعزمت على إكمال هدم الكعبة وإعادة بنائها من جديد بناءًا مُحكماً ، وبعد أن انتهوا من هدم الكعبة وجدوا الأساس عبارة عن حجارة خضراء مسنمة وعندما حاول أحدهم نزع حجر من الأساس قيل أن مكة ارتجت بالكامل فتركوا الأساس كما هو وقيل أنه أساس سيدنا إبراهيم الخليل (عليه السلام) واتفقوا على البناء على هذا الأساس وكانت الكعبة أربعة جدران ، ولكى لا يحدث اختلاف بين قبائل قريش ، أخذت كل قبيلة من قبائل قريش الأربعة تبنى جدار .
- وعندما وصلوا لمقام الحجر الأسود دبَّ الشقاق بين قبائل قريش واختلفوا من يقوم بوضع الحجر ويأخذ هذا الفضل والشرف وكادت أن تقوم حرب بينهم ، لكن أشار عليهم رجل عاقل يسمى أبو أمية بن المغيرة المخزومى أن يحتكموا فقالوا : لمن نحتكم ؟ ، قال : أول من يدخل من باب الصفا ، فقبلوا حكمه وانتظروا أول من يدخل : فإذا بالأمين ﷺ يدخل من باب الصفا وكان سِنُّه فى هذا الوقت قيل أنه كان فى الثلاثين من عمره والكل ارتضى به ووافقوا عليه ورضوا بحكمه ، مما يدل على منزلته ﷺ بينهم ورجاحة عقله وحكمته .
- قال لهم النبى ﷺ : إئتونى بثوب ومسك الحجر بيده الشريفة ووضعه فى وسط الثوب وقال لهم : "يأتينى منْ كُل قبيلة زعيمها وكل واحد يرفع الثوب من طرف" فالكل رفع الثوب حتى وصلوا للموضع ، ومد النبى ﷺ يده وأخذ الحجر ووضعه فى مكانه ، فحل بذلك المشكلة التى كادت تسبب حروبًا بين قبائل قريش .
- فى ذاك الوقت كان اليهود فى يثرب يذهبوا بالتجارة إلى مكة ، ولكنهم بدأوا يتهموا العرب فى دينهم وأنه غير صحيح وأن غدا قد أظلَّنا زمان النبى المنتظر وسنَقْتلكم قتل إرم وعاد وكان الكهان يتوقعون ظهور النَّبى المُنتظر ، حيث يقول الله تعالى : ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) ﴾ البقرة .
- كانت هذه إرهاصات فى مكة تدل على اقتراب ظهور نبى آخر الزمان ، فالأحداث العظيمة غالباً يسبقها من الإشارات ما يكون مُؤذنا بِقربها ، وعلامة على وقوعها ، ولم يطرق البشرية حدث أعظم من ميلاد محمد صل الله عليه وسلم ، الذى كان مولده ميلاد أُمَّة سعدت بميلادها الأُمم ، فنجد حادثة الفيل أن حمى الله الكعبة وأهل مكة من أبرهة وجنوده ، وقيل : لتهيئة الجو العام فى مكة لميلاد النبى ﷺ ، وعزوف المرضعات عنه لأنه فقير فتأخذه حليمة السعدية لأنها لم تجد غيره فإذا بالأتان الضعيفة العجفاء تسرع وتلحق بصويحباتها ، وإذا باللبن يفيض من ثديها ويرضع النبى ﷺ من ثديها ويرضع إبنها من الثدى الآخر ، وحادثة شق الصدر ، وعند خروجه مع القافلة مع عمه أبا طالب إلى الشام وجد الراهب بَحيرى أن غمامة تُظله حيثما حلَّ أو ارتحل وقال لعمه إرجع به إلى مكة لأن اليهود لو رأت مارأيته لقتلوه ، ونجد حِكْمته فى اسْتلام الحجر الأَسود ووضعه فى مكانه بعد أن كادت قريش تقتتل على وضعه .
- حَمَاه الله فى شَبابه من أن يحضر مُنكرا ، فقد سمع يوماً عزفاً بالمزامير ، فهمَّ أن يذهب ويحضر ذلك العرس فنام ولم يستيقظ إلا على حرارة الشمس من اليوم التالى ، وعندما شارك فى بناء الكعبة كان قومه يرفعون أزرهم على عواتقهم يتقون بها ضرر الحجارة ، وكان ﷺ يضع الحجارة على عاتقه وليس عليه شىء ، فرأه عمه العباس فقال له : لو رفعت من إزارك على عاتقك ، ففعل ﷺ فبدت عورته ، فوقع على الأرض مغشيا عليه ، وعنما سئل عن ذلك قال لكمنى لاكم ، فما رُؤيَت له بعد ذلك عورة أبدا .
- مَا شَربَ الخمر قط ، ما كذب قط ، ما سجد لصنم قط ، لم يطوف كما كانوا يطوفون ، ما أكل ميتة قط ، كان ﷺ معصوما فى الشيبة والشباب . حُبب إليه الخلاء فاختار غار حراء ، وكان يتحنث (يتعبد) فى غار حراء فى شهر رمضان .
- أنجب الرسول ﷺ من السيدة خديجة (رضى الله عنها) كلا من : السيدة زينب ، والسيدة أم كلثوم ، والسيدة رقية ، والسيدة فاطمة ومن الذكور : القاسم ، والطيب ، والطاهر ، وعبد الله ، وقد مات الذكور جميعا وهم صغار ، أما البنات فقد عشن جميعا إلى ما بعد البعثة ، ولكنهن متن جميعا قبله ﷺ ولم تبقى إلا السيدة فاطمة التى لحقت به بعد ستة أشهر من وفاته ﷺ .
- كان النبى ﷺ قد بلغ الأربعين من عمره ، وكان يخلو فى غار حراء بنفسه ويتفكر فى هذا الكون وخالقه وكان تعبده فى الغار يستغرق الليالى ذوات العدد حتى إذا نفذ الزاد عاد إلى بيته فتزود لليالِ الأخر ، وفى يوم من شهر رمضان جاءه جبريل (عليه السلام) بغتة فى صورة بشر عليه ثياب بيضاء لأول مرة فى الغار وقال له : اقرأ ، قال : مَا أنَا بِقَارِئ ، قال : فَأَخَذنى فَغطَّنى حتَّى بَلغَ منِّى الجَهْد ، ثم أرْسَلَنى ، وقال : اقرأ فقلت : مَا أنَا بِقارئ فأخَذنِى فَغَطَّنى الثانية حتى بَلغ منِّى الجَهْد ، ثم أرسلنى فقال : اقرأ فقلت : ما أنا بقارئ فأخذنى فغطَّنى الثالثة ثم أرسلنى فقال : ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) ﴾ العلق . وانصرف الملك وخرج النبى ﷺ يمشى وسط الجبال خائفاً ، وإذا به يسمع صوتا يقول له : السلام عليك يا رسول الله ، أنا جبريل وأنت رسول الله ، فينظر فى الأفق فيجد الملك على صورته له ستمائة جناح يسد الأفق فخرَّ مغشياً عليه .
- رجع رسول الله ﷺ يرجف فؤاده ، فدخل على السيدة خديجة (رضى الله عنها) وقال : "زملونى ! زملونى" فزملوه حتى ذهب عنه الروع ، فقال للسيدة خديجة وأخبرها الخبر : "لقد خشيت على نفسى" فقالت السيدة خديجة (رضى الله عنها) : "كلاَّ و الله لنْ يُخْزيكَ الله أبدًا ، إنَّكَ لتَصِلُ الرَّحِمَ ، وتَحْملُ الكَلَّ ، وتَكْسِبُ المَعْدُومَ ، وتَقْرِى الضَّيْفَ ، وتُعِينُ عَلى نَوائِبِ الدَّهْرِ" . وانطلقت به حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم السيدة خديجة ، وكان إمرأ تَنصَّر فى الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العبرانى ، وكان شيخاً كبيراً قد عمى ، فقالت له السيدة خديجة (رضى الله عنها) : يا ابْنَ عَمِّ اسْمعْ منْ ابن أَخيكَ ، فقال له ورقة : يا ابن أخى ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى ، فقال له ورقة : هذا الناموس الذى نزَّل الله على موسى ، يا ليتنى فيه جدعا (أى شابا) ، ليتنى أكون حياً إذ يُخرجُكَ قَوْمُكَ ، فقال رسول الله ﷺ : "أَو مُخْرِجىَّ هُمْ ؟" قال : نعم ، لم يَأْتِ رجلٌ قطُّ بمثل ما جِئْتَ به إلا عُودِىَ ، وإنْ يُدْركنى يومك أنْصرك نصرًا مؤزرًا . ثم لم يَنْشبْ ورقة أن تُوفِىَ .
- وجاءه الملك مرة أخرى وهو فى فراشه يقول له : ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7) ﴾ المدثر . فزاد اضطراب النبى ﷺ وقال : "دَثِّرُونِى دَثِّرونِى" وإذا بالسيدة خديجة بحكمتها وفِطْنتَها تسأله أن يُخبرها حين يراه ، وكان وحده الذى يراه - فلما أخبرها رفعت غطاء رأسها وأسدلت شعرها وسألته عما إذا كان ما زال يراه ، فأجابها أنه انصرف ، فقالت له : "و الله مَا هذا بِشيْطان ، إنْ هو إلاَّ مَلك كريم"
- وقيل وهو فى طريقه إلى الغار كان يتلمس جبريل (عليه السلام) ، وكان يسمع سلام الأحجار والأشجار عليه وهى تقول : السلام عليك يا رسول الله حتى أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول فى حديث صحيح : "إنِّى لأعرفُ حَجرًا بمكة كان يُسلم علىّ" ، وقيل أن جبريل (عليه السلام) أخذه فى وادى بين الجبال وركض برجله فانفجر الماء فتوضأ جبريل (عليه السلام) وعَلَّم النبى ﷺ الوُضوء ثم صلى ركعتين وعلَّمَهُ الصلاة .
- عاد النبى ﷺ إلى السَّيدة خديجة وعلَّمَها الصلاة وأسلمت ، وكانت أول من أسلم على الإطلاق ، فكانت تصلى مع النبى ﷺ وكان معهما فى البيت على بن أبى طالب وزيد بن الحارثة ، وكان سبب وجود على بن أبى طالب فى البيت أن قريشا أصابتها أزمة وأبو طالب كان فقيرا ، فذهب النبى ﷺ إلى عمه العباس يطلب منه إعانة أبى طالب وكان كثير الأولاد ، فأخذ النبى ﷺ علىّ وكان عمره عشر سنين ، وأخذ العباس جعفر .
- وذات مرة دخل علىّ بن أبى طالب فجأة على النبى ﷺ فوجده يُصلى مع السيدة خديجة ، وبعد انتهاء الصلاة سأل رسول الله ﷺ عن هذه العبادة فقال له الرسول ﷺ : نَسجدُ لله الواحد الأَحد ونَعْبده وأنا رسول الله وعرض عليه الإسلام ، فقال له علىّ : حتى أشاور فى ذلك أبى ، فتركه الرسول ﷺ . بات علىّ وفى الصباح ذهب إلى رسول الله ﷺ وقال له : إن الله حين خلقنى لم يستشر أبا طالب فكيف أشاوره فى عبادة الله ، وقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وأسلم سيدنا علىّ ، وكان أول من أسلم من الصبيان .
- قصة زيد بن الحارثة أنَّ حكيم بن حزام بن خويلد اشترى غلمان من سوق عكاظ وكان من ضمن الغلمان زيد ، وعند زيارة السيدة خديجة له قال لها حكيم : اختارى من الغلمان أهبه لك فاختارت زيد ورجعت به إلى النبى ﷺ وحينما رأه أحبه وطلب منها أن تهبه له ، فوهبته له فأصبح مِلْكًا له ، وعندما ذهب الأب والعم ليأخذوه رفض أن يرجع إليهم واختار أن يمكث مع النبى ﷺ ولا يرجع إلى أهله ، وذهب به النبى ﷺ والملأ من الناس حول البيت وقال النبى ﷺ : أُشْهدكم أن زيد ابنى يَرِثُنى وأرثه وتبنَّاه النبى ﷺ ، وأسلم زيد وكان أول من أسلم من العبيد ، وأمَّا أبو بكر الصديق فحينما عرض عليه النبى ﷺ الإسلام ، أسلم على الفور ولم يتردد وقال النبى ﷺ بعد ذلك : ما عَرضتُّ الإسلام عَلى أَحدٍ إلاَّ كانتْ لهُ كَبْوة إلا أبا بكر ما إنْ عَرضتُّ عَليْه الإسلام ما تردد به .
- وبدأ أبو بكر الصديق (رضى الله عنه) يدعوا المقربين له فأسلم له خمسة على الفور : عثمان بن عفان ، عبد الرحمن بن عوف ، الزبير بن العوام ، طلحة بن عبيد الله ، سعد بن أبى وقاص ، والخمسة من العشرة المبشرين بالجنة ثم لحق بهم على التو : أبو عبيدة بن الجراح ، سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، وزوجته فاطمة بنت الخطاب ، الأرقم بن أبى الأرقم ، أبو سلمة ، الحارث بن عبد المطلب ، وحمزة بن عبد المطلب ، عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب .
- نزل الأمر لرسول الله ﷺ : ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) ﴾ الحجر . ونزل أيضا : ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) ﴾ الشعراء . ودعا النبى ﷺ أعمامه إلى طعام فى بيته وبعد فراغهم من الطعام بدأ يُحدثهم عن الإسلام ولكن أبو لهب هاج عليه وخرجوا وتركوه ، ودعاهم مرة أخرى للطعام وبدأ يحدثهم ولكنهم لم يستجيبوا له ، وهاج عليه أبو لهب وأمر ابنيه عتبة بن أبى لهب ، وعتيبة بن أبى لهب بتطليق ابنتيه السيدة رقية والسيدة أم كلثوم ، وكان ذلك إكرامًا من الله تعالى لهما وهوانًا لإبنى أبى لهب .
- صعد النبى ﷺ على جبل الصفا وجعل ينادى : يا بنى فهرا ، يا بنى عدى فجاء أبو لهب وقريش واجتمعوا له . فقال : "أَرأيْتَكم لو أَخْبرتكم أنَّ خَيْلا بالوادى تُريد أنْ تُغير عليْكُم أكنتم مُصَدقى ؟ قالوا : نعم ، ما جربنا عليك كذبا قط ، فقال : "إنِّى نذير لكُم بيْن يَدى عَذابٌ شديد" ، فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا ، فنزلت فى التو ، يقول الله تعالى : ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) ﴾ المسد .
- بدأ الإسلام ينتشر فى مكة سِراً ، فكان من أسلم من الناس إذا أراد الصلاة يذهب إلى الشعاب يستخف بصلاته من المشركين ، فيلحقهم المشركون يستهزئون بهم ، فحدث يوماً شجار بينهم وبين سعد بن أبى وقاص فضرب أحدهم فشق رأسه فسال دمه فكان أول من أسال دمًا فى سبيل الله ، ومضى رسول الله ﷺ فى طريقه يدعو إلى الله مُتلطفا فى عرض رسالة الإسلام . فَوفَّقَ الله تعالى ثلةٌ من قرابته وقومه لقبول الحق والهدى الذى جاء به ، وأعرض أكثرهم عن ذلك ، ونصبوا له العداوة والبغضاء .
- شعر صناديد قريش بإنتشار الإسلام بين الناس وبين العبيد والنساء وخافوا على سلطانهم وعلى آلهتهم فذهبوا إلى عمه أبو طالب يُحرضُونه على ابن أخيه ويتركه لهم ، ولكنه رفض لطلبهم ، وخرجوا من عنده يتوعدونه بالحرب . خشى أبو طالب على نفسه وعلى النبى ﷺ وناداه وقال له : يا ابن أخى سَتقذفُك العرب عن قوس واحد وأنا لا أَقْدر على الوقوف أمامهم ، وابق على نفسك وابق علىَّ .
- شعر النبى ﷺ أن عمَّه الوحيد الذى كان يقف بجانبه يتخلى عنه ، فسكت قليلا ثم قال : "يا عم والله لوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فى يَمينِى والقَمَر فِى يَسارى عَلَى أنْ أتْرك هذا الأَمْر مَا تَركْته حتَّى أَهْلك دُونُهُ" وهمَّ بالخروج ولكن أبا طالب استوقفه وقال له : يا ابن أخى امض لما أنت فيه والله لأمْنعنَّك من قريش ، وجمع أبو طالب أخواته أولاد عبد مناف وأولاد هاشم وقال لهم : لا تريدون أن تؤمنوا بمحمد وما يقوله ، ولكن لا أقل من أن تمنعوه ، أين الشرف ، أين نخوة الدم فيكم ؟ أتَتْرُكونه يُقتل بيننا ، قالوا : لا كلُّنا يَمْنَعه ، ولم يتَخلف عن أعمامه غير أبو لهب فقط .
- فرض سادة قريش مقاطعة بنى هاشم وبنى عبد المطلب ، وبدأوا بمضايقة ضعفاء الحال من المسلمين ، ولم يَسْلم من الأذى كبار الصحابة مثل مُصعب بن عمير ، وبلال بن رباح ، وعمَّار بن ياسر ، وخبَّاب بن الأرت ، وصُهيب الرُّومى ووصل الأذى إلى النبى ﷺ ، فكانت امرأة أبى لهب تضع النجاسات أمام بيته ، وكان أبو لهب يضع على ظهر النبى ﷺ أمعاء ودم الذبائح وهو ساجد فى الكعبة حتى تأتى السيدة فاطمة وهى صغيرة تنظف ظهره ﷺ مما وُضِع عليه ، بل أمسكوا به وكادوا أن يخنقوه حتى جاء أبو بكر وخلَّصَهُ منهم وقال لهم : "أَتقْتلون رجلاً أنْ يَقول ربى الله" وخلصه منهم .
- وفى يوم علم حمزة بن عبد المطلب أن أبا جهل سبَّ النبى ﷺ فذهب إليه عند الكعبة وهو جالس فى ملأ من قريش فضربه بقوسه ضربة شديدة على رأسه وقال له : كيف تَسُبُّ مُحمَّداً وأنا على دينه ، ولم يكن أسلم ويزهل الجميع عن الضربة التى شجت وجه زعيمهم ، وقالوا : هل صبأت يا حمزة ؟ فقال : نعم وأنا على دينه ، قالها حمية ، ولكنه ذهب إلى الكعبة ودعا الله أن يهديه ، فهداه الله للإسلام ، وبإسلام حمزة زادت قوة المسلمين وخفَّفت قريش من أذاها للرسول ﷺ .
- وذات يوم يخرج عمر بن الخطاب من بيته متوشحا سيفه لقتل النبى ﷺ فيلقاه فى طريقه رجلا من قبيلته يحاول أن يثنيه عن هدفه فلا يفلح فيثيره قائلا : قبل أن تقتل مُحمَّدا ، عليك بأهل بيتك ، وأخبره بإسلام أخته فاطمة وزوجها سعيد بن زيد . استشاط عمر وأسرع إلى بيت أخته ، وسأل زوج أخته عن حقيقة الأمر وهَمَّ بضربه فحالت فاطمة بينهما فوقعت الضربة على وجهها وسال الدم من فمها ، وقالت له أنها أسلمت ، لكن عمر يتحول ويلين قلبه ويستمع لما كانوا يقرؤونه بداية سورة طه ، ويقع الإسلام فى قلبه ، ويذهب إلى دار الأرقم ويعلن إسلامه للرسول ﷺ ، ويصبح المسلمون فى أكثر منعة وقوة بإسلام عمر بن الخطاب .
- استمر الرسول ﷺ فى نشر الدعوة ، وازداد عدد المسلمين ، وأخذ الإسلام ينتشر فى القبائل المجاورة ، ورأت قريش أن المسلمين زادت قوتهم ومنعتهم فى مكة وخاصة بعد إسلام حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب (رضى الله عنهما) ، وأن وفدهم الذى أرسلوه إلى النجاشى ليقوم باسترجاع المسلمين الذين فروا من مكة تاركين دين أباءهم قد فشل فى مهمته وعاد إلى مكة خائبًا ، كما رأت قريش أن محاولاتها لصد الرسول ﷺ عن دعوته ، ومحاولات إذائه والمسلمين ، والضغوط المختلفة باءت بالفشل ، فعقدوا مؤتمرا اقترح فيه المشركون أن يقاطعوا بنى هاشم وبنى المطلب لأنهم انحازوا إلى أبى طالب وتأزروا معه فى الدفاع عن رسول الله ﷺ ، وذلك بكتابة صحيفة تعلق على أستار الكعبة ويتعاقدون فيها على الآتى : 1- أن لا ينكحوا من بنى هاشم وبنى عبد المطلب ولا ينكحوا إليهم 2- ولا يبيعوهم ولا يبتاعوا منهم شيئا 3- لا يقبلوا منهم صُلحًا حتى يُسلِّمُوا لهم مُحمَّدًا ليقتلوه .
- دخل بنو هاشم وبنو المطلب شِعب أبى طالب ، وتركو منازلهم فى مكة ، ومعهم رسول الله ﷺ ، وجميع أصحابه (رضى الله عنهم) ، ما عدا أبو لهب الذى ناصر قريش على الرسول ﷺ وأصحابه مما اضطر كثير من المسلمين إلى أكل أوراق الشجر من شدة وألم الجوع لمنع قريش عنهم الغذاء والطعام والشراب ، واستمرت هذه المقاطعة ثلاث سنوات من الظلم والقهر ، ولكن هذه المقاطعة زادت المسلمين قوة وصلابة وعزيمة ، وشاركت السيدة خديجة (رضى الله عنها) الرسول ﷺ أحزانه وآلامه وبذلت فى سبيل ذلك مالها ، وواجهت معه الجوع والعطش ، وكذلك أبو طالب بذل ماله فى مواساة النبى ﷺ .
- حاول بعض العقلاء من قريش أصحاب النخوة والمروءة خرق المقاطعة وأيصال الطعام للمسلمين ، فكان المشركين يصدونهم ويمنعونهم ، وذات مرة أراد حكيم بن حزام أيصال الطعام إلى عمته السيدة خديجة (رضى الله عنها) فمنعه أبو جهل ، لولا أن أبا البخترى بن هشام الأسدى كان يتصدى له وانتصر لحكيم بن حزام وأخذ حجرا وضرب به أبو جهل . ورق بعض الناس لحال المسلمين المحاصرين فى شعب أبى طالب ، فها هو هشام بن عمرو العامرى يرق لحال المسلمين ، وكان يحضر بعيرا من إِبِلِه مُحمَّلا بالطعام والثياب ويأخذ بخطامه حتى يصل إلى شعب أبى طالب فيخلع خطام البعير ويطلقه ، ثم يضرب البعير لتجرى وتدخل على بنى هاشم ، وكان يفعل ذلك كل فترة قصيرة ، وكان يتألم كلما مرَّ بالقوم ورأى حالهم ، ثم هداه الله تعالى أن سعى إلى نقض هذه الصحيفة القاطعة للأرحام .
- فكانت البداية أن هشام بن عمرو شعر بشىء حاك فى صدره ، ووجد أن هذا ليس كافيا ، إذ كيف يأكل ويشرب وهؤلاء المحاصرين لا يأكلون ولا يشربون ؟ وكيف ينام أطفاله شبعى وينام أطفال هؤلاء جوعى ، فذهب إلى زهير بن أبى أمية المخزومى لأن أمه (أم زهير) من بنى هاشم ، وهى عاتكة بنت عبد المطلب بن هاشم يحثُّه على نقض الصحيفة وقال له : كيف تأكل وتشرب وتنام قرير العين ، وأخوالك بنو هاشم والمطلب فى الشعب لا طعام عندهم ولا شراب ، ولكن زهير قال له : ماذا أفعل وأنا رجل واحد ، أما و الله لو كان معى رجل آخر ، قال هشام بن عمرو أنا معك ، قال زهير : أبغنا رجلا ثالثا ، لم ييئس هشام بن عمرو وذهب إلى المطعم بن عدى النوفلى وكان صديقا لأبى طالب وذكره بأرحام بنى المطلب وبنى هاشم ، ولامه على موافقته للظلم الذى وقع على بنى هاشم والمطلب ، ولكن المطعم بن عدى قال له : ماذا أفعل وأنا رجل واحد ؟ فقال هشام بن عمرو : أنا وزهير بن أبى أمية معك ، فقال المطعم : أبغنا رابعا ، فذهب إلى أبى البَخْتَرى بن هشام الأسدى وقال له : كيف ترضى بحصار بنى هاشم والمطلب وبنت عمك خديجة بنت خويلد معهم تكابد الجوع والعطش ، فقال البخترى : وهل من أحد يعين على هذا ؟ قال هشام : أنا ومعى زهير بن أبى أمية ، والمطعم بن عدى ، فقال البخترى : أبغنا خامسا ، فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب الأسدى ، وذكر له الأربعة السابقين فوافق زمعة .
- اتفق الرجال الخمسة على نقض الصحيفة الظالمة وذهبوا إلى أندية قريش ، وكان أبو طالب حاضرا حديث القوم ، وقف قائلا : يا قوم ، إن ابن أخى قد ذكر لى ، أن الله قد سلط الأرضة على الصحيفة ، فلم تدع إسما لله إلا تركته ، ولم تدع ظلمًا وقطيعة وبهتان إلا أكلته ، فإن كان ما يقوله صحيحا ، أطلقناهم وأخرجناهم من الشعب ، ووافق الجميع ، فقام المطعم بن عدى ليشقها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا ما كان مكتوبا "باسمك اللهم" . فصُدِمتْ قريش ، ورأت أن الأمر قد خرج من يدها فانصاعت للأمر ووافقت على مضض تمزيق الصحيفة وذهب الرجال الخمسة إلى الشعب ، وأعادوا بنى هاشم وبنى المطلب إلى بيوتهم فى مكة .
- لم تمضى إلا شهورًا قليلة من نقض الصحيفة حتى فاجأ النبى ﷺ موت عمه أبو طالب مما أصاب النبى ﷺ حزنا شديدًا لكفاحه وجهاده فى حماية النبى ﷺ وكان الحصن الذى تحتمى به الدعوة الإسلامية من السفهاء ، وصناديد قريش ، ولم تستطيع قريش أن تنال من النبى ﷺ إلا بعد موت أبا طالب ، ومما ضاعف حزن النبى ﷺ ، أنه حرص على هدايته ودعوته للإسلام إلا أنَّه أبى ، فكان يحبه حبًا شديدًا لأنه هو الذى ربَّاه وهو الذى كفله بعد جده عبد المطلب .
- وفى ظل هذا الحزن الشديد يُصاب النبى ﷺ بموت السيدة خديجة (رضى الله عنها) التى آزرته فى أحرج الأوقات ، وأعانته على إبلاغ رسالته ، وواسته بمالها ، وظلت تتحمل معه كيد الخصوم ، وآلام الحصار ، ومتاعب الدعوة ، فقد كان موتها من أكبر المصائب التى مرت على النبى ﷺ حتى حزن عليها أشد الحزن وظل يذكرها بالخير طوال حياته ، ويبين للناس فضلها وإحسانها .
- بموت أبى طالب ، والسيدة خديجة (رضى الله عنها) تجرأ الكفار على النبى ﷺ ونالوا منه ما لم يكونوا يطمعون به فى حياة أبى طالب ، وأصبح وحيدا لا ناصر له إلا الله ، ورغم الأذى الذى تعرض له النبى ﷺ ما تنوء الجبال بحمله ، فعزم على الإنتقال إلى بلد غير مكة يعرض دعوته ويلتمس نصرتهم .
- بعد أن اشتد أذى المشركين للمسلمين فى مكة واستخدامهم شتى أنواع العذاب لكى يفتنوا الصحابة عن دينهم ، أشار عليهم النبى ﷺ بالهجرة إلى الحبشة لأن بها النَّجاشى ملكا عادلا لا يقبل الظلم على أحد ، وكانت هذه هى الهجرة الأولى وكان من المهاجرين : عثمان بن عفان ومعه زوجته رقية بنت النبى ﷺ ، وأبو سلمة وزوجه أم سلمة ، وعبد الرحمن بن عوف ، وعثمان بن مظعون رضى الله عنهم أجمعين ، وقد خرجوا خفية إلى البحر فركبوا السفينة باتجاه الحبشة دون أن تشعر بهم قريش ، ولما علمت قريش بخبرهم خرجت فى إثرهم ، ولما وصلوا إلى الشاطئ وجدوهم قد غادروا فى طريقهم إلى الحبشة .
- أما الهجرة الثانية كانت فى أواخر العام العاشر وبداية العام الحادى عشر من البعثة ، وقد ضاعفت قريش من أذاها على المسلمين ، فأمرهم النبى ﷺ بالهجرة مرة أخرى إلى الحبشة فخرج نحو بضع وثمانى عشر رجلا وثمانى عشر امرأة وكان من الرجال جعفر بن أبى طالب وزوجته أسماء بنت عميس ، وبعد خروجهم لم يبقى مع النبى ﷺ إلا عدد قليل ممن أسلموا معه فى مكة .
- بعد موت أبا طالب ، والسيدة خديجة (رضى الله عنها) اشتد إيذاء المشركين للنبى ﷺ حتى أنهم أسرفوا فى إيذائه إسرافا بعيدا عن الكرامة الإنسانية ، فقد كان يمرُّ فى السوق فينثرون على رأسه التراب ، فيذهب إلى بيته صابرا فتغسله السيدة فاطمة (رضى الله عنها) وهى تبكى وتقول : ما هذا الذى أرى يا أبتاه فيقول لها ﷺ : "لا تبكى يا بُنيَّة ، إن االله مانعُ أبَاك" ويقرر النبى ﷺ مغادرة مكة إلى مكان يسمع فيه صوت الحق ويعينه على أعدائه .
- قرر النبى ﷺ أن يخرج إلى الطائف سيرًا على قدميه ، واصطحب معه زيد بن حارثة (رضى الله عنه) وكانت المسافة بين مكة والطائف حوالى أكثر من خمسة وثمانين كيلوا متر ، وكل هذه المتاعب والمشقة والشدائد من أجل هداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور ، ولعله يجد بينهم من يؤمن برسالته ، ويطلب النصرة والعون من أهلها ، ولكن أهل الطائف لم يكونوا أشرف من سادة قريش ؛ فقد ردوه ، ولم يقبلوا دعوته ، وسلطوا عليه الصبيان والعبيد والسفهاء ، وأخذوا يرمونه بالحجارة حتى أدموا قدمه الشريفة وسالت الدماء منها ، ويسخرون منه ، ويسبونه بأقبح السباب والشتائم ، وكان زيد يدفع عنه أذاهم حتى شج رأسه .
- لجأ النبى ﷺ ومعه زيد إلى بستان لعتبة وشيبة ابنى ربيعة وتوجه إلى ربه عزَّ وجلَّ قائلا : "اللَّهُم إليْك أشْكو ضَعْفَ قوتِى ، وقِلة حيلتِى ، وهَوانى على النَّاس ، يا أرْحم الرَّاحمين ، أنتَ ربُّ المُسْتَضعفِين وأنتَ ربِّى ، إلى منْ تَكلُنى ؟ إلى بعيد يتَجَهَمنى ؟ أمْ إلى عدوٍ ملَّكته أمرى ؟ إنْ لمْ يَكُن بِكَ علىَّ غضبٌ فلا أبالى ، ولكنَّ عافِيتَكَ هى أوسْع لى ، أعُوذ بنورِ وجْهِك الذى أشْرقت لهُ الظُّلمات ، وصَلُح عليه أمْر الدنيا والآخرة منْ أنْ تُنزل بى غَضَبكَ ، أو يَحل علىَّ سَخطُك ، لكَ العُتْبى حتَّى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك" .
- فلما رأه ابنا ربيعة ؛ عتبة وشيبة وكانا من ألد أعداء الإسلام ، وممن ذهبوا إلى أبى طالب عم النبى ﷺ يسألونه أن يكفَّه عنهم ، أو يخلِّى بينه وبينهم ، حتى يهلك أحد الفريقين ، ولكن فى هذا المشهد انقلبت الغريزة الوحشية إلى الشفقة والتراحم .
- دعا عتبة وشيبة غلاما لهما نصرانيا يقال له : عَدَّاسٌّ فقالا له : خذ قطفا من العنب ، فضعه فى هذا الطبق ، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل ، فقل له يأكل منه . ففعل عَدَّاس ، فلما وضع رسول الله ﷺ يده فيه قال : "باسم الله" ، ثم أكل . فنظر عدَّاسٌّ فى وجهه ثم قال : والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد . فقال له النبى ﷺ : من أهل أى البلاد أنت يا عَدَّاس ؟ وما دينك ؟ قال : نصرانى وأنا رجل من أهل نِينَوَى .
- قال النبى ﷺ : من قرية الرجل الصالح يونس بن متى ، فقال له عَدَّاس : وما يدريك ما يونس بن متى ؟ قال النبى ﷺ : ذاك أخى كان نبيًا وأنا نبى ، فأكب عَدَّاس على النبى ﷺ يقبل رأسه ويديه وقدميه ، فلما رأى عتبة وشيبة ما حدث من عدَّاس قالا له : ويلك يا عداس ! ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه ؟ قال : يا سيدى ما فى الأرض شىءٌ خير من هذا ، لقد أخبرنى بأمر ما يعلمه إلا نبى ، قالا له : ويحك يا عدَّاس ! لا يصرفنك عن دينك ؛ فإن دينك خير من دينه . لكن عدَّاس يشهد للنبى ﷺ بالرسالة ويدخل فى دين الإسلام .
- عاد الرسول ﷺ من الطائف إلى مكة مهمومًا على وجهه بعد أن كذبوه وآذوه ولم يفق إلا وهو بمكان يسمى بقرن الثعالب ، فيقول صلى الله عليه وسلم : فرفعت رأسى ، وإذا أنا بسحابة قد أظلَّتنى ، فنظرتُ فإذا فيها جبريل (عليه السلام) فنادانى ، فقال : إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك ، وقد بَعث إليك ملك الجبال لتأْمرهُ بما شئْت فيهم ، فنادانى ملك الجبال ، فسلم على ثم قال : يا مُحمَّد أنا ملك الجبال ، وقد بعثنى ربى إليك لتأمرنى بأمرك فما شئت ؛ إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين (جبلين بمكة) فقال النبى ﷺ : بل أرجوا أن يُخْرِجَ الله من أصلابهم من يَعْبد الله وحده ولا يُشرك بهِ شيئا .
- وعند عودة النبى ﷺ من ثقيف من الطائف إلى مكة مرَّ بمكان اسمه "نخلة" ، وجلس يستريح ثم قام ليتوضأ ويصلى وإذا بالجن يستمع لقرآنه : ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا ۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ (29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءُ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (32) ﴾ الأحقاف . وكذلك نزلت سورة الجن : ﴿ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) ﴾ إلى الآية ﴿ وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15) ﴾ وكأن الحق تبارك وتعالى أراد أن يُسرِّى عن حبيبه المصطفى ﷺ ، ويقول له إن لم يؤمن بك هؤلاء السفهاء وطردوك ، ولم يستجيبوا لدعوتك ، وسلطوا عليك الصبيان والعبيد ، فأرسلت لك نفر من الجن يستمع إليك ، وينصت لتلاوتك ، ويؤمن بك ، فلما سمعوه رجعوا إلى قومهم لينذرونهم .
- من هنا بدأت رحلة الإسراء والمعراج . يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) ﴾ الإسراء . حيث يُعرَّف الإسراء بأنه انتقال النبى ﷺ مع جبريل (عليه السلام) ليلا من البيت الحرام فى مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى فى بيت المقدس على دابة البُراق وهى دابة أصغر من الفرس وأكبر من الحمار ، تضع حافرها عند منتهى طرفها ، وأمَّا المعراج فهو صعودهما من بيت المقدس إلى السماوات العُلى ، وقيل أرجح الأقوال : "أن الإسراء والمعراج تم بالجسد والروح" ، وكانت تخفيفا لآلامه وأحزانه ﷺ وإعلاءً لشأنه ، وإكراماً له وذلك بسبب الأذى الذى تلقاه من قومه وما لاقاه من أهل الطائف ، وتكذيبهم له ، وتسلية له ﷺ وتعريفا له بمنزلته وقدره عند الله عزَّ وجلَّ .
- قيل أن النبى ﷺ كان يبيت عند أم هانئ (هند بنت أبى طالب) أخت علىّ بن أبى طالب فتحكى وتقول : صلى معنا صلاة العشاء الآخرة والصلاة لم تكن فرضت بعد ، فكانت ركعتين بالنهار وركعتين بالليل ثم نام ثم استيقظ فأهبنا (أيقظنا من النوم) وصلى بنا صلاة الصبح وقال : يا أم هانئ صَليتُ مَعكم صلاة العِشاء الآخرة البَارحة ثم أُسْرى بى إلى المسجد الأقصى صليتُ بالأنبياء وعُدت وصليت بكم الصبح ، فقلت يارسول أتحدث الناس بذلك قال : "نعم" ، فأشارت إليه ألا يحدثهم .
- خرج النبى ﷺ إلى جبل الصفا وحدث الناس بقصة الإسراء ، ولكن الناس تركوه وذهبوا إلى أبى بكر الصديق (رضى الله عنه) وقالوا له : أدرك صاحبك يحدث الناس بأنه أسرى به إلى المسجد الأقصى ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهرا غدوًا وشهرا رواحًا ، فقال لهم : أنتم تكذبون علىّ ، ولو كان قال ذلك فقد صدق والله إنى أصدقه فى خبر السماء أفلا أصدقه فى خبر الأرض ، وذهب إلى النبى ﷺ ووجده يحدث الناس بقصة الإسراء ، وأبو بكر (رضى الله عنه) يصدقه فيما يقول ، ومن هنا سُمِّى أبو بكر بالصديق .
- بعد هذه الحادثة اندهش كثير من الناس بين مكذب ومصدق ، وارتد بعض المسلمين عن دينهم ، حتى أنهم طلبوا من النبى ﷺ أن يصف لهم بيت المقدس - ولم يكن رأه من قبل - فأظهر الله له صورة بيت المقدس ، فأخذ يصفه وكأنه يراه ، وهم لا يرونه ، وأخبرهم النبى ﷺ بأشياء رأها فى الطريق ، وبقوم مرَّ عليهم وهم فى طريقهم ألى مكة ، فخرج الناس ينتظرونهم ، فجاءوا فى موعدهم الذى حدده النبى ﷺ فشهدوا بصدقه ، فكان ابتلاء للذين آمنوا حتى يميز الله الطيب من الخبيث .
- بدأت رحلة الإسراء بأن ركب النبى ﷺ البراق حتى وصل إلى بيت المقدس فى فلسطين ، وصلى إمامًا بالأنبياء ركعتين فكان تشريفًا له عليهم ، وبذلك تكون رسالته عالمية ناسخة لجميع الرسالات من الشرق إلى الغرب ، فهو خاتمهم وأفضلهم ، ثم بدأت رحلة المعراج إلى السماوات العُلى ، وإذا بأبواب السماء تفتح للنبى ﷺ فيجد فى السماء الأولى آدم (عليه السلام) ، وأرواح الشهداء عن يمينه ، وأرواح الأشقياء عن يساره ، ثم صعد إلى السماء الثانية فرأى فيها يحيى وعيسى (عليهما السلام) ثم صعد إلى السماء الثالثة فرأى فيها يوسف (عليه السلام) ، ثم صعد إلى السماء الرابعة فرأى فيها إدريس (عليه السلام) ، ثم صعد إلى السماء الخامسة فرأى فيها هارون (عليه السلام) ، ثم السماء السادسة فرأى فيها موسى (عليه السلام) ، وفى السماء السابعة إبراهيم (عليه السلام) . فى هذه الرحلة رأى الجنة والنار ، ورأى مالك خازن النار ، ورأى من مشاهد الآخرة ما لم يره انسان ، فقد رأى أكلة أموال اليتامى ظلمًا ، لهم مشافر كمشافر الإبل يُقذفون فى أفواههم قطع من نار كالأفهار ، فتخرج من أدبارهم ، ورأى أكلة الرِّبا لهم بطون كبيرة لا يقدرون لأجلها أن يتحولوا عن أماكنهم ، ورأى الزُّناة بين أيديهم لحم سمين طيب ، إلى جنبه لحم غث منتن ، فرآهم يأكلون من الغث المنتن ، ويتركون الطيب السمين ، ثم عرج به إلى سدرة المنتهى ، وهو موضع لم يبلغه نبى أو ملك قبله ولا بعده تكريمًا له ﷺ ، حيث قال الله تعالى : ﴿ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ (9) فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ (10) ﴾ النجم .
- وفى هذه الليلة فرض الله خمسين صلاة على حبيبه المصطفى ﷺ ، فمر على موسى بن عمران (عليه السلام) فقال : ما فرض ربك على أمتك ؟ قال ﷺ : خمسين صلاة قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ، فإن أمتك لا يطيقون ذلك فما زال الرسول ﷺ يتردد بين موسى (عليه السلام) والحق تبارك وتعالى يسأله التخفيف ، حتى جعلها الله خمسٌ فى العمل ، وخمسون فى الأجر .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛