قضايا عامة | موقف الإسلام من الأديان الأخرى وعلاقته بها

موقف الإسلام من الأديان الأخرى 

وعلاقته بها

للأستاذ الدكتور/ محمد عبد الله دراز

إذا أخذنا كلمة " الإسلام " بمعناها القرآنى نجدها لا تدع مجالاً لهذا السؤال عن العلاقة بين الإسلام وبين سائر الأديان السماوية . فالإسلام فى لغة القرآن ليس إسمًا لدين خاص ، وإنما هو اسم للدين المشترك الذى هتف به كل الأنبياء وانتسب إليه كل أتباع الأنبياء ، هكذا نرى نوحًا (عليه السلام) يقول لقومه :  ﴿ .. وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72)  يونس . 

ويعقوب (عليه السلام ) يوصى بنيه﴿ .. فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (132)  البقرة . 

وأبناء يعقوب (عليه السلام) يجيبون أباهم﴿ .. نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133)  البقرة . 

وموسى (عليه السلام ) يقول لقومه﴿ .. يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ (84)  يونس . 

والحواريين يقولون لعيسى (عليه السلام)﴿ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)  آل عمران . 

بل إنَّ فريقًا من أهل الكتاب حين سمعوا القرآن﴿ .. قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53)  القصص .

وبالجملة نرى اسم الإسلام شعارًا عامًا يدور فى القرآن على ألسنة الأنبياء وأتباعهم منذ أقدم العصور التاريخية إلى عصر النبوة المحمدية ، ثم نرى القرآن يجمع هذه القضايا كلها فى قضية واحدة يوجهها إلى قوم محمد  ، ويبين لهم فيها أنه لم يشرع لهم دينًا جديدًا ، وإنما هو دين الأنبياء من قبلهم﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ .. (13)  الشورى . 

ثم نراه بعد أن يسرد سيرة الأنبياء وأتباعهم ينظمهم فى سلك واحد ، ويجعل منهم جميعًا أمة واحدة لها إله واحد كما لها شريعة واحدة﴿ إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)  الأنبياء . 

ماهذا الدين المشترك الذى اسمه الإسلام ، والذى هو دين كل الأنبياء والمرسلين ؟ إن الذى يقرأ يعرف كنه هذا الدين : إنه هو التوجه إلى الله رب العالمين فى خضوع خالص لا يشوبه شرك ، وفى إيمان واثق مطمئن بكل ما جاء من عنده على أى لسان وفى أى زمان أو مكان ، دون تمرد على حكمه ، ودون تمييز شخصى أو طائفى أو عنصرى بين كتاب وكتاب من كتبه ، أو بين رسول ورسول من رسله . 

هكذا يقول القرآن الكريم﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ .. (5)  البينة . 

ويقول الحق تبارك وتعالى﴿ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)  البقرة .

نقول ــ إذا ــ إن الإسلام بمعناه القرآنى الذى وصفناه لا يصلح أن يكون محلاً للسؤال عن علاقة بينه وبين سائر الأديان السماوية ، إذ لا يسأل عن العلاقة بين الشىء ونفسه ، فها هنا وحدة لا انقسام فيها ولا اثنينية . 

غير أن كلمة (الإسلام) قد أصبح لها فى عرف الناس مدلول معين ، هو مجموعة الشرائع والتعاليم التى جاء بها محمد  ، أو التى استنبطت مما جاء به ، كما أن كلمة اليهودية أو الماسونية تخص شريعة موسى (عليه السلام) ، وما اشتق منها ، وكلمة النصرانية أو المسيحية تخص شريعة عيسى (عليه السلام) وما تفرع منها . 

فالسؤال الآن إنما هو عن الإسلام بمعناه العرفى الجديد ، أعنى عن العلاقة بين المحمدية وبين الموسوية (الماسونية) والمسيحية . 

وللإجابة عن هذا السؤال ينبغى أن نقسم البحث إلى مرحلتين

المرحلة الأولى : فى علاقة الشريعة المحمدية بالشرائع السماوية السابقة وهى فى صورتها الأولى لم تبعد عن منبعها ، ولم يتغير فيها شىء بفعل الزمان ولا بيد الإنسان . 

المرحلة الثانية : فى علاقته بها بعد أن طال عليها الأمد ، وطرأ عليها شىء من التطور . 

أما فى المرحلة الأولى

فالقرآن يعلمنا أن كل رسول يرسل ، وكل كتاب ينزل ، قد جاء مصدقًا ومؤكدًا لما قبله ، فالإنجيل مصدق ومؤيد للتوراة ، والقرآن مصدق ومؤيد للإنجيل والتوراة ولكل ما بين يديه من الكتب : ﴿  وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47) وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)  المائدة . 

غير أن هاهنا سؤالاً يحق للسائل أن يسأله

أليست قضية هذا التصادق الكلى بين الكتب السماوية أن تكون الكتب المتأخرة إنما هى تجديد للمتقدمة وتذكير بها ، فلا تبدل فيها معنى ، ولا تغير حكمًا ، وإلا كيف يقال إنها تصدق إلخ ، بينما هى تبدل وتعدل ، وإذا كان من قضية التصادق الكلى بين الكتب ألا يغير المتأخر منها شيئًا من المتقدم ، فهل الواقع هو ذلك ؟ 

الجواب : ليس الواقع ذلك ، فقد جاء الإنجيل بتعديل بعض أحكام التوراة إذ أعلن عيسى (عليه السلام) أنه جاء ليحل لبنى إسرائيل بعض الذى حُرم عليهم﴿ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50)  آل عمران . 

وكذلك جاء القرآن بتعديل بعض أحكام الإنجيل والتوراة إذ أعلن أن محمدًا  جاء ليحل للناس كل الطيبات ، ويُحرِّم عليهم كل الخبائث ، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)  الأعراف . 

ولكن يجب أن يفهم أن هذا وذاك لم يكن من المتأخر نقضًا للمتقدم ، ولا إنكار لحكمة أحكامه فى إبانها ، وإنما كان وقوفًا بها عند وقتها المناسب ، وأجلها المقدر .. مثل ذلك مثل ثلاثة من الأطباء جاء أحدهم إلى الطفل فى الطور الأول من حياته فقرر قصر غذائه على اللبن ، وجاء الثانى إلى الطفل فى مرحلته التالية فقرر له طعامًا لبنًا وطعامًا نشويًا خفيفًا ، وجاء الثالث فى المرحلة التى بعدها ، فأذن له بغذاء قوى كامل

لا ريب أن هاهنا اعترافا ضمنيًا من كل واحد منهم بأن صاحبه كان موفقًا كل التوفيق فى علاج الحالة التى عُرضت عليه .. نعم إن هناك قواعد صحية عامة فى النظافة والتهوية والتدفئة ، ونحوها لا تختلف باختلاف الأسنان ، فهذا لا تعديل فيها ولا تبديل ، ولا يختلف فيها طب الأطفال والناشئين عن طب الكهول الناضجين . 

هكذا الشرائع السماوية كلها صدق وعدل فى جملتها وتفصيلها ، وكلها يصدق بعضها بعضًا ، كما أن التشريعات السماوية تحتوى على نوعين من التشريعات : [تشريعات خالدة] لا تتبدل بتبدل الأصقاع والأوضاع و [تشريعات موقوته] بآجال طويلة أو قصيرة .

ولولا اشتمال الشريعة السماوية على هذين النوعين ما اجتمع فيها العنصران الضروريان لسعادة المجتمع البشرى : عنصر الإستمرارالذى يربط حاضر البشرية بماضيها وعنصر الإنشاء والتجديد ، الذى يعد الحاضر للتطور والرقى اتجاهًا إلى مستقبل أفضل وأكمل

ونحن إذا نظرنا نظرة فاحصة إلى سير التشريع السماوى من خلال الشرائع الثلاث ، نجد فيها هذين العنصرين واضحين كل الوضوح ، إذ نجد كل شريعة جديدة تحافظ على الأسس الثابتة التى أرستها الشريعة السابقة ، ثم تزيد عليها ما يشاء الله زيادته . 

نرى شريعة التوراة مثلاً قد عنيت بوضع المبادئ الأولية لقانون السلوك " لا تقتل " و " لا تسرق " .. إلخ ، ونرى الطابع البارز فيها هو طابع تحديد الحقوق وطلب العدل والمساواة بينها ، ثم نرى شريعة الإنجيل تجىء بعدها فتقرر هذه المبادىء الأخلاقية وتؤكدها ، ثم تترقى فتزيد عليها آدابا مكملة : " لا تراء الناس بفعل الخير ، أحسن إلى من أساء إليك " ، ونرى الطابع البارز فيها التسامح والرحمة والإيثار والإحسان وأخيرًا تجىء شريعة القرآن فتراها تقرر المبدأين كليهما فى نسق واحد﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ .. (90)  النحل . مقدرة لكل منهما درجته فى ميزان القيم الأدبية مميزة بين المفضول منهما والفاضل : ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ .. (40)  الشورى . 

ثم نراها وقد أضافت إليهما فصولاً جديدة صاغت فيها قانون آداب اللياقة ، رسمت بها مناهج السلوك الكريم فى المجتمعات الرفيعة فى التحية والاستئذان ، والمجالسة والمخاطبة إلى غير ذلك . كما نراه فى سورة النور والحجرات والمجادلة . 

هذا مثال من أمثلة الجمع فى سير التشريعات السماوية بين عنصر المحافظة على القديم الصالح ، وعنصر الأخذ بالجديد الأصلح ، والأمثلة كثيرة لا يتسع لها نطاق هذا البحث . 

هكذا كانت الشرائع السماوية خطوات متصاعدة ، ولبنات متراكمة فى بنيان الدين والأخلاق وسياسة المجتمع ، وكانت مهمة اللبنة الأخيرة منها أنها أكملت البنيان وملأت ما بقى فيه من فراغ ، وأنها فى الوقت نفسه كانت بمثابة حجر الزاوية الذى يمسك أركان البناء . وصدق الله وصف خاتم أنبيائه بأنه﴿ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (37)  الصافات . وحين وصف اليوم الأخير من أيامه بأنه كان إتمامًا للنعمة وإكمالاً للدين : ﴿ .. الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي .. (3)  المائدة . 

وصدق رسول الله  حين صور الرسالات السماوية فى جملتها أحسن تصوير : " مَثلى ومثل الأنْبياء منْ قَبْلى كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنهُ وأجملهُ إلا موضع لبِنَة فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون : هلا وضعت هذه اللبنة ، فأنا اللبنة ، وأنا خاتم النبيين "   رواه البخارى ، كتاب المناقب ، باب خاتم النبيين عن أبى هريرة (رضى الله عنه) .

وفى المرحلة الثانية

بحث العلاقة بين الشريعة المحمدية والشرائع السماوية بعد أن طال الأمد على هذه الشرائع ، فنالها شىء من التطور والتحرر . 

رأينا فى المرحلة السابقة كيف كان القرآن يعلن عن نفسه دائما أنه جاء مصدقًا لما بين يديه من الكتب . ونرى الآن أن القرآن أضاف إلى هذه الصفة صفة أخرى إذ أعلن أنه جاء أيضا (مهيمنًا) على تلك الكتب﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)  المائدة . 

أى حارسًا أمينًا عليها ، ومن قضية الحراسة الأمينة على تلك الكتب ألا يكتفى الحارث بتأييد ما خلده التاريخ فيها من حق وخير ، بل عليه فوق ذلك أن يحميها من الدخيل الذى عساه أن يضاف إليها بغير حق ، وأن يبرز ما تمس إليه الحاجة من الحقائق التى عساها أن تكون قد أخفيت منها . 

وهكذا كان من مهمة القرآن أن ينفى عنها الزوائد ، وأن يتحدى من يدعى وجودها فى تلك الكتب : ﴿.. قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (93)  آل عمران . 

كما كان من مهمته أن يبين ما ينبغى تبينه مما كتموه منها : ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ .. (15)  المائدة .

وجملة القول إن علاقة الإسلام بالديانات السماوية فى صورتها المنظورة علاقة تصديق لما بقى من أجزائها الأصلية ، وتصحيح لما طرأ عليه من البدع والإضافات الغريبة عنها .

(أما بعد ) فهذا موقف الإسلام من الديانات الأخرى من الوجهة النظرية ، وقد بقى أن نبحث عن موقفه من الوجهة العملية

هل يقف منها موقف السكوت عليها والإغضاء عنها اكتفاء بالأمر الواقع ؟ 

أم هل يقف موقف المحارب المقاتل الذى لا يهدأ له بال حتى يطهر الأرض منها ومن أهلها ؟ 

ليس الإسلام فاترًا ولا منطويًا على نفسه كما زعم الأقلون فالدعوة إلى الحق والخير ركن أصيل من أركان الإسلام ، والنشاط فى هذه الدعوة فريضة مستمرة فى كل زمان ومكان ، يأمر الله نبيه بتبليغ كلامه ، وبأن يبذل جهده فى هذا التبليغ﴿.. وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52)  القرقان . 

والقرآن يحرض المؤمنين على هذه الدعوة﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ .. (33)  فصلت . 

بل يجعل الفلاح والنجاة وقفًا على هؤلاء الدعاة﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)  آل عمران . 

ولكن الإسلام فى الوقت نفسه ليس كما يزعم الأكثرون ، عنيفًا ولا متعطشًا للدماء ، وليس من أهدافه أن يفرض نفسه على الناس فرضًا حتى يكون هو الديانة العالمية الوحيدة ، فنجد نبى الإسلام  هو أول من يعرف أن كل محاولة لفرض ديانة عالمية وحيدة هى محاولة فاشلة ، بل هى مقاومة لسنة الوجود ، ومعاندة لإرادة رب الوجود : ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118)  هود . 

ومن هنا نشأت القاعدة الإسلامية المحكمة المبرمة فى القرآن الكريم قاعدة حرية العقيدة﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ .. (256)  البقرة . 

ومن هنا رسم القرآن أسلوب الدعوة ومنهاجها فجعلها دعوة بالحجة والنصيحة فى رفق ولين : ﴿ ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ .. (125)  النحل . 

هل ترى اسمى وأنبل من تلك الوصية الذهبية التى يوصينا بها القرآن فى معاملة الوثنية التى هى أبعد الديانات عن الإسلام ، فضلاً عن الديانات التى تربطنا بها أواصر الوحى السماوى ؟ اقرأ فى سورة التوبة﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ .. (6)  التوبة . 

فأنت تراه لا يكتفى منا بأن نجير هؤلاء المشركين ونؤويهم ونكفل لهم الأمن فى جوارنا فحسب ، ولا يكتفى منا بأن نرشدهم إلى الحق ونهديهم طريق الخير وكفى ، بل يأمرنا بأن نكفل لهم كذلك الحماية والرعاية فى انتقالهم حتى يصلوا إلى المكان الذى يأمنون فيه كل غائلة . 

ثم هل ترى أعدل وأرحم ، وأحرص على وحدة الأمة وتماسكها من تلك القاعدة الإسلامية التى لا تكتفى بأن تكفل لغير المسلمين فى بلاد الإسلام حرية عقائدهم وعوائدهم ، وحماية أشخاصهم وأموالهم وأعراضهم ، بل تمنحهم من الحرية والحماية ، ومن العدل والرحمة قدر ما تمنحه للمسلمين من حقوق العامة : " لهم ما لنا وعليهم ما علينا 

ثم هل ترى أوسع أفقًا ، وأرحب صدرًا ، وأسبق إلى الكرم ، وأقرب إلى تحقيق السلام الدولى والتعايش السلمى بين الأمم ، من تلك الدعوة القرآنية التى لا تكتفى فى تحديد العلاقة بين الأمم الإسلامية ، وبين الأمم التى لا تدين بدينها ، ولا تتحاكم إلى قوانينها ، لا تكتفى فى تحديد هذه العلاقة بأن تجعلها مبادلة سلم بسلم : ﴿ وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا .. (61)  الأنفال . 

بل تندب المسلمين أن يكون موقفهم من غير المسلمين موقف رحمة وبر وعدل ، وقسط :﴿ لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) ﴾ الممتحنة . 

هذا هو مبدأ التعاون العالمى على السلام ، يقرره نبى الإسلام ، ورسول السلام حين قال فى صلح الحديبية : " والذى نفسى بيده لا يسألونى خُطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها "   رواه البخارى عن المسور بن مخرمة ومروان كتاب الشروط باب الشروط فى الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب . 🅪

؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛