فتاوى | المسلم الذى يقضى بغير حكم الإسلام
فتاوى لها تاريخ
المُسلم الذى يَقْضى بغير حُكْم الإسلام
لفضيلة الإمام الشيخ / محمود شلتوت
ما رأيكم فى رجل يحكم فى قضية ما حُكمًا غير إسلامى هل يعتبر مُرتدًا عن الدين ؟
السؤال لا يختص بالقاضى
هذا السؤال لا يختص بالقاضى الذى يحكم حكمًا غير إسلامى ، إنما يتناول الحكام المسلمين الذين يأمرون بتقنين أحكام غير إسلامية ، والمقننين المسلمين الذين يتولون وضع هذه الأحكام ، والمتخاصمين المسلمين الذين يتحاكمون إليها ويرضون بها ، بل إن حاجة هؤلاء إلى حكم الإسلام فيهم أشد من حاجة القضاة الذين يحكمون بتلك الأحكام ، وخاصة من يكونون منهم فى بلد إسلامى ، ليس لغيره عليه سلطان فى تشريعه وأحكامه .
وقد شاع على ألسنة كثير من المسلمين المتدينين أن القضاة الذين يحكمون بالقانون الوضعى ــ الذى تخالف أحكامه أحكام الإسلام ــ كفار مرتدون عن الإسلام ، معتمدين فى ذلك على ظاهر قوله تعالى من سورة المائدة : ﴿ .. وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) ﴾ المائدة .
ويلزمهم أن يحكموا بكفر المقـنـنـيـن والآمرين بالتـقـنـيـن ، فإن هؤلاء ــ وإن لم يكونوا يحكمون بها ــ قد وضعوها بأنفسهم أو أُمروا بوضعها ، ولا شك أن واضعيها والآمرين بوضعها تبعتهم أشد من تبعة الحاكمين بها .
الحُكم الإسلامى نوعان : قطعى واجتهادى
ولمعرفة الجواب الحق لهذا السؤال يجب أن نعلم أولاً أن الحُكم الإسلامى نوعان :
- النوع الأول حكم نص عليه القرآن أو السُّنَّة نصًا صريحًا لا يحتمل التأويل ولا يقبل الاجتهاد .
ومثاله فى الأحوال الشخصية : حرمة المطلقة ثلاث مرات على مطلقها حتى تتزوج غيره .
وفى المدنيات حرمة الأرباح التى استغلت فى سبيل الحصول عليها حاجة الفقير المحتاج المستحق للمعونة ، وتقسيم الميراث الذى ورد فى القرآن .
ومثاله فى العقوبات : قطع يد السارق الذى توافرت فيه وفى سرقته شروط العقوبة .
- النوع الآخر : حكم لم يرد به قرآن ولا سنَّة ، أو ورد به أحدهما ولكن لم يكن الوارد به قطعًا فيه ، بل محتملا له ولغيره ، وكان بذلك محلاً لاجتهاد الفقهاء والمشرعين ، فاجتهدوا فيه ، وكان لكل مجتهد رأيه ووجهة نظره . وأكثر الأحكام الإسلامية من هذا النوع الاجتهادى .
فى النوع الاجتهادى متسع للقاضى
وإذا علمنا هذا استطعنا أن نقول فى الجواب عن السؤال : إن الحكم فى النوع الثانى ــ وهو النوع الاجتهادى ــ ولو خالف جميع الآراء والمذاهب الإسلامية فإنه ما دام أساسه تحرى العدل والمصلحة ، لا اتباع الهوى والشهوة ، فإن الإسلام لا يمنعه ولا يمقته فضلا عن أن يراه ردة يخرج القاضى به عن الإسلام ؛ ذلك أن الإسلام ليس له فى هذا النوع حكم معين ، وإنما حكمه هو ما يصل إليه المجتهد باجتهاده المبنى على تحرى المصلحة والعدل ، فمتى وجد العدل والمصلحة فثم شرع الله وحكمه .
متى نحكم بالكفر ؟
أما النوع الأول ــ وهو الحكم القطعى المنصوص عليه فى كتاب الله أو سنة رسوله الثابتة ، التى لم يظهر فيها خصوصية الوقت أو الحال ــ فإن الحكم بغيره وإن كان مبنيًا على اعتقاد أن غيره أفضل منه وأنه هو لا يحقق العدل ولا المصلحة ، كان ولا شك ردة يخرج به القاضى عن الإسلام .
أما إذا كان القاضى الذى حكم بغيره مؤمنًا بحكم الله ، وأنه هو العدل والمصلحة دون سواه ، ولكنه فى بلد غير إسلامى ، أو بلد إسلامى مغلوب على أمره فى الحكم والتشريع ، واضطر أن يحكم بغير حكم الله لمعنى آخر وراء الجحود والإنكار ، فإن الحكم فى تلك الحالة لا يكون كفرًا إنما يكون معصية ، وهو نظير من يتناول الخمر وهو يعتقد حرمتها .
الواجب على القاضى المسلم
وإذن يجب على القاضى المسلم أن يرد نفسه عن الحكم متى استطاع إلى ذلك سبيلا ، وإذا لم يستطع أن يرد نفسه ــ خوفًا من ضرر فادح يلحقه أو يلحق جماعته ــ فإن الإسلام يبيح له ذلك ، ارتكابًا لأخف الضررين ، ما دام قلبه مطمئنًا إلى حكم الله .
تخريج آية المائدة
أما قوله تعالى : ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ فقد جاء فى قوم يملكون أنفسهم وتشريعهم ويعرفون حكم الله ويرفضونه مؤثرين عليه حكم الهوى والشهوة ، وفى هؤلاء يقول الله تعالى : ﴿ .. الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ.. (41) ﴾ المائدة .
ويقول سبحانه وتعالى : ﴿ .. وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ .. (49) ﴾ المائدة .
ومن هنا يتبين أن الآية الكريمة وهى : ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ ليست فى حق كل من حكم حكمًا غير إسلامى فى قضية ما . 🅪
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛