قضايا عامة | الـغــرب وهيمنته الإعـلامية

الـغــرب

وهيمنته الإعـلامية 

تقول كاتبة هذا المقال :

هل استغل الغرب هذه الثورة الهائلة فى مجال الإتصالات لفرض هيمنته على الأذهان وتطويعها من أجل مصالحه الإقتصادية ؟ .

شهد الثلث الأخير من القرن الماضى تطورًا مذهلاً يمكن وصفه بأنه ثورة فى مجال الاتصال الجماهيرى تمثلت فى إتاحة الإتصالات الفضائية المرئية والمسموعة كما بشرت بها وجسدتها الأجيال المحدثة الفائقة الإمكانيات من الحواسيس الإلكترونية التى أفضت بدورها إلى تثوير سبل جمع المعلومات وخزنها واسترجاعها وبصورة لم يسبق لها مثيل فى التاريخ البشرى ، سواء من حيث الكم أو سرعة التناول والمعالجة ، هذا فضلا عن إتاحة سبل التواصل الشخصى على صعيد كوكبى مما أتاح بدوره إمكانات جديدة فى تفاعل الثقافات أو نماذج الحضارات . 

على الجانب المقابل من هذه الظاهرة الإيجابية فى مجملها قُدر للعالم أن يشهد أساليب وطروحات ونظريات ومقولات كانت فى مجملها تصب فى قناة واحدة اتسمت بمعالم مشتركة ومنها على سبيل المثال

1- استغلال هذه الثورة الاتصالية - الإعلامية - الفضائية - الإلكترونية لتحقيق أهداف بسط الهيمنة من جانب شعوب الشمال - الغرب المتقدم من العالم على شعوب الجنوب - الشرق الذى يعانى آثار التخلف العلمى بل ويعمل جاهدًا من أجل تحقيق التنمية واللحاق ـ لاهثًا ـ بركب التقدم . 

2- أهداف هذه الهيمنة لم تتمثل فى مجرد رغبة السيطرة أو متعة النفوذ .. بل كانت لها أهداف الاستغلال الاقتصادى لمقدرات شعوب الشرق والجنوب من الكرة الأرضية ولا سيما النفط واليورانيوم والمواد الأولية الداخلة فى الصناعات الاسراتيجية ، فضلا عن استمرار فتح أسواق تلك الأقطار أمام تجارة الشركات المتعددة الجنسيات ونفوذ المؤسسات غير الوطنية ، مما أدى إلى استشراء نفوذ - بل وسلطان تلك الاحتكارات العملاقة (صناعة السلاح .. وصناعة الدواء مثلا ) فيما أدى - ربما بالدرجة نفسها - إلى تقليص وانكماش سلطة الدولة - القومية فى أقطار الجنوب بالذات ولحساب عناصر أصبحت تعرف باسم " عناصر اللادولة " . التى فرضت بدورها نوعًا من السيطرة الظاهرة أحيانًا والمستترة فى غالب الأحيان ، على شكل وصياغة وتوجيهات عمليات صنع القرار .

3- كل هذه الأشكال المؤسسية الدولية أو المحلية من عناصر الهيمنة المستجدة مع بدايات القرن الجديد كان من الطبيعى أن يكون لها أصواتها المُعبرة والناطقة بلسانها أو بلسان مصالحها المليارية إن جاز التعبير ووسائله فى ميديا الإعلام الفضائى والإلكترونى وكأنها تقطف بذلك ثمار الثورة المعلوماتية المعرفية التى ولدت مع سنوات الثلث الأخير من القرن العشرين . 

4- ربما كان ذلك واحدًا من الدروس المستفادة التى وعاها المعسكر الغربى - الرأسمالى وكان فى مقدمتها أن الإعلام كان السلاح الأكثر فعالية فى فوز الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة فى الحرب الباردة ضد المعسكر الشرقى وكان على رأسه الاتحاد السوفيتى .. كانت تلك حربًا على ساحة الكلمة والمعتقد وفوق حالة الكلمة المسموعة عبر الراديو والصور المرئية والقوالب المتكررة المنمطة المذاعة عبر شاشة التلفاز . 

لهذا فلم يكن صدفة أن يعد الغرب انتصار معسكره الرأسمالى - الليبرالى فى حرب الخمسين عامًا الباردة نهاية للتاريخ على نحو ما كتب المفكر " فوكوياما " فى عنوان كتابه الشهير الصادر فى ختام الثمانينيات ولأن هاجس الهيمنة وفكرة الصراع أو فلنقل جدل الصراع  كان مسيطرًا على الفكر الغربى ، فقد تزامن صدور كتاب نهاية التاريخ مع دعوة مفكر آخر هو " صمويل هانتنجتون " التى ذاعت باسم " صدام الحضارات " ، أو " صراع الثقافات " وكان ذلك مع بدايات العقد الختامى من القرن العشرين . 

ومع دخول مصطلحات الصراع الحضارى والتصادم الثقافى على مستوى الكرة الأرضية وقد أصبحت مزودة إن لم نقل مدججة بأسلحة ثورة الأقمار الصناعية وميديا التواصل الإلكترونى دخلت مصطلحات المحاور التى تفيد بدورها فكرة الصراع ، وليس فكرة التواؤم أو الإنسجام أو الإتساق .. سمعنا عن محور الشر .. ومحور الخطر وقبله سمعنا عن تصنيفات الدول إلى مارقة وفاشلة ومرضى عنها إلى آخر ما طرحته الأدبيات السياسية الأمريكية من تقسيمات .. 

بيد أن الأخطر فى هذا الصدد هو تلك الهجمة الإعلامية التى تم شنها على عالم الإسلام والمسلمين .. نبادر فنقول إن هذه الهجمة التى لم تبدأ مع الأحداث المؤسفة التى أدانها العالم وقد شهدتها أمريكا يوم الحادى عشر من سبتمبر عام 2001 . لقد جاءت نظرية تصادم الحضارات لتسبق أحداث الحادى عشر من سبتمبر بعشر سنوات أو نحوها ، اختص صاحب هذه النظرية الإسلام واصفًا إياه بأنه التحدى الأكبر والأكثر شراسة ضد الغرب كيانًا ومصالح وحضارة ومستقبلا .. 

هـلال الأزمـات 

ومن قبل هذه النظرية سبق لمسئول أمريكى كبير وهو أكاديمى بارز أيضا " البروفسيور زيجنيو بريجينسكى " أن تكلم عن المد الإسلامى فى عقد الثمانينات واصفًا إياه بعبارة " هلال الأزمات " ومن يتابع مواقع بعينها فى ميديا الإعلام الأمريكى المعاصر (قناة فوكس) التليفزيونية مثلا .. جريدة وول ستريت ، عددًا كبيرًا من صحف التابلويد الصادرة فى العواصم الأمريكية الكبرى .. ويتابع الصور النمطية التى تتكرر فى أفلام هوليوود عن مطلق " مسلم " . فضلا عن مطلق " عربى " سوف يلاحظ بسهولة أن الموضوعية التيمة (الفكرة) المحورية فى هذا الخصوص هى

أولا : أن الإسلام دين للعنف وعدم التسامح .. وقهر المرأة . 

ثانيا : أن تكريس الجهاد فى السياق والمنهج الإسلامى هو حض - لا على مجاهدة النفس ورياضة الروح وكبح النزوات والدفاع عن الذات والكيان لصد العدوان .. بل " هو شن الحرب الدينية من أجل إبادة الكفار " وهذا بالطبع مفهوم مغلوط متعمد للإسلام .

ثالثا : أن الإرهاب صناعة المسلمين وأن الإسلام مرادف للإرهاب ، وأن مطلق إرهابى ليس جماعة الألوية الحمراء فى إيطاليا ، ولا جماعات الايتا فى الباسك الإسبانى ، ولا جماعة الجيش الجمهورى فى أيرلندا ، ولا بادر ماينهوف فى ألمانيا ، ولا كارلوس ورفاقه فى أمريكا اللاتينية ، ولا جماعات الجيش الأحمر فى اليابان ، ولا قاصفى المبانى الحكومية بأوكلاهوما فى أمريكا ، ولا الجماعات التى ترفض سيطرة الحكومة الفيدرالية وتمتلك جيوشًا خاصة ومحطات إذاعية وتعمل فى إطار بنى أساسية فى برارى الولايات المتحدة ، ولا عصابات الأرجون والشتيرن الصهيونية وما ارتكبته من فظائع إرهابية بحق الشعب الفلسطينى . 

بل إن الإرهاب ويا للعجب هو صناعة إسلامية وكل مسلم هو إرهابى ، وبالمقياس المنطقى البسيط  نفسه ، فكل إرهابى لا بد أن يكون مسلمًا . 

نبادر أيضا فنقول إن مصل هذا التصنيف المغرض ما زال يلقى اعتراضًا ورفضًا من جانب نخب المثقفين فى غرب أوربا وأمريكا .. وخاصة بعد ما تجلت رغبة الغرب فى فرض هيمنته بالإعلام أحيانًا وبالسلاح أحيانًا منذ حرب الخليج الثانية فى مطلع التسعينات وحتى غزو العراق فى ثانى سنوات القرن الحادى والعشرين وما تبع ذلك من تجاوزات .. 

مـاذا نفعل إعـلاميًا ؟

ويبقى السؤال البسيط والجوهرى الذى نطرحه بإيجاز فى إطار هذه المساحة المحدودة وهو : 

أليس فى هذه اللمحات التى عرضناها ما يستثير همة إعلامنا العربى وقد " يستفز " الإعلاميين العرب إلى أن يتعمقوا فى تدارس هذه الظواهر التى استجدت على حياتنا ومهنتنا فى محاولة جادة - مسئولة ومخلصة لبذل جهود عربية متكاملة أو متسقة ترمى إلى أن تدفع شبح هذه الهيمنة بظلاله الكئيبة عن فكر ووجدان المواطن العربى من جهة ، وإزالة الصورة المغلوطة عنَّا فى الزهن الغربى وتصحيح صورة العرب موضوعيًا فى وسائل الإعلام الأجنبية من جهة أخرى . 

وفى اعتقادى أنه لن يتأتى لنا ذلك إلا من خلال إشاعة ثقافة الحوار والتوافق ونبذ احتكار الحقيقة ونبذ وتكفير الآخر المختلف وتوسيع نطاق الاجتهاد الإنسانى ، ورفض الفكر التغييبى الخرافى والعمل على نشر مناهج الفكر التحليلى العقلانى ، بجانب التجويد والتحديث المهنى المستمر من خلال وسائل الجذب والتشويق الإعلامى ، هذه مسئولية فى تصورى تكاد تكون إعلامية قومية .. فهل من مستجيب ؟ 🅪

؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛