قضايا عامة | حقوق الإنسان فى الشريعة الإسلامية (حرية التنقل وحق الهجرة واللجوء)
حقوق الإنسان فى الشريعة الإسلامية
حرية التنقل وحق الهجرة واللجوء
أ . د . محمد المختار المهدى
عضو مجمع البحوث الإسلامية
هذا الفرع من الحرية ما اضطرت هيئة الأمم المتحدة للتنبيه عليه إلا نتيجة للأوضاع المستحدثة فى نظم الدول بعد انهيار نظام الخلافة الإسلامية ، فقد كانت بلاد المسلمين كلها وطنًا واحدًا ، لها جنسية واحدة هى الإسلام ، ولا يحظر على إنسان أن ينتقل من بلد إلى بلد ، فهو مأمور بذلك .. قال تعالى : ﴿ قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأٓخِرَةَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ﴾ العنكبوت .
وله أن يقيم حيث يطيب له المقام ، ولا يتصور أن يفرض الإسلام على حرية التنقل والإقامة قيودًا ورسول الله ﷺ نفسه قد هاجر وانتقل من مكة إلى المدينة ، وأمر أصحابه بالهجرة إلى الحبشة قائلا لهم : " تفرقوا فى الأرض إن الله سيجمعكم " ..
بل إن القرآن يفرض الهجرة فى سبيل الله تعالى وترك الأرض التى يشعر فيها المسلم باستضعاف وذلة ، بحيث لو لم يهاجر مع استطاعته كان آثمًا ، فإذا ما هاجر وكانت وجهته الحفاظ على دينه وعقيدته ، فإن الله تعالى يعده على ذلك أن يهيئ له سبيل الراحة والسعادة فى مهجره الجديد .. قال تعالى : ﴿ وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ وَمَن يَخۡرُجۡ مِنۢ بَيۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ﴾ النساء .
ﷺ ثم قال : " يالَيْتهُ مات بِغير مَوْلدِهِ "
تعالى : ﴿ وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ .. ﴾
بل إن الإسلام ليوسع الدائرة ويعطى هذا الحق لكل مسلم .. قال النبى ﷺ : " المُسلمون تتكافأُ دماؤُهُم يسعى بذمَّتهم أَدْناهُمْ " أخرجه أبو داود .
حق الكـــــرامة
الكرامة حق لكل إنسان من ذكر وأنثى ، ومن مقتضى هذه الكرامة مراعاة حرمته فى دمه وماله وعرضه ، ولقد بلغ الإسلام مبلغ التغليظ والتأكيد لدرجة جعلت رسول الله ﷺ يتحين فرصة الاجتماع الضخم فى يوم الحج الأكبر وفى وصايا الوداع ليعبر عنها أمام الملأ بأسلوب فريد فى تنبيه الأذهان ، وتذكير العقول ، وتوعية النفوس .. قال لهم رسول الله ﷺ : " أَتدرُون أىُّ يومٍ هذا ؟ " قلنا الله ورسوله أعلم . فسكت حتى ظننا سَيُسمِّيه بغير اسْمه . قال : أليس يوم النحر ؟ . قلنا بلى . قال : أى شهر هذا ؟ . قلنا الله ورسوله أعلم . فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه . فقال : أَليْس ذا الحجَّة ؟ . قلنا بلى . قال : أى بلد هذا ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم . فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه . قال : أَليْست بِالبلدة الحرام ؟ . قلنا بلى . قال : فإنَّ دمَاءَكُم وأَموالكُم عَليْكُم حرامٌ ، كَحُرمة يومِكُمْ هذا ، فى شَهركُمْ هذا ، فى بَلدِكُم هذا ، إلى يوم تَلْقون رَبَّكم . ألا هل بَلَّغتُ . قالوا : نعم . قال : اللَّهُمَّ اشْهد ، فَليُبلغ الشَّاهد الغائب ، فَرُبَّ مُبلغٍ أوعى من سَامعٍ ، فلا تَرْجعوا بَعْدى كُفَّارا يضربُ بعضُكم رِقاب بَعْضٍ . أخرجه البخارى .
واضافة إلى ما سبق من نصوص تؤكد حق الحياة ، نجد الإسلام يحذر من الاعتداء على هذه الحرمة فى عديد من النصوص التى تحمل معنى التغليظ ، قال تعالى : ﴿ وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا ﴾ النساء .
ﷺ أمام الكعبة العظيمة وقال : ما أَطْيبكِ وأَطْيب ريحك مَا أَعْظمك وأَعْظم حُرْمتك والذى نَفسُ مُحمَّدٍ بيده لحُرمة المؤمن أَعْظم عند الله حُرمةً مِنْكِ مالهِ ودمهِ وأنْ نظنَّ به إِلاَّ خَيْرًا أخرجه بن ماجه .
ﷺ يؤكدها كذلك بالنسبة لغير المسلم المسالم .. قال ﷺ : " من قتل معاهدًا لم يَرَحْ رائحَة الجنَّة " أخرجه البخارى . ، وقال ﷺ : " منْ قَتل قتيلاً من أهل الذِّمَّة لم يَجد رِيح الجنَّة " أخرجه النسائى .
﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ .. ﴾
ومن أجل هذه الحرمة ، ولقطع ألسنة السوء ، أمر الإسلام ألا يكتفى فى البينة على القذف بشهادة رجلين مع أنه يكتفى فى القتل بهما ، بل جعل الشهادة تثبت هذا القذف أربعة من الرجال المؤمنين العادلين ، فإن لم يأت القاذف بهذا العدد من الشهود كان هو الفاسق وأقيم عليه الحد ثمانين جلدة ، وسقطت عدالته من المجتمع ، قال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) ﴾ النور .
المحافظة على المشاعر والأحاسيس
ومن مقتضى هذه الكرامة أيضا ألا يجرح مشاعر أخيه وإحساساته ، فليس لأحد أن يسب أحدًا أو يشتمه أو يحقره ، قال ﷺ : " بِحسب امْرئ من الشَّر أنْ يَحقر أخاهُ المُسلم " أخرجه مسلم (كتاب البر والصلة) ، وقال ﷺ : " سِبابُ المسلم فُسوقٌ ، وقِتالهُ كُفرٌ " أخرجه البخارى (كتاب الإيمان) ، بل إن النظرة أو الإشارة التى يشم منها رائحة السخرية والتهكم حرام ، قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) ﴾ الحجرات .
ولقد ذهب الإسلام إلى حد بعيد فى المحافظة على شعور الإنسان والإبقاء على حبل المودة والمحبة ، فنهى النبى ﷺ عن مجرد فتح أية ثغرة قد يشم منها الصديق رائحة الإهمال وعدم الاكتراث .. قال ﷺ : " إذا كُنْتم ثلاثةً فلا يَتناجى رَجُلان دون الآخر ، حتَّى تَخْتلطُوا بالنَّاس ، أَجْل أن يُحْزنَهُ " أخرجه البخارى (كتاب الإستئذان) .. بل ندب الإسلام للمسلم أن يغتسل ويتنظف ويتطيب عند الاجتماع بإخوانه فى صلاة الجمعة حتى لا يؤذيهم برائحة العرق .
ومن مقتضى هذه الكرامة كذلك ألا يُعتقل إنسان أو يُحبس أو يُعزر أو يُعذب أو يُهان أو يُروع أو يُخوف فى غير حق شرعى مستند إلى قوانين الإسلام .. إنه فيما عدا التعزير المباح شرعًا للحاكم حين يرتكب الفرد ما يوجبه الحق للحاكم فى الاعتقال أو الحبس أو التعذيب أو الإهانة ..
قال رسول الله ﷺ : " لا يُشيرُ أَحدُكم على أخيه بالسِّلاح ، فإنه لا يدرى لعلَّ الشيطان يَنزعُ فى يده ، فيقعُ فى حُفْرة منَ النَّار" أخرجه البخارى (كتاب الفتن) .. وليس ذلك مختصًا بالمسلم كذلك ، فإن تعذيب غير المسلم له نفس الحكم ، مادام ذميًا أو معاهدًا أو مؤمنًا .. فله حق الحياة الآمنة التى تشيع فى أكنافة الطمأنينة .
مراعاة حرمة البيوت
ومن مقتضى هذه الكرامة أيضًا مراعاة حرمة البيت والأسرة ، فلا يحل لأحد أن يتهجم على المسكن ، أو أن يدخل البيت بغير إذن صاحبه ، أو يتجسس على من فيه من الخارج ، أو يتبصص من ثقب فيه على من فيه من الخارج .. قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) ﴾ النور . وقال عزَّ وجلَّ : ﴿ .. وَلَا تَجَسَّسُوا .. (12) ﴾ الحجرات . بل إن من أدب الإسلام ألا يأتى الإنسان بيت أخيه مواجهة حتى لا يكشف عورة عند فتح الباب .
ومن مقتضى هذه الكرامة ألا يعتدى على حرمته فى نفسه بتفتيشه أو فتح مراسلاته إلا إذا كان بوجه حق ، وكان فى سلوكه ما يريب .. فلقد مضى تاريخ الإسلام على أن الرسائل تختم بالخاتم حتى لا يتلاعب بها أحد ..
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛