الدين المعاملة | رعــاية اليتـــيم وكفالته من أعظم أبواب الخير

 رِعـَـايَـة اليتيـــم وكفالتـه


اليتيم : هو من فقد الأب .. ولا يُتْمَ بعد البلوغ .. واليُتْم فى الإنسان بفقد الأب ، واليُتْم فى الحيوان بفقد الأم .. ورعاية اليتيم من أهم الأمور التى أوصى بها رسول الله  وبشَّر عليها بعلو الدرجات فى الجنة ، فقد قال  : "أنا وكافلُ اليتيم فى الجنَّة هكذا" .. وأشار بأصبعيه : السَّبَّابة والوُسطى ، وفرَّج بينهما ، رواه البخارى والترمذى .. ويقول : "من قَبض يتيمًا من بين المسلمين إلى طعامه ، وشرابه ، أدخله الله الجنة البتَّة إلا أن يكون قد عمل ذنبًا لا يُغْفرُ" ، رواه الترمذى عن بن عباس (رضى الله عنهما) .

كذلك توفير الدعم الشامل والاحتياجات الأساسية لليتيم بما فى ذلك المأوى والطعام والتعليم والصحة ، بالإضافة إلى الدعم النفسى والعاطفى لتعويضه عن فقدانه لوالديه ليشعر بالحب والأمان ، وتعتبر كفالة اليتيم ورعايته من أعظم القربات إلى الله سبحانه وتعالى ، ومن أفضل الأعمال الصالحة وأكثرها منفعة . 

ومعلوم أن الذى لا يُغْفر من الذنوب هو الشِّرك فقط .. وقال  : "من عال ثلاثةً من الأيتام كان كمن قام ليْلهُ ، وصام نهارهُ ، وغدا وراح شاهرًا سيفهُ فى سبيل الله ، وكُنتُ أنا وهو فى الجنَّة إخوانًا كما أن هاتيْن أُختان" .. وألصق السبابة والوسطى . 

ويبين القرآن خطورة الإساءة إلى اليتيم فيقول﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3)  الماعون .. ويمتن الله تبارك وتعالى على حبيبه المصطفى  ، ويوصيه باليتيم فيقول : ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ (6) .. فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9)  الضحى . 

وقد حرم الله تبارك وتعالى أكل أموال الناس عامة بالباطل فى قوله﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (188)  البقرة . ومع ذلك خص مال اليتيم بالذِّكر ، وشدَّد فى تحريم أكله بالباطل بقوله ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)  النساء . 

وقد كان من شدة خوف الصحابة ، وحرصهم أن امتنعوا عن خلط أموالهم بأموال اليتامى الذين يكفلونهم ، مما عرَّضهم لمشقة شديدة ، وعرَّض أموال اليتامى للتجميد ، وعدم النَّماء ، فسأل بعضهم رسول الله  عن ذلك ، وهل يمكن أن يتاجروا بأموال اليتامى لتنميتها لهم ، وإصلاحها ، فنزل قول الله عزَّ وجلَّ﴿.. وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ۚ .. (220)  البقرة . 

ويُنبِّه ربنا تبارك وتعالى الأوصياء على اليتامى فيقول

﴿ وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2)  النساء . ويأمر سبحانه وتعالى الأوصياء على اليتامى : برعايتهم ، وتعليمهم ، واختبار حسن تدبيرهم ؛ حتى يقوموا هم بإدارة أموالهم ، بعد استلامها كاملة غير منقوصة ، ويحذر من استغلال صغر سنهم لأكل أموالهم ، ويجيز للفقير أن يأكل من مال اليتيم مقابل إدارته ، وتنميته ، ويطلب من الغنى أن يدير مال اليتيم بغير أجر فيقول :

﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا (6)  النساء . 

كذلك انتشار الطمأنينة فى قلوب العباد ، وعدم خوفهم من الموت وترك أطفالهم بلا معين ولا سند ؛ لأنهم على يقين بأنهم يعيشون فى مجتمع يسوده روح التعاون والتآلف والتكافل ، وصلاح المجتمع يبدأ بصلاح أفراده والامتثال لأوامر الله تعالى فى معاملة اليتيم ، وقد أكد الشارع الحكيم على ضرورة الإحسان والعدل بقوله﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9)  النساء .

وقال تعالى﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215)  البقوة .

ورُوى أن رجلا شكا إلى النبى  قسوة قلبه فقال : "إِن أردت أنْ يلينَ قَلبُك فامسح رأس اليتيم ، وأطْعم المِسكينَ" .. 

وقال  : "إن اليتيم إذا بكى اهتزَّ لبكائه عرش الرحمن ، فيقول الله تعالى لملائكته : يا ملائكتى ، من ذا الذى أبكى هذا اليتيم الذى غَيَّبْتُ أباه فى التُّراب ؟! ، فتقول الملائكة : ربنا ، أنت أعلم ، فيقول الله تعالى لملائكته : يا ملائكتى ، اشهدوا أن من أسْكَتهُ وأرْضَاهُ ، أن أُرْضيهُ يوم القيامة" رواه القرطبىُّ عن ابن عمر (رضى الله عنهما)  .. 

وقال : "من ضمَّ يتيمًا ، فكان فى نفقته ، وكفاهُ مؤنتهُ ، كان لهُ حجابًا من النار يوم القيامة .. ومن مسح برأس يتيم ؛ كان له بكل شعرة حسنةٌ" .. 

وروى عن النبى  أن قال : "من ضمَّ يتيمًا بين مسلمين فى طعامه وشرابه حتى يستغنى عنه ؛ فقد وجبت له الجنة" .. 

وقال  : "اجتنبوا السبع الموبقات" ، قالوا يا رسول الله ، وما هن ؟ قال : "الشرك بالله ، والسحر ، وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق ، واكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولى يوم الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" .

وقال  : "من ضمَّ يتيمًا من أبوين مسلمين حتى يستغنى فقد وجبت له الجنَّة البتَّة" ، وقال  : "من وضع يده على رأس يتيم ترحُّمًا كانت له بكل شعرة تمر عليها يده حسنة" ، وقال  : "خيرُ بيتٍ من المسلمين : بيتٌ فيه يتيم يحسن إليه وشرُّ بيتٍ من المسلمين : بيتٌ فيه يتيم يُساء إليه" .

؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛

من كتاب أخلاقيات الإسلام

للشيخ / ياسين رشدى