شخصيات إسلامية | الشيخ المراغى أصغر شيخ للأزهر
الشيخ المـــراغــــى
أصغر شيخ للأزهــــر
من مقال للشيخ /خالد خليف
يُعد الشيخ محمد مصطفى المراغى قيمة عِلمية ودينية كبيرة تستحق الإحتفاء بها ،
والتذكير بالدور الكبير الذى لعبه الشيخ المراغى فى حياتنا الفكرية والدينية فى
النصف الأول من القرن العشرين . فأمتنا الإسلامية فى أشد الحاجة بين حين وآخر
إلى تنشيط ذاكرتها ، وتعريف الأجيال الناشئة والقادمة بسير أعلامها فى
جميع المجالات تحفيزًا للهمم ، وتقويةً للعزائم ، وتواصلاً مع الأجيال
من أجل خير الإسلام والمسلمين .
فقد عرفت السَّاحة الفكرية والدينية فى مصر فى النصف الأول من القرن العشرين الشيخ المراغى بوصفه أحد عُظماء العلماء الكبار ، كما عرفته مُصلحًا اجتماعيًا كبيرًا ووطنيًا غيورًا دعا لإصلاح الأزهر ليكون منارةً وقلعةً للإسلام ، كما دعا لإصلاح القضاء والتقريب بين المذاهب الإسلامية والتقريب بين طوائف المسلمين المختلفة .
- مولده وحياته
ولد الشيخ محمد مصطفى المراغى فى 9 مارس 1881م فى بلدة المراغة بمحافظة سوهاج ، التحق بالأزهر الشريف بعد أن أتم حفظ القرآن الكريم بِكُتَّاب قريته ، وتلقى العلم على يد كبار العلماء والمشايخ ، واتصل بالإمام محمد عبده ، وانتفع بدروسه فى التاريخ والاجتماع والسياسة ، وسار على نهجه فى الإصلاح والتجديد فيما بعد .
تخرج الإمام المراغى فى الأزهر بعد حصوله على الشهادة العلمية عام 1322هجرية /1904م وكان ترتيبه الأول على زملائه ، وكان عمره آنذاك ثلاثة وعشرين عامًا ، وهى سن مبكرة بالنسبة لعلماء الأزهر فى ذلك الوقت .
وفى سن التخرج اختاره أستاذه الشيخ محمد عبده ليعمل قاضيًا فى مدينة دنقلة بالسودان ، واستمر الشيخ المراغى فى وظيفته تلك لمدة ثلاث سنوات فقط حتى عام 1907 م ، حيث قدم استقالته من عمله بسبب خلافه المستمر مع الحاكم العسكرى الإنكليزى للسودان ، وعاد إلى مصر يتدرج فى مناصب القضاء حتى تولى رئاسة المحكمة الشرعية العليا عام 1923م .
وفى عام 1928م تم تعينه شيخًا للأزهر وهو فى السابعة والأربعين من عمره وهو أصغر شيخ للأزهر ، وكان معنيًا بإصلاح الأزهر ولكنه وجد صعوبات كثيرة تحول بينه وبين ذلك ، فقدم استقالته من منصبه فى أكتوبر 1929م من أجل مبادئه لأنه يعد الوظيفة تكليفًا وليس تشريفًا .
وفى أبريل 1935م أعيد تعيين الشيخ المراغى شيخا للأزهر مرة أخرى بعد المظاهرات الكبيرة التى قام بها طلاب الأزهر وعلماؤه للمطالبة بعودة المراغى للأزهر لتحقيق ما نادى به من إصلاح ، وظل فى منصبه شيخًا للأزهر لمدة عشر سنوات إلى أن توفى فى 22 اغسطس 1945م .
- آراؤه واتجاهاته الفكرية
كان الشيخ المراغى معنيًا بقضية الإصلاح والتجديد مقتديًا باستاذه محمد عبده ، فقد اهتم بإصلاح كل من الأزهر والقضاء .
(1) إصلاح القضاء : كان إصلاح القضاء هو الشغل الشاغل للإمام المراغى لتحقيق العدل والإصلاح بين الناس ، وكان الشيخ يتبع اسلوبًا جديدًا مع المتقاضين ، حيث كان يحاول أن يوفق بينها دون اللجوء للتقاضى ، وكان يرى أن القاضى يستمد أحكامه وقدراته من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة لا من القوانين الوضعية ، ولا سلطان لأحد عليه سوى الله حتى يؤدى رسالته فى العدالة بين الناس دون الخوف من أحد حتى ولو كان الحاكم أو السلطان .
وكان الإمام المراغى يرى أن إصلاح القانون هو إصلاح لنصف القضاء ؛ لذلك شكل لجنة برئاسته تكون مُهمتها إعداد قانون يكون هو الركيزة الأساسية للأحوال الشخصية فى مصر ، وكان يرى عدم التقيد لمذهب معين ، حيث كان القضاة لا يحيدون عن مذهب الإمام أبى حنيفة ، الذى كان معمولاً به فى ذلك الوقت ، ولكن الإمام المراغى كان يرى بضرورة الأخذ بغيره من المذاهب إذا كان فيها ما يتفق مع المصلحة العامة للمجتمع .
وكان مما قاله لأعضاء اللجنة " ضعوا من المواد ما يبدو لكم أنه يوافق الزمان والمكان ، فالشريعة الإسلامية فيها من السماحة والتوسعة ما يجعلنا نجد فى تفريعاتها وأحكامها فى القضايا المدنية والجنائية كل ما يفيدنا وينفعنا فى كل وقت " .
(2) إصلاح الأزهر : كانت نصرة الأسلام وتطوير وإصلاح الأزهر على رأس أولويات الشيخ المراغى ؛ لذلك شكل فور توليه مشيخة الأزهر لجانًا لإعادة النظر فى قوانين الأزهر ، ومناهج الدراسة فيه .
كما قدم قانونًا لإصلاح وضع الأزهر للملك فؤاد الأول الذى كان مشرفًا على شئون الأزهر آنذاك ، إلا أن بعض حاشية الملك أوعزوا له بأن الشيخ المراغى يريد استقلال الأزهر عن القصر ، فرفض الملك فؤاد القانون ، وأعاده إلى الشيخ المراغى ، فما كان من الشيخ إلا أن قدم استقالته وقبلها الملك .
لكن علماء الأزهر وطلابه قاموا بإضرابات عن الدراسة استمرت أكثر من 14 شهرًا أجبرت الملك فؤاد على إعادة الشيخ المراغى شيخًا للأزهر مرة أخرى .
قام الشيخ المراغى بإنشاء ثلاث كليات تكون مدة الدراسة فيها أربع سنوات تتخصص إحداها فى علوم العربية ، وهى كلية اللغة العربية ، والثانية فى علوم الشريعة وهى كلية الشريعة والقانون ، والثالثة فى علوم أصول الدين وهى كلية أصول الدين .
كذلك أنشأ اشيخ المراغى قسم للوعظ والارشاد لنشر الثقافة الإسلامية فى الأقاليم سنة 1928 م
وقد شكل الإمام المراغى لجنة للفتوى داخل الجامع الأزهر تتكون من كبار العلماء تكون مهمتها الرد على الأسئلة الدينية التى تتلقاها من الأفراد والهيئات ، كما شكل أكبرهيئة دينية فى العالم الإسلامى ، وهى جماعة كبار العلماء والتى تتكون من ثلاثين عضوًا ، واشترط الإمام المراغى فى عضويتها أن يكون العضو من العلماء الذين لهم إسهام فى الثقافة الدينية ، وأن يقدم رسالة علمية تتسم بالجرأة والابتكار .
وقد دعا الإمام المراغى للتقريب بين المذاهب الإسلامية والتقريب بين طوائف المسلمين ، وبذل فى سبيل ذلك محاولات عديدة .
- لا سلطان على شيخ الأزهر
كان للإمام مواقف تاريخية مشرفة تؤكد أنه عالم ربانى لا يخاف فى الله لومة لائم ، من هذه المواقف المشرفة موقفه من الحرب العالمية الثانية ، حيث رفض الإمام فكرة اشتراك مصر فى هذه الحرب سواء بالتحالف أو التعاون مع الإنجليز ، أو التعاون مع الألمان للتخلص من الإحتلال البريطانى .
ويذكر أن المصريين غرر بهم فى هذه الحرب وصارت مصر بمحصولاتها وخبراتها ورجالها وقفًا على احتياجات الإنجليز فى الحرب ، وكان الانجليز قد وعدوا المصريين بالاستقلال حال النصر ، وصدقهم المنبطحون ، على حين توجه آخرون إلى قبلة الألمان ليخلصوهم من الانجليز ، وفرحوا بدخول الالمان منطقة العلمين ، وهتفوا بقائد الجيش الألمانى : " تقدم يا روميل " فأعلن الإمام المراغى موقفه صراحة بقوله : " إن مصر لا ناقة لها ولا جمل فى هذه الحرب ، وإن المعسكرين المتحاربين لا يمتان لمصر بأية صلة " .
أحدثت كلمة الإمام المراغى ضجة كبيرة هزت الحكومة المصرية ، وأقلقت الحكومة الإنجليزية ، والتى طلبت من الحكومة المصرية إصدار بيان حول موقف الإمام المراغى من هذه الحرب ومن الحكومة الإنجليزية .
فما كان من رئيس الوزراء المصرى فى ذلك الوقت حسين سرى باشا إلا أن قام بالإتصال بالشيخ المراغى ، وخاطبه بلهجة حادة طالبًا منه أن يحيطه علمًا بأى شىء يريد أن يقوله فيما بعد ، حتى لا يتسبب فى إحراج الحكومة المصرية .
فرد عليه الإمام بعزة المؤمن الذى لا يخاف إلا الله قائلا : " أمثلك يهدد شيخ الأزهر ؟ " وشيخ الأزهر أقوى بمركزه ونفوذه بين المسلمين من رئيس الحكومة ، ولو شئت لارتقيت منبر مسجد الحسين وأثرت عليك الرأى العام ، ولو فعلت ذلك لوجدت نفسك على الفور بين عامة الشعب .
وبعد فترة هدأت العاصفة ؛ لأن الإنجليز أرادوا أن يتفادوا الصراع مع الشيخ المراغى حتى لا يثير الرأى العام فى مصر ضد القوات البريطانية المحتلة . وهكذا يضرب الإمام المراغى المثل الأعلى للعَالِم الذى لا يخشى إلا الله عزَّ وجلَّ .
وقد تزعم الإمام المراغى حملة لجمع تبرعات فى مصر لصالح المجاهدين فى السودان الذين يقاومون الاحتلال البريطانى فى الوقت الذى كانت الحكومة المصرية للأسف تساعد الجيش الانجليزى على احتلال السودان ، وبلغت حصيلة التبرعات ستة ألاف جنيه مصري آنذاك وهو مبلغ يساوى مئات أضعافه الآن .
ومن المواقف التاريخية المشرفة للإمام رفضه الإستجابة لطلب الملك فاروق ملك مصر ، والخاص بإصدار فتوى تُحرِّم زواج الأميرة فريدة طليقته من أى شخص آخر بعد طلاقها ، فرفض الإمام المراغى الاستجابة لطلب الملك فاروق ، فأرسل الملك بعض من حاشيته لكى يلحوا عليه لإصدار هذه الفتوى ، فرفض الإمام ، ولما اشتد عليه المرض دخل مستشفى المواساة بالأسكندرية ، وهناك زاره الملك فاروق للاطمئنان عليه من ناحية ، وللإلحاح عليه مرة أخرى لإصدار الفتوى الخاصة بتحريم زواج الأميرة فريدة ، فصاح الإمام على الرغم مما كان يعانيه من شدة الألم بسبب المرض قائلاً : أما الطلاق فلا أرضاه ، وأما التحريم بالزواج فلا أملكه ، إن المراغى لا يستطيع أن يحرم ما أحل الله .
- مؤلفات الشيخ
أثرى الشيخ المراغى المكتبة الإسلامية بالكثير من المؤلفات والتراجم ، والتى اشتملت على برامجه الإصلاحية ، وخاصة إصلاح الأزهر وقوانين الأسرة ، بالإضافة لمؤلفاته ودروسه فى تفسير القرآن الكريم ، وبعض القضايا الفقهية واللغوية .
فقد كان الشيخ المراغى رحمه الله سابقًا لعصره وصاحب فكر متجدد إذ كان يرى عدم التقيد بمذهب ، وفتح باب الاجتهاد فى الأمور المستجدة فى حياة الناس ، وأن آراء الفقهاء ليست هى الإسلام ، وإنما تمثل نتاج اجتهاد علماء فى أزمنة مخصوصة وفق وقائع ملموسة .
⃟⃟⃟⃟⃟⃟