قضايا عامة | غلاء الأسعار وفقه التوكل على الله

 غَلاء الأَسْعار وفِقه التَّوكل على الله


حدث فى زمن الخليفة هارون الرشيد مثل ما يَمرُّ به مجتمعنا حاليًا من غلاء أسعار وضيق فى العيش حتى اشتد الكرب على الناس اشتدادًا عظيمًا ، فأمر الخليفة هارون الرشيد بكثرة الدعاء والبكاء وأمر بكسر ألات الطرب والموسيقى . 

وفى بعض الأيام شُوهد عبدٌ يُصفق ويرقص ويُغنى فحُمل إلى الخليفة هارون الرشيد فسأله عن فعله ذلك فقال : إنَّ سيدى عنده خزانة بُرٍّ أى مخزون من القمح فأنا متوكل عليه أنْ يُطعمنى منها ، فلهذا أنا إذن لا أبالى بما أصاب الناس من فقر بسبب غلاء الأسعار ، فأنا أرقص وأفرح ، عند ذلك قال الخليفة : إذا كان هذا قد توكل على مخلوق مثله ، فالتوكل على الله أولى . 

هذا هو العلاج الحقيقى للخروج من هذه الأزمة التى نمر بها لأن الله سبحانه وتعالى يقول﴿ .. وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)  الطلاق . 

وقد قرأ النبى  هذه الآية على أبى ذر الغفارى (رضى الله عنه) وقال له : " لو أنَّ الناس كلهم أخذوا بها لكَفتْهم " . 

وقال النبى  فى حديثه الشريف : " لو أنَّكم تتوكلُون على الله حق توكله لرزقكم كما يَرْزق الطير تَغْدو خِماصًا وتروح بطانًا "   رواه الإمام أحمد فى مسنده . 

يقول الشاعر

تَوكل على الرَّحمن فى الأمر كله        فما خاب حقًا منْ عليه توكلا

وكنْ واثقًا بالله واصبر لحُكْمــهِ          تَفز بالذى ترجوه مِنْه تفضلا

فالمسلم يحتاج إلى التوكل على الله تعالى فى جميع أموره ، وخاصة فى قضية الرزق التى شغلته فى عصرنا هذا ، وفى معظم العصور شغلت عقول الناس وقلوبهم ، وأورثت الكثير منهم قلق النفس وتعب البدن ، بل ربما قَبِل البعض مذلة نفسه وإهانة كرامته وانحناء رأسه لعبد مثله من أجل رغيف العيش أو زيادة فى راتبه .

حيث يقول الشاعر

لا تَخْضعنَّ لمخلوق على طمعٍ          فإن ذلك نقصٌ منك فى الدين 

لنْ يقدر العبد أن يُعطيك خردلة        إلا بإذن الذى سواك من طين 

واسترزق الله مما فى خزائنه          فإن رزقك بين الكافِ والنونِ

واستغن بالله عن دنيا الملوك         كما استغنى الملوك بدنياهم عن الدين 

وهذا لا يعنى أن يُهْمل المسلم السعى فى تحصيل الرزق بحجة التوكل على الله ، تاركًا الأخذ بالأسباب بل عليه أن يأخذ بالأسباب ويسعى ويكدح لأن الله سبحانه وتعالى أمره بذلك ، فقال سبحانه وتعالى﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)  الملك . 

كما يجب أيضًا أن تُعاقب الدولة من يحتكر السلع الغذائية ، ويهدد الناس فى أقواتهم ، ومن يزيد فى أسعار السلع زيادة فاحشة ، فهذا واجب الدولة فى محاربة الفساد والمفسدين ؛ كما يأتى دور المجتمع فى محاربة الفقر ، وإعانة الفقراء والمحتاجين ؛ بأن يبذل الأغنياء مما رزقهم الله واستخلفهم فيه .. وبذلك يمكن أن نضع تصورًا كاملاً لمحاربة غلاء الأسعار .. بحيث يؤدى كل مسئول ما عليه من أمانة وتبعات ، ويتقى الله فى عمله . 

؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛