رجال حول الرسول | صهيب بن سنان (ربح البَيْع أبَا يحْيى)
صُهـَــيْبُ بْنُ سـِــنَانٍ (رضى الله عنه)
ربـح البيـع أبـا يحـيى
فمن هو ؟- هو صُهَيْب بْنُ سِنان بن مالك ، أبو يحيى ، وأمه من بنى مالك بن عمرو بن تميم ، هو واحد من السبعة الكبار أول سبعة أظهروا الإسلام بمكة ، نال من عذاب قريش الشئ الكثير ، وكان يُحبه الرسول ﷺ حبًا شديداً .
- صُهَيب بنُ سِنان المعروف بصُهيب الرومى كان جوادًا كريم العطاء يُنفق كل عطائه من بيت المال فى سبيل الله ، يُعين المحتاج ، ويغيث المكروب ، ويُطعم الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا ، حتى أثار سخاؤه المفرط انتباه عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) فقال له : " أَراك تُطعم كثيرًا حتى أنَّك تُسرف " فأجابه صُهَيْب : لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول : "خِيَاركم مَنْ أَطْعَم الطَّعام وردَّ السلام" ، فذلك الذى حملنى على أن أطعم الطعام .
- اشتهر صُهَيب بزهده وعبادته وكفاحه وحبه للمداعبة ، فقد داعبه رسول الله ﷺ يومًا عندما قَدِمَ إليه فوجده مع أصحابه وبين أيديهم تمرًا يَأْكلونه وكان أَرْمَد - كان فى عينيه رمد - فجلس يأكل مع النبى ﷺ فقال له النبى ﷺ : أَتَأْكل التمر وأنت أرمد ؟ .. فقال : وأى بأس يا رسول الله أنِّى آكل بعينى الأخرى . كان جميلاً أحمر اللون غزير شعر الرأس وكان مُنعَّمًا فى أهله ، كريمًا ذا ذاد ، وكان يَحيى فى رغد من العيش وطفولة ناعمة سعيدة ، فقد كان أبوه حاكم (الأيلة) ، وكان له قصر كبير على شاطئ الفرات ، وكان حاكمًا من قِبل كسرى ، نشأ صُهَيب فى بيت عز وبيت مَلِك ، وفجأة أغارت الروم عليهم وسَبَتْ كثيرًا من الناس ، وكان صُهَيب ممن وقع فى الأسر ، فأخذوه وأسروه ثم باعوه إلى بعض العرب الذين قدموا به إلى مكة فاشتراه عبد الله بن جدعان الذى أُعجب بذكائه ونشاطه وإخلاصه فأعتقه وأشركه فى تجارته حتى أصبح لديه المال الكثير .
- تحمل من العذاب فوق ما يطيقه بشر ، ولقد أسلم هو وسلمان الفارسى فى يوم واحد ، وهو سابق الروم فى الإسلام ، قال عنه النبى ﷺ : "السُّبَّاقُ أَرْبَعة : أنا سابق العرب ، وصُهَيب سابق الروم ، وسَلمان سابق فارس ، وبِلال سابق الحبش" . حين أراد الهجرة إلى المدينة ليلحق برسول الله ﷺ ، أدركه قناصة من قريش فى الصحراء ، فصاح فيهم : "يا معشر قريش ، لقد علمتم أنى من أرماكم رجل ، وأيم الله لا تصلون إلىَّ حتى أرمى بكل سهم معى فى كنانتى ثم أضربكم بسيفى ، حتى لا يبقى فى يدى من شىء ، فأقدموا إن شئتم ، وإن شئتم دللتكم على مالى وتتركونى وشأنى" ..
- قَبِلَ المشركين المال وتركوه قائلين : أتيتنا صعلوكًا فقيرا ، فكثر مالك عندنا ، وبلغت بيننا ما بلغت ، والآن تنطلق بنفسك وبمالك . فدلهم على ماله وتنازل عن ثروته كلها فى سبيل الهجرة وانطلق إلى المدينة . لحق صُهَيب برسول الله ﷺ وهو فى قباء قبل أن يدخل المدينة ، ونزل جبريل (عليه السلام) على النبى ﷺ بقول الله عزَّ وجلَّ فى شأن صُهَيب وما حدث منه : ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207) ﴾ البقرة .. ولما دخل على النبى ﷺ هشَّ وبشَّ فى وجهه وقال : "رَبِحَ البَيْع أبا يَحيى .. رَبح البَيْح أبَا يَحيى" .
- أصبح صُهَيْب من أهل الصُفَّة الذين تفرغوا لتعلم القرآن ، والعبادة وملازمة الرسول ﷺ فى كل مكان وزمان وشهد جميع المشاهد والغزوات مع رسول الله ﷺ ويتحدث عن نفسه فيقول : " لم يشهد رسول الله ﷺ مشهدًا قط إلا كنت حاضره ، ولم يبايع بيعة قط إلا كنت حاضره ، وما سار بسرية إلا وكنت معه ، ولا غزا غزوة إلا وكنت عن يمينه أو شماله فيها ، وما خاف المسلمون من أمامهم قط إلا وكنت أمامهم ، وما خافوا من خلفهم إلا وكنت خلفهم ، وما جعلت رسول الله ﷺ بينى وبين العدو أبدًا حتى لقى ربه " .
- ويروى (رضى الله عنه) عن النبى ﷺ قوله : "ما آمن بالقرآن من اسْتَحلَّ مَحَارِمَه" أى من يستحل أى شىء حُرِّم فى القرآن فما آمن بالقرآن ، فكان (رضى الله عنه) حريصًا كل الحرص على البُعْد عن كُلِّ مَا حُرِّم فى القرآن ، وكان جوادًا سخيًا بمالِهِ .
- دخل عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) عليه وكان محبًا له ، ومقربًا له فقال له : ما فيك شيىء أعيبه يا صُهيب إلا ثلاث خصال ، لولاهن ما قدمت عليك أحدًا : أراك تنتسب عربيًا ولسانك أَعْجَمى ، وتَكْتنى بأبى يَحيى وهو اسم نَبى ، وتبذر مالك .. فقال صُهيب : أما تبذيرى مالى فما أنفقه إِلا فى حقه ، وأما اكتنائى بأبى يَحيى فلن أتركها ، وأما إنتمائى إلى العرب فإن الروم سَبَتْنِى صغيرًا ، فأخذت لسانهم ، وأنا رجل من بنى النمْرِ بن قاسط (قبيلة من العرب) ، ولو انفلقت عنى (روثة) لانْتَميْت إليها .. أى لا أخجل أن أَنْتسب إلى قومى مهما كانوا . اختاره عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) ليصلى بالناس ثلاثة أيام حتى ينتهى أهل الشورى الستة من اختيار الخليفة ، وذلك حين طعنه أبو لؤلؤة المجوسى ، وكذلك أوصاه أن يؤم الناس فى صلاة الجنازة عليه .
- روى (رضى الله عنه) عن رسول الله ﷺ قوله : "إِذا دَخل أهل الجنَّة الجنَّة ، وأهل النَّار النَّار ، نادى منادٍ : يا أهل الجنَّة ، إن لكم عند الله عزَّ وجلَّ موعدًا يريد أن يُنْجِزَكُمُوه .. فيقولون : ما هو ؟! .. ألم يُثقِّلْ مَوَازيننا ،ويُبيض وجوهنا ، ويُدْخلْنا الجنَّة ، ويُخرجنا من النار ؟ فَيُكْشَف لهُمُ الحجاب ، فينظرون إلى الله تعالى ، فما من شىء أُعطوه أحب إليهم من النَّظر إليه ، وهى الزِّيَادةُ" المذكوره فى قوله تعالى : ﴿ .. لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ .. (26) ﴾ يونس .
- أيضًا روى صُهَيْب عن رسول الله ﷺ قوله : "عجبًا لأمر المُؤمن ، إِنَّ أَمْره كُله خير ، وليس ذلك إلا للمؤمن ، إِنْ أَصَابتهُ سرَّاء شَكر فكان خير له ، وإن أصابتهُ ضرَّاء صبر فكان خير له". يَظل صُهَيْب على العهد الذى عاهد عليه النبى ﷺ وعاهد عليه الله لا يشغله شاغل عن الغزو ولاعن العبادة ، ويقترب الأجل .. ويلحق صُهيْب بالرفيق الأعلى وهو فى المدينة سنة ثمان وثلاثين من الهجرة ويُدفن بالبقيع إلى جوار أصحاب النبى ﷺ .. وكان عمره ثلاثاً وسبعين سنة . صُهَيْب الرُّومى الذى أصبح من السابقين إلى الخيرات ، السابقين فى الإسلام ، السابقين فى الأمم ، حيث صدقت فيه كلمة النبى ﷺ حين قال : "السُّبَّاقُ أَربعةٌ ، أنا سَابقُ العرب ، وصُهيْبٌ سابقُ الرومِ ، وسلمانُ سابقُ فارس ، وبِلالٌ سابقُ الحَبَشِ".
- اللهم إنَّا نسألك أن تَرفع مقام صُهيْب فى عليين وأن تلحقه بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛