من هدى النبى ﷺ | أَتَتْهُ الدُّنْيا وهِى صَاغِرةٌ من كان يُريدُ الآخِرة ويَسْعى إليها

  أَتَـتْـهُ الدُّنْيَــا وَهِىَ صَاغِرَةٌ 


  • الحرص المذموم على الدنيا لا يزيد صاحبه نفعًا ؛ لأن رزقه قد قُدر وكُتب ، فلا يأتيه إلا هذا المقدار المكتوب له ، مهما أتعب نفسه من أجل الدنيا ، فعلى الإنسان العاقل أن يكتفى بطلب الدنيا بطريق مشروع من غير حرص زائد ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :
{1}  مَنْ  كَانَتِ  الدُّنْيَا  هِمَّتَهُ  وَسَدَمَهُ * ،  وَلَهَا  شَخَصَ ، وَإِيَّاهَا  يَنْوِى ، جَعَلَ الله  الفَقْرَ بَيْنَ  عَيْنَيْهِ ، وَشَتَّتَ  عَلَيْهِ  ضَيْعَتَهُ ، وَلَمْ  يَأْتِهِ  مِنْهَا  إِلاَّ مَا كُتِبَ  لَهُ  مِنْهَا ، وَمَنْ  كَانَتِ  الآخِرَةُ  هِمَّتَهُ  وسَدَمَهُ ، ولَهَا  شَخَصَ ، وَإِيَّاهَا  يَنْوِى ، جَعَلَ  الله  عَزَّ وجلَّ الغِنَى  فِى قَلْبِهِ ، وَجَمَعَ  عَلَيْهِ  ضَيْعَتَهُ ، وأَتَتْهُ  الدُّنْيَا  وَهِىَ  صَاغِرةٌ  .   عن أنس (رضى الله عنه) عند البزَّار ، والطبرانِى ، والبيهقى ، وعن زيد ابن ثابت (رضى الله عنه) عند ابن ماجه ، ذكره الألبانِىُّ فى الأحاديث الصحيحة .      * السَّدم : الولوع بالشىء

  • يُوجه الحديث نَصيحة غَالية ، ودعوة لأن نكون من أبناء الآخرة ، لا من أبناء الدنيا فإن كل أُمٍ يَتْبَعُها ولدُها .. والدنيا إلى فناء وزوال ، ولا تُساوِى عند الله  جناح بعوضة ، وإلا ما سقى منها الكافر شربة ماء .. فمن كانت الدُّنيا هى : همَّه ، واهتمامه ، وشغله الشَّاغل ، يتعلَّق بها ، ولا ينظر إلى سِواها ، قد اشتدَّ حُبُّه ووَلَعُه بها .. إليها يسعى ، ولها يطلب ، ومن أَجلها يَجِدُّ ويجتهد ، جعل الله الفقر بين عينيه .. فمهما جمع من مال لا يشبع ولا يقنع ، وشتَّت الله عليه ضَيْعَتُه .. فلا يُجْمَع له أمر ، ولا يستقرُّ له حال ، ولا يستريح له بال  ، ولا يَأمَن على ماله من غوائل الزَّمن ؛ فيستفرغ وقته وجهده فى محاولة الحفاظ عليه وتنميته .. 
  • وقد كان أبو الدَّردَاءِ (رضى الله عنه) كثيرًا ما يدعو قائلاً : " اللَّهُمَّ إِنى أَعَوذ بِكَ مِنْ شَتَات القلب " .. ولما سُئل عن شتات القلب : ما هو ؟  قال : " أَنْ يَكُون لكَ فِى كُلِّ وَادٍ مَالٌ " .. أى أنواع مختلفة من الأموال كالأملاك ، والتجارة ، والزراعة ، وما إلى ذلك ؛ فيتشتَّت القلب ؛ وينشغل الفكر ، ويُلْهى الإنسان عن آخرته .. 
  • أما على الجانب الآخر .. فمن كان من أبناء الآخرة .. لها يسعى ، وإيَّاها يطلب ، ومن أجلها يعمل .. لا يشغله عنها شاغل فإن الله تبارك وتعالى يجعل غِنَاه فى قلبه .. فلا يشعر بالفقر إلاَّ لله .. ولا يكون له حاجة فى شىء ، ولا احتياج لمخلوق ولا يلجأ إلاَّ لله .. ولا يسأل سواه .. يعلم علم اليقين أنَّ ما فاته من الله سوى الله يسير ، وكل حظِّ  له  سوى الله  حقير .. ومن كان هذا شأنه جُمعت عليه ضَيعَتُه ، وصَلُحَ باله ، واستقرَّت أحوالُه ، وأتَتْهُ الدُّنْيَا صَاغِرةً دون جهد أو تعب ، ورزقه الله من حيث لا يحتسبُ .. 
  • ويُشير القرآن إلى هذه المعانى فى قول الحق تبارك وتعالى : ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ (20) ﴾ الشورى ..  فلينتبه كل غافل .. فمن كان يريد الدُّنْيَا لا يصيب منها إلا ما كُتب له ، وقد يخسر آخرته .. ومن كان يريد الآخرة يَسْعَدُ فيها ، وتَأْتِيهِ الدُّنيَا وهى صَاغِرةً .. 
  • فـ الله تبارك وتعالى هو المالك للدنيا والآخرة ، وهو العاطى منها ما يشاء .. وهو القائل سبحانه وتعالى : ﴿ كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) ﴾ الإسراء . وقد حرص النبى ﷺ على التحذير من طلب الرزق بالمعصية .. فإن ما عند الله لا يُدرك بمعصية .. ونَبَّه إلى أن يكون الطلب للرزق من الله تبارك وتعالى بطاعته ، واللجوء إليه دون استبطاء للإجابة .. فلن تموت نفس حتى تستوفى رزقها .. ويقول النبى صلى الله عليه وسلم فى هذا الشأن 
{2}  لَيْسَ  مِنْ  عَمَلِ  يُقَرِّبُ  مِنَ  الجَنَّةِ  إِلاَّ  قَدْ  أَمَرْتُكُمْ  بِهِ ، وَلاَ  عَمَلٍ  يُقَرِّبُ  مِنَ  النَّارِ إِلاَّ  وَقَدْ  نَهَيْتُكُمْ  عَنْهُ .. فَلاَ  يَسْتَبْطِئَنَّ  أَحَدٌ  مِنْكُمْ  رِزْقَهُ ؛ فَإِنَّ  جِبْرِيلَ  أَلْقَى  فِى  رَوْعِى : إِنَّ  أَحَدًا  مِنْكُمْ  لَنْ  يَخْرُجَ  مِنَ  الدُّنْيَا  حَتَّى  يَسْتَكْمِلَ  رِزْقَهُ .. فَاتَّقُوا  الله   أَيُّهَا  النَّاسُ  وأَجْمِلُوا  فِى  الطَّلَبِ ، فَإِنِ اسْتَبْطَأَ  أَحَدٌ  مِنْكُمْ  رِزْقَهُ ؛ فَلاَ يَطْلُبُهُ  بِمَعْصِيَةِ  الله ، فَإِنَّ  الله لاَ يُنَالُ  فَضْلُهُ  بِمَعْصِيَتِهِ .   رواه الحاكِمُ ، ذكره السُّيوطِىُّ فى جامعه عن ابن مَسْعُودٍ (رضى الله عنه) .
  • يتَّضح من هذا الحديث أن الرَّسُول  لم يترك فرصة لأحد ليضيف شيئًا لِشَرْع الله .. وإنما بين لنا بوضوح تام كلَّ عمل يقرِّبنا من الجنة ، ونصحنا به ، ونهانا عن كل عمل يقرِّبنا من النار فهو  كما قال الله عزَّ وجلَّ فيه : ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (128) ﴾  التوبة  .. ومن ثم فلا مصدر للتشريع وبيان الحلال والحرام إِلاَّ عن طريق رسول الله  ومن خلال القرآن والسُّنَّة .. وأمَّا الرزق فهو بيد الله عزَّ وجلَّ وهو مقْسُوم ومقدَّر ومكتوب .. 
  • فلا يجب أن يكون تحصيل الرزق هو شغلنا الشَّاغل  .. والله تبارك وتعالى يقول : ﴿ .. لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ (132) ﴾  طه .. أى أن الله تبارك وتعالى لا يكلِّف الإنسان أن يرزق نفسه بل هو الرَّزَّاق ذو القوَّة المتين المتكفِّل برزق مخلوقاته ، وهو سبحانه وتعالى القائل : ﴿ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا .. (6) ﴾  هود .
  • والمتأمِّل لآيات القرآن الكريم يجد أنَّ مسئولية الرزق ليست للإنسان وأنه مكلَّف بعبادة الله والتوكُّل عليه فى كلِّ أموره . ويشير إلى هذا المعنى قول الحق تبارك وتعالى : ﴿ .. وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123) ﴾  هود .. وكلمة الأمر فى هذه الآية ليست مفرد الأوامر وإنما هى واحد الأمور .. وعليه فجميع الأمور بيد الله عزَّ وجلَّ ، ومنها : أمر الرزق .. وما على الإنسان إلاَّ أن يعبد الله تبارك وتعالى ويتوكَّل عليه فى سَعْيِهِ للرِّزق وفى كل أموره وشئونه .. وأن يكون جلُّ إهتمامه البحث عما يقربه من الجنَّة فيأتى منه ما استطاع ، وتَحَرَّى كل ما يقربه من النَّار فيجتنبه .. ولا يستبطئ رزقه لأن استبطاء الرزق قد يقود الإنسان لمحاولة الحصول عليه من خلال معصية الله عزَّ وجلَّ فيهلك ولا ينال من الدنيا إلاَّ ما كُتب له .. ولو أنه قنع ورضى وصبر لأتاه هذا الرزق من حلال دون زيادة أو نقص ، ولنجا من غضب الله وعذابه . 
                            ؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛                         
       المرجع/مجامع الكلم
       للداعية الإسلامى/ياسين رشدى