هل تعلم؟ | القَـــــــــلْـبُ محل العِـلْم والمَعْـرفـة وهو المخلوق للقاء الله

  الْقَــــــــــــــــــلْبُ 

ماهو القَلْبُ ؟
  • هل القلب هو العضو الأساسى فى الجهاز الدورى الموجود فى الجانب الأيسر من الصدر والذى يقوم بضخ الدم إلى جميع أعضاء الجسم من خلال الأوعية الدموية .. أم ماذا ؟! .. خلق الله تبارك وتعالى المخلوقات فمنها : الجمادات ومنها النبات والحيوان والإنسان .. والجماد هو ما لا حياة فيه ، وقد خُلق لخدمة الحياة بصورها المختلفة فى النبات والحيوان والإنسان : 
  • فالنبات فيه نوع من الحياة لأنه ينمو ويزدهر ويثمر ويموت ولكنه ثابت .. حيث زرع ، ونبت ، ونما ، وحصد ، فليس له حركة ولا اختيار .
  • أما الحيوان فله نوع من الحياة هى أرقى من حياة النبات ؛ فله الحركة وله بعض الإختيار وقد يكون له مجتمع ونظام ، كمملكة النحل والنمل وهجرة الطيور والأسماك .. وما إلى ذلك حيث يقول الحق تبارك وتعالى﴿ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ .. (38)  الأنعام . 
  • فالحيوان يلزمه شىء زائد عما أعطاه الله للنبات ألا وهو الحاسة .. فالنبات لا يبصر ولا يتحرك فلا تلزمه العين مثلاً .. أما الحيوان فيحتاج للبصر فى حركته وكذلك باقى الحواس التى تعينه على معرفة أسباب حياته .. كما يحتاج إلى الشهوات أو الغرائز لحفظ نوعه .. 
  • فنجد أن الله سبحانه وتعالى منحه الشهوات البهيمية (شهوتا البطن والفرج) ، والشهوات السَّبعية (شهوة الغضب) .. فإذا احتاج الحيوان إلى الطعام تحركت شهوة البطن فأحس بالجوع .. وتحركت شهوة الغضب فأقدم على فريسته يمزقها بأنيابه .. وهذه الشهوات فى الحيوان لا حاكم لها ولا رابط ، فلا علم ولا إدراك .. فمثلا لو نظر الكلب إلى المرآة أو إلى الماء ظن وجود كلب آخر ، ولا يمكن له أن يدرك أنَّ ما يراه خيال أو صورة .. 
  • لكن إذا انتقلنا إلى الإنسان وجدناه يجمع بين ما مُنح للنبات ، وما مُنح للحيوان ، لكنه تميَّز بالعلم والإدراك ؛ فهو ينمو كما ينمو النبات ، ويزداد قوة على قوة ، ثم يتحول من القوة إلى الضعف والشيخوخة التى تنتهى بالموت .. يقول الحق تبارك وتعالى﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54) ﴾ الروم .. ونجد فيه أيضًا ما فى الحيوان من شهوات بهيمية وسبعية .. ففيه شهوتا البطن والفرج ، وفيه شهوة الغضب ، ولكنها جميعًا محكومة بالإدراك والتمييز الذى يوفره العقل .. وفائدة العقل هنا تصحيح خطأ الحواس والإختيار بين البدائل .. وهو أيضا مهيؤٌ لقبول العلوم والمعارف .. 
  • وقد نشأ من قدرة الإنسان على تسخير ما حوله من أشياء أن ظهرت له شهوات أخرى : كشهوة الجاه والسلطان .. وشهوة المال والتملك .. وشهوة التسلط والسيطرة . 
  • والإنسان يتميز على سائر المخلوقات بالعقل لذلك أصبح مُكلفًا بالشرائع ، مُخاطبًا بالأوامر والنواهى .. فما هو محل الخطاب من الإنسان ؟! .. الإنسان كيان مكون من جسم وروح ونفس وعقل .. ولا بد أن يكون محل الخطاب هو القوة المُتهيئة لقبول العلوم والمعارف .. والتى هى منشأ الإدراك والتمييز .. والتى بها يتم الإختيار بين البدائل ، ألا وهى : العقل .. فأين محل العقل من الإنسان ؟! 
  • محل العقل هو القلب .. ذلك الجوهر الموجود فى الصدر والذى له نوع من التعلق بالقلب العضوى .. تلك العضلة الصنوبرية التى تضخ الدم فى الجسم ، أمَّا ماهو موجود فى الرأس فهو المخ وليس العقل وهو جهاز عضوى كأجهزة الجسم مثل الكبد والبنكرياس وله وظائفه الخاصة وخلاياه ، وهو مُعَرَّض للتلف كباقى أعضاء الجسم .. 
  • أما القلب الذى نتكلم عنه فهو الجوهر الموجود فى الصدر وهو لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب الجسمانى تعلق ، وتلك اللطيفة هى حقيقة الإنسان التى لا يعرف سِرَّها إلا الله سبحانه وتعالى كالرُّوح والنَّفْس كما جاء فى كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالى (رحمه الله) .. فهو المُخَاطَب .. وهو المُعَاتَب .. وهو المُحَاسَب .. وهو محل العلم والجهل .. والإيمان والكفر .. والنكران والشكر .. ومحل النِّيَّةِ التى على أساسها تُحسب الأعمال .. وهو حى لا يموت بموت الإنسان .. وهو أول شىء خُلِقَ من الإنسان .. وهو الذى خُوطِبَ وسُئِلَ وأجاب فى عالم الذَّرِّ كما حكى القرآن الكريم﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ .. (172)  الأعراف . 
  • إذًا لا بد للمُخاطب أن يكون مُدْرِكًا مختارًا .. و الله تبارك وتعالى لا يخاطب أعضاءنا وجوارحنا ؛ فتلك أدوات تأتمر بأوامر القلب .. وتكتسب الأعمال بإختيار القلب ، وهى شاهدة يوم القيامة له أو عليه .. فالقلب هو الطائع على الحقيقة أو العاصى .. وما يظهر من أثر العبادة على الجوارح فهو نوره .. وما يسرى فيها من فواحش هو أثره .. فإذا استنار القلب بنور المعرفة واليقين صلح الظاهر .. وإن اسودَّ بالجهل والفجور فسد الظاهر . 
لذلك يقول النبى  : " أَلاَ إنَّ فى الجَسَدِ مُضْغَةً ، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ .. وإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ .. أَلاَ وَهِىَ القَلْبُ "..  رواه البُخارى ومُسلم .  وصدق من قال : " المَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ : بِقَلْبِه وَلِسَانِهِ " . يتضح من ذلك أنَّ القلب هو المخلوق للقاء الله ، وهو الساعى إلى رضا الله وهو العالم بـ الله ، وهو المتقرب إلى الله ، وهو المكاشف بما عند الله .. وهو الواقف يوم القيامة بين يدى الله .. 
  • وجسم الإنسان ما هو إلا مَرْكَبٌ يسير به القلب فى رحلة الدنيا ثم ينتقل إلى مَرْكَب آخر فى حياة البرزخ ــ ولذلك يتحلل الجسد بالموت ويتحول إلى تراب ــ ثم ينتقل إلى مركب آخر يوم الحشر والنشر ليكون محلا للتنعيم ، أو لذوق عذاب الجحيم .. فجسد الآخرة باق .. وجسد الدنيا فان .. وإن كان الأصل هو التراب .. 
  • والله تبارك وتعالى هو المبدئ المعيد .. يبدؤ الخلق ثم يعيده ، والدليل على ما قلناه من أن القلب هو محل العقل .. وأن القلب محله الصدر .. وأن القلب هو محل العلم والمعرفة .. وهو المدرك المختار .. وهو المخاطب .. والمعاتب .. والمحاسب .. وأنه يمرض ويسلم : هو ما جاء فى القرآن من آيات كثيرة .. وإليك أمثلة نذكر منها
  1. ﴿ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا.. (10)  البقرة .
  2. ﴿.. وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ .. (225)  البقرة .
  3. ﴿.. وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ .. (154)  آل عمران .
  4. ﴿ .. لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا .. (179)  الأعراف .
  5. ﴿ .. رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (93)  التوبة .
  6. ﴿.. صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ (127) ﴾ التوبة .
  7. ﴿.. إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ .. (57) ﴾ الكهف .
  8. ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) ﴾ الحج .
  9. ﴿ أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا .. (50)  النور .
  10. ﴿ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾ الشعراء .
  11. ﴿ .. وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ .. (5) ﴾ الأحزاب .
  12. ﴿ ..  وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ .. (26) ﴾ الأحزاب . 
  13. ﴿ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) ﴾ الصافات .
  14. ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) ﴾ محمد .
  15. ﴿.. فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ .. (18)  الفتح .
  16. ﴿.. فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (3) ﴾ المنافقون .
مَــرَضُ الْقَــلْبِ :
  • يقول الحق تبارك وتعالى﴿ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)  البقرة . ويقول سبحانه فى موضع آخر﴿ أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ۚ بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50)   النور . إذًا فالقلب يمرض .. ومرض القلب هو خروجه عن حد الإعتدال ، وفقده لوظيفته التى خُلق لها .. ألا وهى : معرفة الله تبارك وتعالى والعلم بصفاته ، والسعى لمرضاته ، والتشوق للقائه ، والسيطرة على جنوده التى سخرها الله له من : جوارح ، وأعضاء ، وحواس ، وشهوات ، واستخدامها فيما خُلقت له تنفيذًا لقول الحق تبارك وتعالى﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)  الذاريات .. 
  • والأسباب الأساسية لمرض القلب هى :
  • الإفراط فى شهوة البطن وشهوة الفرج .. ولذلك حذرنا النبى  بقوله : " مَا مَلأ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّ مِنْ بَطْنِه .. بِحسْبِ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَه " .. بل فهمنا من القرآن أن خروج " آدم " من الجنَّة كان بسبب شهوة البطن التى زينت له وسوسة الشيطان فأكل من الشجرة المُحرَّمة .. 
  • {أولا}  شهوة البطن  هى أساس الشهوات .. ذلك أن الإفراط فى الطعام يؤدى إلى أحد أمرين : الأمر الاول : الحصول على المال من أى طريق ــ ولو كان حرامًا ــ لتلبية رغبات شهوة البطن ؛ إذا لم يكن عنده من المال ما يكفى لذلك . الأمر الثانى : السِّمْنة واكتناز اللحم والشحم الذى يؤدى إلى كثرة النوم والكسل عن العبادة والطاعة ، وحجب القلب عن الحكمة وتلقى العلوم ، وتقوية شهوة الفرج ؛ فتخرج عن حد الاعتدال . 

  • {ثانيا}  شهوة الفرج  فإن تركت بغير تحكم خرجت عن حد الاعتدال فيتجاوز الإنسان ما أحله الله له إلى ما حرمه عليه ؛ مما يجعله يجرى ويلهث وراء المال والجاه اللذين يوفران له ما تتطلبه شهوة الفرج .. وخير وقاية هى طاعة الله عزَّ وجلَّ لقوله تعالى﴿ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ .. (31)  النور . 
  • وكذلك العمل بنصائح ووصايا الرسول  : " النَّظْرَةُ سَهْمٌ مَسْمُومٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيس ، فَمَنْ تََركَها خَوْفَا مِنَ الله ؛ آتَاهُ الله إِيمَانًا يَجِدُ حَلاَوَتَهُ فِى قَلْبِهِ "  رواه الحاكم وصححه عن حذيفة (رضى الله عنه)  وقال صلى الله عليه وسلم : " منْ مَلكَ البَاءَةَ* فَلْيَتَزوَّجْ .. ومَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَليْهِ بِالصِّيَام فَإِنَّه لَهُ وِجَآء** "  متفق عليه عن ابن مسعود (رضى الله عنه) . *البَاءَة : الصداق .     **وِجَاء : حماية ووقاية .
  • فإذا تمت الوقاية بالتحكم فى شهوتى البطن والفرج : تيقظ القلب ، ووضع الأمور فى نصابها ، وسُدَّت مسالك الشيطان وطرقه .. أما إذا لم يأخذ الإنسان بأسباب الوقاية : تعرَّض القلب لأمراض كثيرة وخطيرة ، وفقد إدراكه وتمييزه ، واختلطت عليه الأمور ، ولقى الله تبارك وتعالى عليلاً كليلاً ؛ فهلك وأهلك صاحبه .
جُنـُـودُ القَــلْبِ :
  • مما سبق يتضح لنا أن القلب هو المَلِكُ ، وهو الآمر والناهى ، وهو المُدْرِك الفعال المختار .. والجسم مملكته يتحكم فيها كيف يشاء .. ولابد للملك من جنود وعَسَس (جواسيس) وأسلحة وما إلى ذلك .. وجنود القلب ثلاثة

  1. الشَّهَواتُ ، أو البَوَاعثُ والمُسْتَحثَّاتُوهو ما يطلق عليه أحيانًا الإرادة .. وقد خُلقت هذه الشهوات لخدمة القلب بحفظ مركبه وهو الجسد .. وهذه الشهوات متعددة .. فمنها بهيمية : كشهوة البطن والفرج .. فشهوة البطن تحفظ الجسد ، وتمده بما يغذيه ويبقيه .. وشهوة الفرج تحفظ النوع بالزواج والإنجاب .. ومنها سَبْعِيَّة : كشهوة الغضب وهى موجبة سالبة ؛ إذ تجلب المنافع وتدرأ المفاسد .. ولهذه الشهوات درجات متعددة تتراوح بين التفريط والإفراط . 
  2. أدوات تحصيل الشهوات ، أو القدرةوهى الجوارح والأعضاء على اختلاف أنواعها ، فمثلاً إذا تحركت شهوة الجوع ؛ أمر القلب الجوارح لتحصيل الطعام : فالعين تبصر وتنتقى ، والقدم تسعى ، واليد تحمل وتطبخ وتعد الطعام ، والفم يمضغ .. وهكذا وهذه الجوارح جنود ظاهرة ، تحركها جنود باطنة : كالأعصاب ، والعضلات ، والإشارات من وإلى المخ .. وما إلى ذلك .. وبهذه القدرة يتحقق ما طلبته الإرادة ؛ أو يُدفع ما حذرت منه . 
  3. الإدراك أو التمييزوهو أهم جنود القلب إذ به تتميز الأشياء ، ويتم توجيه الحواس والجوارح التوجيه الصحيح .. لجلب المنافع ، ودفع المضار .. فمثلا : لو رأت العين ثعبانًا تبين القلب بواسطة الإدراك أنه عدو فأمر الجوارح بالابتعاد عنه أو البطش به .. وإذا سمعت الأذن صوتًا عرف القلب صاحب الصوت بواسطة الإدراك .. ولذلك يطلق على الحواس اسم العَسَس أو (جواسيس القلب) . 

  • وعليه إذا أحسن القلب استخدام جنوده وصل إلى بر الأمان ، وأصبحت الدنيا مزرعة للآخرة ؛ ووصل إلى الله سليمًا ؛ وأنجى صاحبه ، حيث يقول الحق تبارك وتعالى﴿ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)  الشعراء . وإن أساء القلب استخدام جنوده فسد وتلف وعمى عن الحقيقة وأهلك صاحبه ، حيث يقول الحق تبارك وتعالى﴿ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَٰذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63)  المؤمنون .. فكيف السبيل إلى سلامة القلب ؟! ..
سلامة القلب : 
  • حين خلق الله القلب خلقه مُهيئًا لقبول حقائق المعارف والعلوم ، وهى نوعان :

  1. علوم عقلية : وهى دنيوية : كالطب ، والهندسة ، والحساب ، وما إلى ذلك .. تساعد الإنسان على تسخير ما خُلق له للانتفاع به فى دنياه .. وأخروية : كالعلم بوجود الله ، وبصفاته ، وأفعاله .. تورث القلب الخشية والخضوع لخالقه .. وهى علوم مكتسبة بالتعلم والتحصيل .
  2. علوم شرعية : وهى علوم تختص بالأحكام ، وبيان الحلال ، والحرام ، والعبادات .. وهى علوم تكتسب بالتعلم والسماع والتقليد .. وهدفها : إنارة القلب ، وتوجيهه إلى كيفية إدارة مملكته ، والسيطرة على جنوده للوصول إلى بَرِّ الأَمان .. وهى علوم وهبية للأنبياء تُوهب لهم بالوحى والتنزيل .. وما كان للعقل البشرى أن يصل إليها إلا من خلال الأنبياء الذين هم واسطة بين الله وخلقه .. 

  • وسواء أكانت العلوم عقلية أم شرعية مكتسبة أم موهوبة  فالقلب هو وعاؤها ومحلها ، إذا امتلأ بها ؛ امتنع دخول الجهل .. أما إذا أُفْرغَ القلبُ وخلا منها ؛ دخله الجهل ودخله الهوى .. وتبدأ الشهوات تتحكم فيه وتوجهه بعد أن كانت جُنْدًا له .. وإذا بالجوارح والحواس مُسَخَّرة لخدمة الشهوات التى تنمو وتستعر وتخرج عن حد الإعتدال ؛ فتسعى إلى المهلكات فتستجلبها بدلاً من أن تدفعها .. ويفقد القلب إدراكه وتمييزه كما فقد سيطرته على جنوده ويصبح تابعًا للهوى يأتمر بأمره فيضل طريقه إلى الله مصداقًا لقول الحق تبارك وتعالى﴿ .. وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ.. (26)   ص .
  • عَــدُوُّ الْقَــلْبِ :
  • قد علمنا أن القلب هو مَلِكُ الجسد والجوارح ، وهو محل العلم والمعرفة .. وما من مَلِكٍ إلا وله عَدُوٌّ ، وما من مملكة إلا ويتربص بها أعداؤها .. وللقلب عدو قديم لدود .. ذو مكر وكيد وحيلة ..  هذا العدو هو " الشيطان " وقد أخبرنا الحق تبارك وتعالى بذلك فى قوله﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا .. (6)  فاطر .. وخطورة هذا العدو تكمن فى أننا لا نراه ؛ حيث يقول الله عزَّ وجلَّ﴿ .. إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ .. (27)  الاعراف .
  • وهكذا شاءت إرادة الله أن يختبرنا بعدو لا نراه ولكننا بفضل الله عرفنا مسالكه وأساليبه وكيفية تأثيره على القلوب ؛ إذ يقول الحق تبارك وتعالى حكاية عنه﴿ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)  الأعراف . أى أنه يأتى من أربعة اتجاهات فقط من بين ستة اتجاهات للإنسان .. فلم يأتى ذكر الفوق والتحت .. 
  • وعليه كان للإنسان اتجاهان لا سلطان للشيطان عليهما : أما الجهة العليا (الفوق) فهو طريق صلة العبد بربه من خلال العبادة والذكر والدعاء ، يقول الحق تبارك وتعالى﴿ .. إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ .. (10)  فاطر .. ولذلك كانت النِّيَّة سرًا بين العبد وربه ؛ لا يطلع عليه مَلَكٌ فيكتبها ، ولا شيطان فيفسدها .. فإذا حافظ الإنسان على صدق نِيَّتِه ، وطيب كلامه ، وحسن عبادته تمسَّك بالعروة الوثقى التى لا انفصام لها .. وأما الجهة السُّفْلى (التحت) فهو طريق نظر العبد إلى نفسه ومَنْشَئِهِ ومَرجعه .. فيعلم أنه خُلق من التراب وإلى التراب يعود وأن كل ما فوق التراب تراب مصداقا لقول الله عزَّ وجلَّ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ (55)  طه . 
  • فإن أدام الإنسان النظر إلى ما تحت قدميه هان فى عينيه كل ما كان يُعظمه من زخارف الدنيا وغرورها ..  وقد بين لنا النبى  مكان ذلك العدو اللدود بقوله : " إِنَّ الشَّيْطانَ يَجْرِى مِن ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ مِن العُرُوقِ " .  رواه البخارى ومسلم عن صفية (رضى الله عنها) .
  • لذا كان من الواجب على الإنسان أن يضيق مجارى الشيطان بالجوع .. ولقد رأى بعض العلماء أن الإفراط فى الطعام  يلهى العبد عن ذكر الله ويقوى الشهوات ويزيد من نهمها فتصبح أقوى أسلحة للشيطان .. وبدلا من أن تكون جنود للقلب إذا بها تنقلب عليه وتصبح عونًا عليه بعد أن كانت عونًا له .. وكلما استجاب لها القلب زادت مطالبها ؛ فيسعى الإنسان إلى المال والجاه والسلطان الذى يوفر لهذه الشهوات مطالبها .. وكما جاء فى الخبر : " مَا قَلَّ وكَفَى خَيْر مِمَّا كَثُرَ وأَلْهَى " . ووسوسة الشيطان لا تثمر ما لم تجد لها عونًا من الشهوات ، فبقدر ما تخرج الشهوات عن حد الإعتدال .. يزيد تسلط الشيطان على القلب .. وكلما ضعفت الشهوات سيطر عليها القلب وانصرف الشيطان بمجرد الإستعاذة .. 
  • يشير القرآن إلى الحالة الأولى بقوله عزَّ وجلَّ﴿ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ .. (19)  المجادلة .. ويشير إلى الحالة الثانية بقوله عزَّ وجلَّ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ (201)  الاعراف .. وبقوله﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا (65)  الإسراء . 
  • إذا معنى ذلك أن الإنسان إذا اتجه للتقوى والعبادة وسيطر على شهواته فلا سلطان للشيطان عليه ولا يملك إلا الوسوسة التى لا تخرج عن كونها خواطر سوء لا تجد لها صدى فى القلب فينصرف خاسئا بالإستعاذة .. أما إذا ترك لشهواته العنان فقد السيطرة عليها وأصبحت عونًا للشيطان عليه ووجدت وساوسه صدى فى قلبه ؛ فمال إليها وانساق وراءها ، وأصبح ممن قال الله فيهم﴿ .. نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19)  الحشر . 

                     ؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛