عالم المعرفة | ابن سينا والطب السيناوى (نبـذة تاريخيـة فى تطور صناعة الطب ونظرياته)
ابن سينا والطِّب السِّيناوى
نبـــذة تاريخيـــة
للكاتب أ.د .أحمد فؤاد باشا
أستاذ الفيزيا وتاريخ وفلسفة العلوم
نشأ الطب الفطرى عند الإنسان منذ القدم ، عندما كان يحتاج إلى معالجة الجروح والكسور التى تلحق به من جراء المعارك والمنازعات ، أو لكثرة تعرضه للوحوش المفترسة .. وكان طبيعيًا أن تتطور صناعة الطب ونظرياته مواكبة تطور العقل البشرى عبر عصور التاريخ البشرى الطويل .. فقد بلغت بعض فروع الطب ، خاصة فى مجال الجراحة والتشريح والتحنيط ، منزلة رفيعة عند المصريين القدماء .
ويدل على ذلك آثار عمليات جراحية فى الأطراف والصدر والجمجمة تظهر فى هياكلهم العظمية ومومياءاتهم الباقية ، وتوجد برديات تؤكد براعتهم فى مجالات عديدة ، وتحتوى على شرح الكثير من الوصفات الطبية والإشارة إلى بعض الأمراض ، واقتبست الأجيال المتعاقبة طب المصريين ، بما فيه من وسائل العلاج بالسِّحر والشعْوَذة التى لا يزال أثرها باقيًا حتى الآن .
وفى بلاد ما بين النهرين نظمت صناعة الطب فى لوحة حمورابى التى حددت مسئولية الأطباء الإنسانية نحو مرضاهم ، كما اكتشفت لوحات تحوى العديد من الوصفات الطبية التى كانت سائدة عند البابليين والآشوريين .
وفى الشرق الأقصى كان الصينيون يعتمدون على العقاقير الطبية والوسائل الطبيعية ، وينسب إليهم السبق إلى دراسة خواص شجرة الأفيدرا واستخلاص مادة الافيدرين التى تستخدم فى أغراض طبية عديدة ، أمَّا الهنود فكانوا يفضلون الوقاية من المرض أو المداواة بالوسائل الطبيعية ، واعتمدوا على رياضة اليوجا فى المحافظة على صحة البدن والتغلب على بعض الأمراض .
وفى اليونان يعتبر أبقراط (460 ــ 365 ق .م) أول من علَّم الطب ونشره على الناس حتى لا تنقرض صناعته . وقد أفاد الطب اليونانى من الحضارات السابقة ، وكان يأخذ بنظرية الطبائع الأربع فى الجسم ، وهى : البرودة والحرارة واليبوسة والرطوبة ، ويمثلها الأخلاط الأربعة : البلغم والدم والسوداء والصفراء ، التى تناظر العناصر (الإستقصات) الأربعة : الماء والهواء والتراب والنار ، فالجسم يكون صحيحًا إذا كان امتزاج العناصر محكمًا فى الكيفية والكمية .
أما إذا زاد أحد العناصر أو نقص ، أو امتنع عن الإمتزاج بالعناصر الأخرى ، فإن الصحة عندئذ تنحرف ويحدث المرض ، ولا يزال " عهد أبقراط " الذى كان يأخذه على تلاميذه قبل أن يبوح لهم بأسرار التطبيب هو مضمون القسم الذى يؤديه الأطباء بعد تخرجهم من كليات الطب الحديثة .
وتقضى نظرية الأخلاط الأربعة The four humours theory باعتبار بأن أكبر عملية تحدث فى الجسم ، إنما هى تحويل المواد التى فى الغذاء إلى مواد حيوية تصلح لتغذية الأعضاء ، كل على حسب تركيبه ، وتبدأ عملية تحويل الغذاء بهضمه فى المعدة والأمعاء ، فتصعد الأبخرة إلى أعلى ويهبط الثفل إلى أسفل ، أما ما يصلح للغذاء فيمتص وينتقل بواسطة العروق إلى الكبد فتحوله إلى " دم " وتحول جزءًا منه إلى " الصفراء " ، وينتقل جزء آخر إلى الطحال فتتكون منه " السوداء " ، وأما الذى يذهب إلى المعدة والرئة فيتحول إلى " بلغم " .
وهذه هى السوائل أو الأخلاط الأربعة ، وهى أساس تصور القدماء لوظائف الجسم ومزاج الأعضاء ، فالدم له خواص الهواء " الحار الرطب " ، والصفراء لها خواص النار " الحارة الجافة " ، والبلغم له صفات الماء " البارد الرطب " ، وإفراز الطحال من السوداء له خواص التراب " البارد الجاف " .
وكان جوهر هذا التصور للعمليات الحيوية أنها عمليات طبخ ، حيث تعمل الحرارة الطبيعية فى المواد التى امتصها الدم على إنضاج هذه المواد ، فإذا تم النضج أصبحت صالحة لغذاء الأعضاء ، كل على حسب ما يناسبه ، أما إذا لم تنضج هذه المواد ، فإن العضو يعجز عن الإغتذاء بها ، وإذا زاد نضجها وقع له ما يشبه الإحتراق فيصيب الأعضاء منها الضرر .
وإذا كان القدماء قد ظنوا أن فساد الأخلاط ، أى السوائل الكامنة فى الأعضاء والمحيطة بها والخارجة منها ، وهو الذى يحدث المرض ويفسد المزاج الذى ينعكس فى السلوك والتصرفات والصفات النفسية ، فإن علماء الطب الحديث ، من ناحية أخرى ، يرون أن الأمراض التى تصيب الأعضاء هى التى تُحدث فساد الأخلاط ، ويكون الأمران متلازمان فى أغلب الأحوال .
والواقع أن مزاج العضو ليس إلا قدرته على أداء وظيفته ، فإذا قيل عن عضو أنه أصابه سوء مزاج ، فمعنى ذلك أنه فى حالة لا يؤدى فيها وظيفته على الوجه الصحيح ، ولمَّا كانت الأعراض وفساد الإفرازات والعجز عن أداء الوظيفة ، كلها أمور متلازمة ، بحيث لا يمكن تحديد أيها يكون سببًا وأيها يكون نتيجة ، فإننا نجد أن هذا الفرق فى الواقع ليس بالغ الأهمية ، والنظر إلى مزاج كل عضو على أنه قدرته على أداء وظيفته ، وإلى فساد الأخلاط على أنه فساد تركيب السوائل والإفرازات التى تتعلق بهذا العضو ، يمكن أن يساعد كثيرًا على فهم وتوضيح مسائل عديدة غامضة فى الطب القديم .
أما جالينوس (201 ــ 130 ق.م) فيرجع إليه الفضل فى جعل الطب عِلمًا تجريبيًا مبنيًا على أسس عقلية ، وكان يعالج كل مريض بالطريقة التى تناسبه ، طبقا لما يستنتجه من فحص نبضه وبوله ، لكنه تكلم فى ذلك ــ كما ذكر بن سينا ــ من جهة أنه فيلسوف لا من جهة أنه طبيب .
وعند الفرس والرومان كان الطب خليطًا من الطب المصرى والطب الهندى والطب اليونانى ، وأهم ما اشتهر به الرومان كانت عملية الولادة عن طريق شق البطن ، والمعروفة باسم " العملية القيصرية " ، نسبة إلى يوليوس قيصر إمبراطور الروم (110 ــ 44 ق.م) الذى ماتت أمه أثناء ولادته فشقوا بطنها وأخرجوه جنينًا من رحمها ، وأصبح لقب قيصر الروم يُطلق على كل إمبراطور يأتى بعده ، أمَّا أول مدرسة للطب فقد أُنشئت فى " الرها " فى عام 272 م ، ثم أنشئت بعد ذلك مدرسة للطب فى مدينة جنديسابور ، وألحق بها بيمارستان (مستشفى) كبير حصل على شهرة واسعة .
وفى الجاهلية كان العرب يعتمدون على الكهانة والعرَّافة والكى بالنار ، نصائح العجائز والخبرة المتوارثة ببعض الأمراض ، واستفاد بعض أطباء الجاهلية من أسفارهم إلى الشعوب المجاورة .
وبظهور الإسلام ونزول القرآن الكريم نشأ ضرب جديد من الطب يعرف بالطب الإسلامى ، ويعنى بالكشف عن أسرار القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة فى العلاج والشفاء ، وكان لتعاليم الإسلام الحنيف أكبر الأثر فى إيقاظ العقول وتحريرها ، ورفع من قدر العلم والعلماء ، وكان طبيعيًا أن تبدأ النهضة العلمية فى العصر الإسلامى بنقل معارف السابقين ، وسرعان ما حَلَّقَ العقل الإسلامى فى سماء المعرفة الرفيعة ، وبلغ التأليف بعد ذلك قمته كمًا وكيفًا بفضل عدد كبير من المبرزين فى العلوم المختلفة ، بما فيها علم الطب والصيدلة ، ومن أمثال : جالينوس العرب أبى بكر الرازى ، وعميد الجراحة العربية أبى القاسم الزهراوى ، وأرسطو الإسلام وأبقراطه الشيخ الرئيس ابن سينا ، وغيرهم .
حياة ابن سينا وفلسفته ومنهجه فى الطب
هو أبو على الحسين بن عبد الله بن سينا الملقب بالشيخ الرئيس ، والمعلم الثالث للإنسانية بعد أرسطو والفارابى ، ولد فى قرية أفشنة من ضياع بخارى عام (371هجرية ــ 980م) ، وعاش حياة حافلة فى فترة من أزهى الفترات فى عصر الحضارة العربية الإسلامية حتى توفى فى همذان عام (428هجرية ــ 1037م) جمع بين مختلف العلوم ، فبرع فى الفلسفة والطب والرياضيات والفلك ، وألف بالعربية ، وأحيانا بالفارسية .
حفظ القرآن الكريم وهو دون العاشرة من عمره ، وتعلم اللغة على أبى بكر أحمد بن محمد البرقى الخوارزمى ، وتعلم الفقه على إسماعيل الزاهد ، واشتغل الحسين بالسياسة واستوزره شمس الدولة ، وعرف بالشيخ الرئيس .
ومؤلفات ابن سينا بصفة عامة تمتاز بالدقة والتعمق والسلاسة وحسن الترتيب وهى كثيرة ومتنوعة ، ولكن أشهرها على الإطلاق هو كتاب " القانون " فى الطب ، وكان يقول لتلاميذه عن تحصيله لعلم الطب : " ثم رغبت فى علم الطب وصرت أقرأ الكتب المصنفة فيه ، وعلم الطب ليس من العلوم الصعبة فلا جرم أنى برزت فيه فى أقل مدة حتى بدأ فضلاء الطب يقرأون علىّ علم الطب ، وتعهدت المرضى فانفتح علىّ من أبواب المعالجات المقتسبة من التجربة ما لا يوصف ، وأنا مع ذلك أختلف إلى الفقه وأناظر فيه ، وأنا فى هذا الوقت من أبناء ست عشرة سنة .." .
ويؤخذ من هذا النص أن ابن سينا كان يفضل الفلسفة والرياضيات لأنه يشعر فى دراستها بكل قواه ، ويستغرق بها جهد ملكاته ، فيلذ له مراسها ، ويستمتع بها من غيرها ، وهو أيضًا يشتغل بالطب ، فلا يستغرق جهده كله فيه ، لأنه يفرغ له جانب الملاحظة وجانب الذاكرة من تفكيره ، ويستهله من أجل ذلك ، وليس هو بالسهل على سواه ، وعالج ابن سينا أمير بخارى وهو فى السابعة عشرة من عمره ، وكان ــ على حد قوله ــ يحب الحياة عريضة قصيرة ، ولا يحبها ضيقة طويلة !!!
وجاء عن " جابر" عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لكل داء دواء ، فإذا أصيب دوا الداء برأ بإذن الله عزَّ وجلَّ " صحيح مسلم ــ كتاب السلام ــ باب لكل داء دواء .
وانطلاقًا من هذه المُسلَّمة الإيمانية اتخذ أطباء المسلمين منهجًا علميًا واضحًا يعتمد فى العلاج بصفة عامة على أثر التغذية فى الأسقام والإبراء ، وكان كثيرًا ما يُفضل أن تكون الأدوية من جنس الأغذية ، إعتقادًا بأن الأُمَّة ، أو الطائفة ، التى غالب أغذيتها من الأطعمة البسيطة المفردة تكون أمراضها قليلة ، ويعتمد طِبَّها على المفردات ، فأهل المدن الذين غلبت عليهم الأغذية المركبة يحتاجون إلى الأدوية المركبة ، لأن أمراضهم فى الغالب مركبة ، بينما تكفى الأدوية المفردة لعلاج أهل الصحارى والبوادى لأن أمراضهم مفردة .
وتظهر هذه الفلسفة الإيمانية واضحة جلية عند ابن سينا فى تعبيرات عديدة ورد ذكرها فى كتاب القانون معبرة عن المبدأ الأساسى المُتَمثل فى أن الأشياء كلها ، على تفاوت ذواتها ودرجاتها ، تستند إلى المصدر الأول للوجود وهو " واجب الوجود " لله تعالى ، وأن استظهار مناهضة الطبيعة للمرض ، بحسب اختيار الوقت واعتبار الحال ، يكون " بإذن الله تعالى " وأن القوة الطبيعية المولدة فى الإنسان " هى التى يصدر عنها بإذن خالقها تخطيط الأعضاء وتشكيلاتها وتجويفاتها .. "
ويتضح من التراث الطبى للحضارة العربية الإسلامية أن المنهج التجريبى فى أدق تفاصيله المعروفة لنا حاليًا كان هو أسلوب الأطباء العرب والمسلمين فى ممارسة الطب وتدريسه ودراسته ، وينقسم الأطباء من هذه الزاوية فى رأى مؤرخ العلم المعاصر جورج سارتون إلى فريقين :
الفريق الأول : مجموعة الممارسين الذين اهتموا فى المقام الأول بالمرض والتشخيص والعلاج معتمدين على المشاهدات والملاحظات ، والفلسفة عندهم وسيلة لبلوغ هذه الغاية ، ويمثل هذه المجموعة أبو بكر الرازى الطبيب الفيلسوف .
الفريق الثانى : هو فريق المدرسيين الذين درسوا الطب على أنه جزء من المعرفة لا غنى عنه ، وسعيهم إلى إكتمال المعرفة هو الذى دفعهم إلى الطب وممارسته بأسلوب منطقى ، ولهذا أطلق عليهم الفلاسفة الأطباء ، ويمثلهم ابن سينا ، وجلىّ أن كلا الفريقين يتبع المنهج التجريبى ويعتمد عليه بصرف النظر عن أنه غاية أو وسيلة فالتقدم نحو إدراك الحقيقة أو الإقتراب منها لا يتحقق إلا بالتجربة العملية .
وكان لهذا الإتجاه التجريبى أثره البالغ فى محاربة الشعوذة ومكافحة المشعوذين وتجار الطب الذين كانوا يدَّعون معرفة المرض والتنبؤ بمستقبل المريض بمجرد النظر إلى بوله ، ويستعينون على ذلك بإرسال الجواسيس لاستكشاف أخبار مرضاهم البسطاء ، والتقاط أسرارهم ، حتى إذا ما جاء هؤلاء المرضى إليهم أسروا لهم بما عرفوه ، مُدَّعين أن البول فضّاح الأسرار .
ويؤكد ابن سينا على أهمية اتباع المنهج التجريبى والتريث قبل استخلاص النتائج ، فيقول : علينا ألا نثق بنتائج تحليل البول إلا إذا توافرت الشروط التالية : " أن يكون البول أول بول من المريض ، أى بول الصباح ، على ألا يكون المريض قد شرب ماء بكثرة ، أو أكل ما يمكنه تلوين بوله كالزعفران ، كذلك يجب على المريض ألا يقوم بحركات خاصة ، أو يتبع نظامًا على غير عاداته ، لأن كل هذا يؤثر كثيرًا فى تركيب البول ... والنتائج التى نصل إليها من تحليلنا للبول تعتمد على لونه وكثافته ومدى صفائه أو تعكره ، وعلى رائحته ورغوته ..." وعن الإستدلال على المرض من البراز يرى ابن سينا أن البراز يدل بلونه ومقداره وقوامه ورائحته ووقته .
من ناحية أخرى ، أشار ابن سينا إلى أهمية التجربة والقياس لتعرف قوى الأدوية ، وساق أمثلة تدل على أنه أجرى التجارب بنفسه ، وسجل أفعال الأدوية وخواصها فى جداول ــ سمَّاها ألواحًا ــ ، وافتنّ فى ملاحظة هذه الأفعال وارتباطها بالصفات ، وبحث فى أحكام تعرض الأدوية من الخارج وتغير كيانها ، مثل الطبخ والسحق والإحراق بالنار والغسل والإجماد فى البرد والوضع فى جوار أدوية أخرى ، والمزاج ، وطريقة التقاط الأدوية وادخارها . 🅪
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛