شخصيات إسلامية | المقريزى شاهد عصره وأحد المفكرين الموسوعيين
الــمـَـقـْـريــزى
شاهد عصره
د . قاسم عبده قاسم
هناك نفر من الناس يتركون بصمتهم على جبهة الزمان ، بحيث تبقى هذه البصمة مضيئة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، وهو خير الوارثين . ومن هؤلاء المؤرخ تقى الدين المقريزى الذى ولد بحارة برجوان فى القاهرة سنة 766 هجرية ــ 1364 ميلادية ، عاش حياة حافلة امتدت حوالى ثمانين عاما .
كان المقريزى تجسيدًا لنمط من المفكرين الموسوعيين الذين أنجبتهم الحضارة العربية الإسلامية ، فقد كان الرجل مؤرخًا عارفًا فاهمًا ، وكان من النمط الذى يمكن أن نسميه المؤرخ المتفرغ : ولا تعنى هذه التسمية أنه كان يتخذ من كتابة التاريخ مهنة يكسب منها عيشه ، فالواقع أن ظروف ذلك العصر لم تكن تتيح مثل هذا الترف لمن اتخذوا الكتابة مهنة لهم .
ذلك أن المؤرخ أو غيره من أصحاب الممارسات الثقافية كان بحاجة إلى مصدر رزق ثابت أو رعاية أحد السلاطين أو الحكام ، لكى يتمكن من الكتابة والعيش فى آن معًا ، ومن ناحية أخرى كان الكاتب يكتب مؤلفه بخطه أو يمليه على أحد الناسخين . وفى كل الأحوال لم يكن المؤلف يكتب لجمهور من القراء ، وإنما كان يكتب لجمهور من السامعين .
ذلك أن صعوبة إعداد النسخة الواحدة من جهة ، وارتفاع تكاليف الورق وأسعار النسخ ، لم يتح إنتاج عدد كبير من النسخ فى حياة المؤلف . وهو ما يعنى فى التحليل الأخير أن المؤرخ ــ وغيره من الكتاب ــ لم يكن قادرًا على اتخاذ مهنة الكتابة مصدرًا لرزقه . ومن هنا فإن المؤرخ المتفرغ هو الذى تفرغ للكتابة التاريخية لسبب أو لآخر .
والمقريزى قررالتفرغ للبحث والدراسة والتأليف بعد سنوات طويلة قضاها ما بين طلب العلم والدراسة ، والعمل فى الوظائف العامة فى الدولة المملوكية فى مصر والشام والرحلة إلى الحجاز والمجاورة فى مكة المكرمة ، والتدريس بمدارسها ، ثم الانقطاع للبحث وكتابة التاريخ ، حتى وافته المنية بحارة برجوان أيضا سنة 845 هجرية ــ 1442 ميلادية .
وتقى الدين أحمد بن على المقريزى نموذج فذ للعلماء والمفكرين الذين أنجبتهم الحضارة العربية الإسلامية ، إذ كان رجلاً موسوعى المعرفة غزير الإنتاج .
ويتمثل البناء المعرفى لمؤرخنا فى محاور ثلاثية أساسية : أولها تعليمه الذى شكل هذا البناء المعرفى ، وثانيها خبرته التى اكتسبها من الوظائف العامة التى تولاها ، وثالثها أنه كان شاهد عيان على أحوال دولة عظمى تنتقل إلى طور الأفول والتدهور ومحاولته تفسير ذلك .
فقد تلقى المقريزى العلوم والمعارف التى كان يتلقاها أبناء الشريحة الإجتماعية التى ينتمى إليها ، وهى شريحة تقف فى منتصف السلم الاجتماعى بين الحكام والرعية : فقد كان واحدا من أرباب الأقلام الذين احتاج إليهم أرباب السيوف فى إدارة شئون دولتهم .
درس المقريزى علوم القرآن الكريم وأصول الدين والفقه والتفسير ، فضلا عن علوم الحديث واللغة والأدب والحساب والتاريخ طبعا .
- معرفة موسوعية
وتكشف كتاباته عن أنه كان رجلا موسوعى المعرفة ، مُلمًا بمعظم علوم عصره : إذ قال عنه السخاوى "... كان مُلمًا بمذاهب أهل الكتاب ، حتى كان أفاضلهم يترددون عليه للإستفادة منه ... " . ومن ناحية أخرى تتلمذ المقريزى على يد عبد الرحمن ابن خلدون عندما جاء إلى القاهرة فى أواخر القرن الثامن الهجرى ــ الرابع عشر الميلادى ، وهناك عقد ابن خلدون حلقاته الدراسية التى طرح فيها آراءه وأفكاره حول التاريخ ، والتى جمعها فى مقدمته الشهيرة .
لقد تأثر المقريزى بأراء ابن خلدون ، ووصفه بأنه أستاذه ، ويتضح هذا التاثير فى كتابات مؤرخنا التى تعلو فيها النغمة الاقتصادية والاجتماعية ، كما تتجلى فيها الرؤية التحليلية الناقدة للأحداث التاريخية .
أما الخبرة التى اكتسبها المقريزى بفضل الوظائف التى تلقاها فى مصر وبلاد الشام والحجاز ، فتشكل المحور العملى من محاور بنائه المعرفى . فقد عمل الرجل فى ديوان الإنشاء الذى كان يشبه وزارة الخارجية فى عصرنا الحالى ، كما عمل بالتدريس فى القاهرة ، وفى مكة المكرمة ، وتولى القضاء وتولى وظيفة الحسبة التى كان لصاحبها الإشراف على الأسواق العامة ، وعلى الحمامات ، والموازين والمكاييل ، والنظافة والآداب العامة ... وغيرها من شئون الحياة اليومية فى المجتمع ، وهو ما سهل له التعرف على طبيعة الحياة الإقتصادية والإجتماعية والثقافية ، وأسعار السوق ومشكلاته ، وطبيعة النظام القضائى والمشكلات القانونية التى كان الناس يواجهونها .
وتحت وطأة الظروف المعاكسة رأى المقريزى أن يتفرغ لتأمل أحداث عصره ، وأن ينصرف عن المناصب والوظائف الحكومية ، ويكرس نفسه للكتابة التاريخية فى زمن كان يشهد أفول دولة وذبول حضارة ، ومغيب شمس ثقافة . فها هو النظام الإقطاعى العسكرى ، الذى قامت عليه الدولة المملوكية يتداعى ، وهاهى القاهرة تترنح تحت وطأة الظلم السياسى ، والخراب الإقتصادى والتراجع الثقافى .
ولم يتبقى من الممارسات الفكرية والثقافية سوى لملمة الذات وتجميع التراث فى موسوعات وقواميس ، وليس هناك إبداع جديد : ولكن هناك عملية إعادة إنتاج مشوهة لما أبدعه العلماء المسلمون من أبناء الأجيال السابقة على شكل مختصرات موجزة ، وكان على المقريزى أن يكون شاهد عيان على زمن التراجع والأفول ، وإن كان هو نفسه رمزًا لعظمة الثقافة العربية الإسلامية .
لقد قال أستاذنا الدكتور محمد مصطفى زيادة إن المقريزى " ... عميد المؤرخين السالفين جميعًا من ابن عبد الحكم إلى الجبرتى ... " والواقع أن مؤلفات هذا المؤرخ الفذ من جهة ، وفكرة التاريخ عنده من جهة ثانية ، ورؤيته التحليلية للظواهر التاريخية ، ومنهجه فى الكتابة التاريخية من جهة ثالثة ، تجعله جديرًا بهذه المكانة حقًا .
كان مؤرخًا موهوبًا ، ومفكرًا فذًا لاذعًا فى تعليقاته على أحوال البلاد والعباد فى ذلك الزمان . كما كان على وعى كامل بما طرحه ابن خلدون من أفكار فى فلسفة التاريخ ، وقد تمكن المقريزى من تطبيق آراء ابن خلدون على نحو لم يستطع ابن خلدون نفسه أن يفعله .
ترك المقريزى حوالى مائة كتاب من مؤلفاته ، تنوعت ما بين الكتب التاريخية الشاملة ، وكتب البلدان والخطط ، والكتب التى خصصها لدراسة دولة بعينها ، والرسائل ذات الموضوع الواحد ، وكتب التاريخ الإسلامى العام .
بيد أن أهم كتب المقريزى هو كتاب " المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار " المشهور بعنوان " الخطط المقريزية " ، وقد ألفه المقريزى بدافع من حبه لمصر حسبما قال فى مقدمة هذا الكتاب الفذ ــ ووصفها بأنها منشأ صباه وملعب أترابه . وفى صفحات الخطط نجد التاريخ والموروث الشعبى ، إلى جانب الجغرافيا وعلم السكان والديانات فضلا عن الأنثروبولوجى ...... وما إلى ذلك .
- القراءة الواعية للتاريخ
ومن هذا السفر الرائع ، خرجت بقية كتب المقريزى لتؤرخ للفتح الإسلامى لمصر ، ولتؤرخ فى الوقت نفسه لتاريخ العالم العربى والإسلامى منذ حركة الفتوح الإسلامية ، حتى منتصف القرن التاسع الهجرى ــ الرابع عشر الميلادى . فقد كتب هذا المؤرخ الذى أدرك أهمية القراءة الواعية لتاريخ الأمة مؤلفات عدة ، مازال البحث التاريخى المعاصر يعتمد عليها .
كتب المقريزى عن الرسول ﷺ وبيته ، وكتب عن " النزاع والتخاصم فيما بين بنى أمية وبنى هاشم " ، وكتب عن الدول الإسلامية فى القرن الإفريقى " الإلمام بمن بأرض الحبشة من ملوك الإسلام " ، وكتب عن الأوبئة والمجاعات ، وتأثير الحكم الفاسد على الأحوال الإقتصادية والإجتماعية .
وقدم المقريزى تاريخا فريدًا للدولة الفاطمية وحكمها فى مصر والشام ، كما حدثنا فى كتابه العمدة " السلوك لمعرفة دول الملوك " ، عن تاريخ المنطقة العربية ، فى لحظة فارقة من تاريخ الحضارة العربية الإسلامية ، وهو مصدر مهم من مصادر تاريخ الحروب الصليبية ، وتاريخ الغزو المغولى وهزيمة المغول فى " عين جالوت " ، ثم تحول الجيل الثانى من هذه الأقوام الغازية التى أرعبت العالم إلى الإسلام ، وشيدوا حضارة زاهية لاتزال شواهدها المادية واللامادية ماثلة إلى اليوم فى شبه القارة الهندية .
على أن أهم ما يميز المقريزى عن معاصريه ، وعمن جاءوا بعده ، هو منهجه فى عرض الأحداث التاريخية ، وقدرته التحليلية الرائعة : فقد وصف لنا الحوادث التى عاصرها بعبارة حية ، وأسلوب بديع زاده جمالا إدراكه للعلاقة السببية بين الظواهر التاريخية .
فقد كانت ملاحظاته الذكية على الحياة اليومية فى القاهرة زمن سلاطين المماليك ، وموقفه المنحاز إلى الناس ــ صناع الحياة الحقيقيين ــ سابقة بعدة قرون على ما نسميه اليوم التاريخ الإجتماعى .
لقد كان المقريزى مثالا متكررًا للمُثقف الموسوعى الذى أنجبت الحضارة العربية الإسلامية المئات من أمثاله .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛