قضايا عامة | مسئولية العلماء وأمانة العلم التى استودعها الله لدى العلماء

مسئـوليـة العـلمـــــاء

 لفضيلة الشيخ/ فوزى فاضل الزفزاف

عضو مجمع البحوث الإسلامية

العلم أمانة استودعها الله لدى العلماء الذين اصطفاهم من خلقه ، وكرَّمهم بحملها ، ونوه بقدرهم ومكانتهم ومنزلتهم ، وأشاد القرآن الكريم بهم فى كثير من سوره مبينًا وموضحًا صور تفضيلهم .. فتارة يحكم بنفى التسوية بينهم وبين غيرهم ، فيقول سبحانه وتعالى :﴿ .قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ .. (9)  الزمر . 

فقد نفى ــ سبحانه وتعالى ــ المساواة بين العالم والجاهل ، فلا يستوى عند الله العلماء الذين يعلمون بمقتضى علمهم ، والذين لا يعلمون ويعملون بمقتضى جهلهم .. 

وتارة يقصر خشية الله على العلماء ، فيقول ــ جلَّ شأنه ــ : ﴿ .. إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ .. (28)  فاطر . 

أى : إنما يخاف الله ويخشاه العالمون بما يليق بذاته وصفاته من تقديس وطاعة ، وإخلاص فى العبادة ، وإدراك وفهم لما يحيط بهم من أسرار خلق الله فى كونه ، واستيعاب وتحصيل علوم الدين والدنيا ، والعمل فى طاعة الله بمقتضاها .. وكفى بهذه الآية الكريمة مدحًا للعلماء ، حيث قصر ــ سبحانه وتعالى ــ خشية الله والخوف منه على العلماء .. وتارة يقصر الفهم السليم ، والإدراك العميق لمعانى آيات القرآن الكريم ، وفهم المقاصد والغايات والأهداف من الأمثلة التى يضربها فى القرآن الكريم على العلماء ، فيقول عزَّ وجلَّ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43)  العنكبوت . 

فقد ساق القرآن الكريم أمثلة كثيرة ومتنوعة فى آيات سوره على سبيل التوضيح والإرشاد ، والتنبيه والتحذير ، والترغيب والترهيب .. غير أنه لا يعقل هذه الأمثال ، ويفهم معانيها ومقاصدها ، والهدف والغاية من ضربها إلا الراسخون فى العلم ، المتدبرون فى خلق الله ، الفاهمون لما يتلى عليهم .. وتارة يقصر توريث القرآن الكريم وما اشتمل عليه من عقائد وأحكام ، وعبادات ومعاملات ، وآداب وتوجيهات على الذين اصطفاهم من عباده ، فيقول ــ سبحانه﴿  ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ .. (32)  فاطر. أى أعطينا العلم لمن اخترناهم من عبادنا المؤمنين ، فهم مختارون من الخيار . 

وتارة يعظم العلماء ويشرفهم بأن يقرنهم باسم الله وملائكته ، يقول الله ــ تعالى﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ .. (18)  آل عمران . 

فبدأ ــ تعالى ــ بنفسه وثنى بملائكته وثلث بأولى العلم ... فهذا شرف عظيم للعلماء لا يدانيه شرف ، ودليل على فضل العلماء وعلى مكانتهم ومنزلتهم وقدرهم عند الله ، فلو كان يوجد أحد أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن العلماء الذين سخَّروا ما أعطاهم الله من علوم ومعارف فى خدمة دينهم وعقيدتهم ، وفيما ينفعهم وينفع غيرهم ، وأخلصوا لله فى عبادتهم ، وصدقوا فى أقوالهم وأفعالهم ، فاستحقوا أن ينالوا هذا الشرف العظيم .. 

إذن فمسئولية العلماء كبيرة ، فهم مأمورون بحفظ هذه الأمانة وأدائها بنشر العلم وتعليم الناس ، وتبصيرهم بأمور دينهم ودنياهم ، وحثهم على عمل ما ينفعهم فى الدنيا والآخرة ، ولن تؤدى هذه المسئولية على وجهها الصحيح إلا إذا كان العلماء قدوة حسنة فيما يأمرون به وفيما ينهون عنه .. وجزاؤهم عند الله كبير فى حالة قيامهم بأداء واجباتهم بإخلاص لله من غير كبر ولا غرور ولا نفاق ولا رياء ، ولا تطلعًا لشهرة ، ولا جريًا وراء الحكام للحصول على منصب أو جاه ، ولا إراقة لماء وجوههم لتحصيل كسب مادى .

عن أبى أمامة الباهلى قال : ذكر لرسول الله  رجلان : أحدهما عابد والآخر عالم ، فقال رسول الله  : " فضل العالم على العابد كفضلى على أدناكم ، ثم قال  : إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة فى جحرها وحتى الحوت ليصلون على مُعلم الناس الخير " .

وعن ابن عباس عن النبى  قال : " فقيه أشد على الشيطان من ألف عابد " وعن عثمان (رضى الله عنه) عن النبى  قال : " يشفع يوم القيامة ثلاثة : الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء " . 

وقال رسول الله  : " يقول الله عزَّ وجلَّ للعلماء يوم القيامة إذا قعد على كرسيه لفصل عباده : إنى لم أجعل علمى وحلمى فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم ما كان فيكم ولا أبالى " . 

وللبيهقى : يبعث العالم والعابد ، فيقال للعابد : " ادخل الجنة ، ويقال للعالم : اثبت حتى تشفع للناس بما أحسنت أدبهم " . 

ومن سمات العلماء العاملين الذين يتقون الله ويخشونه ، ويؤدون أمانة العلم التى أئتمنهم الله عليها ، أنهم يقدمون النصيحة والموعظة إلى الحكام ولا يخافونهم  ، ولا يخشون فى قول الحق لومة لائم .. 

دخل ابن السمَّاك يومًا على الرشيد ، فلما وقف بين يديه قال له الرشيد : عظنى يا بن السماك وأوجز ، قال ابن السماك : كفا بالقرآن واعظًا يا أمير المؤمنين ، قال الله ــ تعالى ــ :  بسم الله الرحمن الرحيم : ﴿  وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)  المطففين .  هذا يا أمير المؤمنين وعيد لمن طفف فى الكيل ، فما ظنك بمن أخذه كله ! ! 

لقى أبو جعفر سفيان الثورى فى الطواف ــ وسليمان لا يعرفه ــ فضرب بيده على عاتقه ، وقال : أتعرفنى ؟ قال : لا ، ولكنك قبضت علىّ قبضة جبار ، قال : عظنى أبا عبد الله ، قال : وما عملت فيما علمت فأعظك فيما جهلت ؟ قال : فما يمنعك أن تأتينا ؟ قال : إن الله نهى عنكم فقال ــ تعالى ــ : ﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ .. (113)  هود . فمسح أبو جعفر يده ثم التفت إلى أصحابه فقال : ألقينا الحب إلى العلماء فلقطوا إلا ما كان من سفيان فإنه أعيانًا فرارًا . 

هذه هى مكانة العلماء العاملين الذين يقدرون مسئوليتهم فيؤدون أمانة العلم ، ولا يخشون أحدا إلا الله

أما إذا قصر العلماء فى أداء واجباتهم ، وخانوا الأمانة التى أئتمنهم الله عليها ، واشتروا الدنيا بالآخرة ، وتملكهم الكبر والغرور ، ونسوا فضل الله عليهم فحجبوا علمهم عن الناس ، أو استعملوه فى غير ما يرضى الله ، أو تملقوا الحاكم ونافقوا السلطان ، وأهدروا كرامة العلم والعلماء جريًا وراء تعيينهم فى مناصب دنيوية زائلة ، وغرتهم الدنيا فوقعوا أسرى فى زينتها وشهواتها .. فإن حسابهم ــ فى تلك الحالة ــ عند الله عسير ، وجزاؤهم فى الآخرة النار وبئس المصير .. يقول الله ــ تعالى ــ : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187)  آل عمران . 

وعن أبى هريرة (رضى الله عنه) عن النبى  قال : " من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة " ، وعن كعب بن مالك عن النبى  قال : " من طلب العلم ليجارى به العلماء ، أو ليمارى به السفهاء ، أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار " ، وعن أبى هريرة (رضى الله عنه) عن النبى  قال : " من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة " . 

وذكر عبد الرحمن بن عفان قال : سمعت الفضيل بن عياض يقول : ما أقبح بالعالم يؤتى إلى منزله فيقال : أين العالم ؟ فيقال : عند الأمير ، أين العالم ؟ فيقال : عند القاضى ، وما للعالم وما للقاضى ، وما للعالم وما للأمير ؟ ينبغى للعالم أن يكون فى مسجده يقرأ فى مصحفه . 

أما العلماء الحافظون لأمانة العلم ، والمؤدون حقها كما أمر الله ، العاملون بعلمهم ، المخلصون فى أداء رسالتهم ، المتعففون عن جاه ومناصب الحكام ، الزاهدون فى تواضع فلا تغرنهم الحياة الدنيا بزينتها ومفاتنها .. فهنيئًا لهم بما يدخره الله لهم من ثواب ، وما يجازيهم به من حسنات ..  🅪

؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛