طب وعلوم | هل انتهى دور المضادات الحيوية فى السيطرة على سلالات من الميكروبات
هـل انتـهى دور
المضـادات الحيـويـة
إشراف : الدكتور محمد المخزنجى
علماء مكافحة ومنع الأوبئة فى الولايات المتحدة لا تنقصهم الشجاعة ،
فهم يتعاملون بانتظام مع البكتيريا والفيروسات التى تسبب أمراض
الإيدز والجدرى وحمى "إيولا" وغيرها من الأمراض التى لم يُعرف لها
علاج بعد ، ولكن هناك اختبارًا واحدًا لا يقومون به ، وهو محاولة التعامل
مع الحامض النـــــووى "D.N.A" الدائم التغيير للجراثيم
العنقودية "staphylococcus" تلك التى تعيش فى جلد وأنف
حوالى نصف سكان الأرض .
هذه الجرثومة يمكن أن تسبب تسمم الدم ، والسبب الذى يجعل الباحثين لا يلتفتون كثيرًا لها أن العديد من أنواعها لا تستجيب إلا لنوع واحد من المضادات الحيوية ، وإذا استطاعت الجرثومة أن تكتسب القدرة على مقاومة هذا الدواء الوحيد فسوف تقتل عشرات الألوف من الأشخاص كل شهر .
وقد أعلن الدكتور "الكسندر توماسز" من جامعة "روشفيللر" محذرًا أن أعداد الجراثيم التى تكتسب المناعة ضد المضادات الحيوية تزداد كل يوم ، والنتيجة أننا نقف فى مواجهة ما يمكن أن نطلق عليه كارثة طبية ، وليس من الصعب أن نتبين السبب ، فقبل أن يكتشف "الكسندر فيلمينج" فى عام 1928 وجود مادة تفرزها مستعمرات الفطر المسببة للعفن فى أطباقه المعملية وهى قادرة على قتل الجراثيم ، كانت الأمراض المُعدية مثل تسمم الدم والالتهاب السحائى والالتهاب الرئوى والسل وتسمم الأغذية تقتل الملايين من الناس كل عام .
ومع " البنسلين " الذى اكتشفه "فيلمينج" ومشتقاته بدا أننا قد حصلنا على الدواء المعجزة ، ولكن هذه لم تكن نهاية الصراع مع الجراثيم المسببة للأمراض ، ففى مقابل العديد من هذه الجراثيم التى كان " البنسلين " يقضى عليها كانت هناك تجمعات صغيرة تكتسب القدرة على المقاومة ، وأخذت هذه التجمعات تتكاثر بالبلايين والترليونات وتورث القدرة على المقاومة لذريتها ، بل واستطاعت أن تنقل هذه القدرة إلى أنواع أخرى من الجراثيم بواسطة المورثات " الجينات " عن طريق أجزاء من الحامض النووى تسمى البلازميدات .
هذه الأنواع المشتقة قتلت حوالى 19 ألفًا من نزلاء المستشفيات فى الولايات المتحدة عام 1990 ، وكانت سببًا غير مباشر فى قتل 85 ألفا آخرين فى عام 1992 ، وعلى حد تعبير أحد علماء الوبائيات : " إن العديد من الأمراض التى كنَّا نظن أننا قد فرضنا سيطرتنا عليها قد عادت بقوة من جديد " .
بل إن الميكروب الواحد صار مقاوماً لأكثر من مضاد حيوى فى نفس الوقت ، وعلى سبيل المثال فإن سلالات من ميكروب المكور الرئوى " Pneumococcus " الذى يمكن أن يسبب التهاب الأذن والالتهاب السحائى والالتهاب الرئوى وتلوث الدم قد غدت مقاومة " للبنسلين " ولأربعة مضادات حيوية أخرى خلال السنوات الست الأخيرة وحدها ، كما أن حوالى 20% من اصابات السل أصبحت تقاوم العلاج بعقار " الإيزونيازيد " الذى كان علاجًا فعالًا فى السابق ، كما أن جرثومة مرض السيلان أصبحت قادرة على مقاومة البنسلين .
والأخطر من ذلك ما كشف عنه الباحثون الريطانيون أخيراً ويتمثل فى أن ميكربًا من نوع Enterococcus يمكن أن ينقل مقاومة عقار " الفانكوميسين " إلى ميكروب المكور العنقودى الذى لا تتأثر نصف سلالاته إلا بهذا العقار ، وإذا عرفنا أن هذين الميكروبين يلتقيان يوميًا على ضمادات الرءوس وملاءات أسرة المستشفيات ، فإن احتمال اكتساب المكور العنقودى لهذه المقاومة يعد احتمالا ممكنًا مما قد تتسبب عنه كارثة حقيقية على مستوى الصحة العامة .
" إنه كابوس صحى " فى هذه العبارة يلخص عالم الوبائيات الأمريكى "روبرت جاينز" ما يحدث للمضادات الحيوية ، ولقد ساهم الجميع فى صناعة هذا الكابوس ، فقد بالغ الأطباء فى وصفها ، وبالغ المرضى فى تعاطيها ، كما أن الإفراط فى استخدامها لعلاج الماشية فى مزارع التسمين ترك لنا سلالات من الميكروبات المقاومة للمضادات الحيوية فى اللبن واللحم ، فهل يمكن قهر هذه السلالات الجديدة من الميكروبات المنيعة ؟
إن الأمل يكمن فى تصنيع أمصال ولقاحات ضد هذه الميكروبات ، أو أن يستطيع العلماء حصارها واكتشاف أدوية جديدة تؤثر فيها ، والأمر فى حاجة إلى ميزانيات ضخمة ترصدها شركات الأدوية والحكومات لإزاحة هذا الكابوس ، وربما احتجنا أيضا إلى عودة فريق "فيلمينج" للعمل من جديد . 🅪
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛