التربية فى الإسلام | بـر الوالـديـن [ من أفضل الأعمال بعد الصلاة]

 بِـــرُّ الوالـــدَيـْــنِ


وهو الوفاء بحقِّهما .. فقد أَوْلياهُ من النِّعم : التسبُّب فى إيجاده ، وتربيته ، ورعايته ، والإنفاق عليه .. فكم سهرا لينام ! .. وكم جاعا ليشبع ! .. وكم تحمَّلا من الألم والقلق ليوفِّرا له الأمن والأمان .. وقد أمر الله سبحانه وتعالى بعبادته وتوحيده ، وجعل برَّ الوالدين مقرونًا بذلك فقال﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ ... (23)  الإسراء . 

كما قرن شُكرهما بشكره فقال﴿ .. أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)  لقمان .. وقد سُئل رسول الله  : أى الأعمال أحب إلى الله عزَّ وجلَّ ؟ قال : "الصلاةُ على وقْتِها" قال السائل ثُم أىُّ ؟ .. قال : "برُّ الوالدين" قال السائل : ثم أىُّ ؟ قال : "الجِهادُ فى سبيل الله" .. إذًا فبرُّ الوالدين هو من أفضل الأعمال بعد الصلاة التى هى أعظم دعائم الإسلام . 

ويُعتبر عُقوق الوالدين من أكبر الكبائر لقول الرسول  : "ألا أُنبِّئكُم بأكْبر الكبائِرِ ؟" ثلاثا .. قالوا : بَلى يا رسُول الله .. قال : "الشِّرك بالله ، وعُقُوق الوالدين" .. وكان مُتَّكئا فجلس ، وقال : "ألا وشهادةُ الزُّور" وأخذ يكررها .. وهذا الحديث مصداق لقول الحق تبارك وتعالى﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ ... (151)  الأنعام .. 

وقد نهى ربنا تبارك وتعالى عن قول كلمة (أُفّ) لهما ، وهى كلمة تَضجُّر ورفْض .. كما نهى عن نهْرهما ، وهو الزَّجرُ والغِلظة .. وما زاد عن كلمة (أُفّ) فهو فى النهى أشدّ .. كما نهى النبى  عن التسبُّب فى شَتْمهما ، ولو عن غير قصد ، وعدَّ ذلك من الكبائر فقال : "من الكبائر شتمُ الرَّجُل وَالديه" .. فقالوا يا رسول الله ، وهل يَشْتم الرجلُ والديه ؟! فقال : "نعم ، يَسبُّ أبا الرجل فيسبُّ أباهُ .. ويسبُّ أُمَّه ، فيسبُّ أُمَّه" .

وبِرُّ الوالدين : موافقتهما على أغراضهما .. والعُقُوق : مخالفتهما فى أغراضهما الجائزة لهما .. وعليه إذا أَمَر أحدهما بأمر وجبت الطاعة ، إذا لم يكن فى الأمر معصية لله : "لا طاعةَ لِمخلُوقٍ فى مَعْصية الخالق" .. وقد روى الترمذى عن عبد الله بن عمر (رضى الله عنهما) قال : كانت تحتى امرأةٌ أحبُّها ، وكان أبى يَكْرهها فأمرنى أن أُطلِّقها فَأَبيتُ .. فذكرتُ ذلك للنبى  فقال : "يا عبد الله طَلِّق امراتك ؛ فَطلَّقْتُها" . 

وقد رُوى أن رجلا جاء إلى رسول الله  يستأذنه فى الجهاد فقال : "أحىٌّ والداكَ ؟" قال : نعم .. قال : "فَفيهما فَجاهِدْ" .. كما جاء رجل إلى النبى  يبايعه على الهجرة ، وترك أبويه يبكيان فقال له : "ارْجعْ إليهما فأَضْحكْهُما كما أَبْكيتهُما" .. هذا وما ينطبق على الآباء والأمهات ينطبق على الأجداد والجدّات ، فهم أيضا آباء وأمهات .. ومهما فعل الإنسان من برِّ بوالديه لا يمكن أن يوفيهما حقهما ، أو يجزيهما عن إحسانهما إليه .. 

فقد قال النبى  : "لا يجزى ولدٌ والدًا إلا أن يَجدهُ مَمْلوكًا فيشتريه فيُعْتقَهُ" .. 

ولا ينتهى برُّ الوالدين بوافاتهما ؛ بل يستمر حتى بعد مماتهما ؛ فقد جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله  فقال : يا رسول الله ، هل بقى علىَّ من برِّ والدىَّ من بعد مَوْتهما شىءٌ أبِرُّهما به ؟ قال : " نعم .. الصلاةُ عليهما ، والإستغفارُ لهما ، وإنفاذُ عهدهما من بعدهما ، وإكرامُ صديقِهِمَا ، وصلةُ الرحم التى لا رحم لك إلا من قِبلهِمَا .. فهذا الذى بقى عليك" .. 

وبرُّ الوالدين فى الكِبر من أهم الطاعات والقُرُبات ، لأنهما فى هذه المرحلة أولى بالرِّعاية ، وأحق بالعناية .. والسعيد هو الذى يبادر باغتنام فرصة بِرِّهما لئلا تفوته بموتهما فيندم على ذلك .. والشقى من عقَّهما فقد قال النبى  : "رَغِمَ أَنْفهُ .. رَغم أنفهُ .. رَغم أنفهُ .. " قيل من يا رسول الله ؟ .. قال : "من أدرك والديه عند الكِبر أو أحدَهُما ، ثُم لم يدخُلِ الجنَّة " .

وكما أن بِرَّ الوالدين يدخل صاحبه الجنَّة ؛ فإنه يفيده فى الدنيا بأن يبرَّهُ أبناؤه لقول النبى  : "بِرُّوا آباءكم ؛ تبرُّكم أَبناؤُكم" .. وبرُّ الأُمِّ مقدم على برِّ الأب ، ومحبَّة الأم ، والشفقة عليها ينبغى أن تكون ثلاثة أمثال حبِّ الأب .. فقد تحملت : الحمل ، والولادة ، والإرضاع .. كما أن التربية تنفرد بها الأم دون الأب .. وقد جاء رجل إلى النبى  فقال : يا رسول الله ، من أحقُّ الناس بحُسن صحابتى ؟ قال : "أمُّك " قال : ثم من ؟ قال : "أمُّك " ، قال : ثم من ؟ قال : "أمُّك " ، قال : ثم من ؟ قال : "أبُوك " .

وقد ورد عن الإمام مالك أن رجلا استفتاه قائلا : إن أبى على سفر ، وأرسل يستدعينى وأنا مُقيمٌ مع أُمِّى ؛ فأَبَتْ عَلىَّ السفر ، وطلبت منى البقاء معها ، فأيَّهما أُطيعُ ؟! .. قال الإمام مالك : أَطعْ أباكَ ولا تَعص أُمَّكَ .. فخرج الرجل مُتحيِّرًا .  

وقد أمرنا ربنا تبارك وتعالى بخفض الجناح لهما ، والتذلل لهما ، والتحدث معهما بالكلام اللين اللطيف ، والدعاء لهما ، والترحُّم عليهما بقوله﴿ ... وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)  الإسراء .

فبر الوالدين من أهم الواجبات والفرائض ، فبرهما فى الحياة : الإحسان إليهما والإنفاق عليهما إذا كانا محتاجين ، والسمع والطاعة لهما فى المعروف ، وخفض الجناح لهما ، وعدم رفع الصوت عليهما ، والدفاع عنهما فى كل شىء يضرهما ، كما أن طاعة الوالدين باب من أبواب الجنة ، وأن الله تبارك وتعالى أعد لمن يبر بوالديه جنات عرضها السماوات والأرض ، وأن رضى الله من رضى الوالدين ، ولا يدخل الجنَّة عاق لوالديه أبدًا .

كما أن طاعة الوالدين يطيل فى العمر ويزيد فى الرزق : ودليل ذلك قول النبى  : "من سرَّهُ أن يمد لهُ فى عمره ويزاد فى رزقه فليبرَّ والديه وليصل رحمه" .

؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛

من كتاب أخلاقيات الإسلام

للشيخ / ياسين رشدى