عـمـر المـختـار (أســـد الصحراء)
بقلم الشيخ / خالد خليف
عمر المختار الملقب بشيخ المجاهدين وأسد الصحراء الذى حارب الإيطاليين وكان عمره 53 عاما لأكثر من عشرين عامًا فى كثير من المعارك ، انتهت بأن أجريت له محكمة صورية انتهت بإصدار حكم بإعدامه شنقًا بالرغم من أنه كان كبير السن ومريضًا وقد بلغ حينها 73 عامًا .
فكلما كثر النفاق طاب الحديث عن الإخلاص ، وإذا كثرت الخيانة طاب الحديث عن الأمانة ، وإذا ظهر الشح والبخل تطلع الفؤاد لأخبار الكرم والكُرماء ، وإذا ظهر الجهل تطلعت العقول لأخبار العلم والعُلماء ، وإذا فترت الهمم عن الذود عن حياض المسلمين اشتاقت الأفئدة لمعرفة تضحيات الأبطال والشهداء من العلماء العاملين .. فما أعظم أن يجتمع الإيمان والفقه بالواقع ، فهذا عمر المختار اقترح عليه البعض السفر للحج فقال : " لن أذهب ولن أبرح هذه البقعة ، حتى يأتى رسل ربى ، وأن ثواب الحج لا يفوق ثواب دفاعنا عن الوطن والدين والعقيدة ".
فى 25/2/1932 عين على ليبيا غريستانى النصرانى الحقود صاحب المعارك السابقة فى ليبيا على مدار تسع سنوات فجاء من إيطاليا للقضاء على الثورة فى ليبيا وكان الرجل الثانى بعد موسولينى وكان الشيخ عمر المختار ورفاقه قد شكلوا هيئة قيادية جديدة سميت بـ هيئة الجبل أرعب بها أعداءه فنعرته بأوصاف غريبة ، فقالوا بأنه يستطيع الاختفاء فلا تراه الأعين وبأن جسمه لا ينفذ منه الرصاص وغيرها من الصفات التى يراها الغرب فى أبطاله الأسطوريين .
وكان عمر المختار يأخذ الزكوات والعشور ليقاوم بها المحتلين ، وكان له نظام تجنيدى رائع يقوم على تجهيز كل دور للمجاهدين فى نطاقه مع تعويض الفاقد من المجاهدين من كل قبيلة عن طريق القبيلة نفسها ، مع كفالة أيتامهم والقيام بأمرهم ، وكان المختار يُنمِّى روح المنافسة الجهادية فيما بين القبائل والدور السنوسية ويشرف على توجيهها واستثمارها .
ولكن الغاية عند غريستانى الإيطالى النصرانى تبرر الوسيلة فقام بتصرفات وحشية لإحكام قبضته على الثورة مهما كان الثمن فأصدر أوامره بالآتى :
- عزل المجاهدين عن مصر لقطع الإمدادات التى كانت تأتيهم منها ، وقد كانت الجهة الشرقية هى الوحيدة التى يتحصل منها المجاهدون على السلاح والمؤن ، فقام غريستانى بمد الأسلاك الشائكة والمكهربة من البحر إلى مسافة 300 كم جنوبا على الحدود المصرية الليبية وبعرض ستة أمتار وارتفاع مترين ، وكانت تقوم بحراسة هذا الجدار ومراقبة السيارات المسلحة والطائرات ، وكانت هناك أوامر ثابتة بإطلاق النار على كل من يحاول عبور هذا السياج .
- وضع القبائل فى معسكرات جماعية ومراكز تعذيب وتوزيع التهم عليهم ، وهو بذلك يريد أن ينتقم من القبائل التى تعاون المجاهدين ، وقد بلغ عدد المعتقلين الذين إعتقلهم 136 ألف فى سنة واحدة تعرضوا لأخس أنواع المعاملات ، حتى فشت الأمراض بينهم مما جعل نسبة الوفيات بين الأطفال تصل إلى 90% .
- الإبادة الوحشية والترويع والتخريب وذلك بممارسات لا إنسانية من تعذيب وشنق وتجويع ، واستمرت المعتقلات طيلة أربع سنوات حتى فتكت أمراض المجاعة وسوء الرعاية الصحية والإهمال والتعذيب بحوالى 190 ألف نسمة .
- رجوع الثلث الآخر إلى مواطنهم السابقة شبه موتى ، فقد فقدوا القدرة على العمل والإنجاب وأحيطوا مرة أخرى بالأسلاك الشائكة بمراكز أمنية طيلة سنتين حتى حدوث حرب الحبشة 1935م ، وكانت خسائر حرب التحرير الليبية حوالى 750 الف نسمة ، منهم من مات فى المعتقلات ، ومنهم شهداء فى الحرب .
كثرت الخسائر المادية للمواطنين حيث قضى على ما يقارب من مليون رأس من الماشية مع حرمان أبناء البلد من أهم مصادر الرزق ، وذلك عندما استولت شركات إيطالية على معظم الأراضى الصالحة للزراعة وتسليمها للمستوطنين الطليان ، وأصبح أهل البلاد يبحثون عن قوتهم وسط جحيم الحروب أو فى أقبية المطاعم الإيطالية كخدم منازل ، واضطر بعضهم الآخر إلى السفر إلى إيطاليا وفق الضغوط والاغراءات الإيطالية بتوفير العمل هناك .
وقد تعالت صرخات غريستانى وتهديداته للشعب الليبى بالنفى إلى الجزر الإيطالية النائية ، أو الشنق ، أو الإعدام رميًا بالرصاص ، كما كانت هناك وسائل أخرى كتقييد مجموعة من الليبيين فى سلسلة واحدة ورميهم فى البحر ، وقتل الشيوخ والعلماء ، وهتك الأعراض والتهجير فى الرمال ، وأطلاق عمل إرساليات التبشير بين الأهالى ، واجبار الشبان من سن 15 إلى 40 على الإنخراط فى سلك الجيش الإيطالى ومن دون هذه السن يُرسل إلى إيطاليا للتنصير ، ومع كل هذا شربهم الخمر فى زاوية السنوسى وإلقائهم المصاحف تحت سنابك الخيل فى الإصطبلات .
كما أمر غريستانى بإنشاء المحكمة الطائرة ينتقل أعضاؤها فى طائرة وينزلون حيث يشاؤون ثم يحكمون على الثوار فى كل مكان ينزلون فيه بالإعدام فى الحال وبدون أسباب أحيانًا ، وكان يحكم على بعضهم بأن يُلقى من الطائرة ويُجبر أهله وذووه على رؤيته .
ووبالرغم من نصب المشانق وفتح المعتقلات والسجون وعزل المنتجعات عن المجاهدين ، وبالرغم من إحاطة الأهلين بالأسلاك الشائكة المكهربة ، وبالرغم من استعمال الطائرات والمدافع والقنابل ذات الغاز السام المحرمة دوليًا ، وبالرغم من كل ذلك لم يتزحزح عمر المختار قيد أنملة ووقف كالعملاق فى وجه غريستانى وجيوشه المرتزقة التى أتى بها من إريتريا والصومال عدا الإيطاليين أنفسهم .
وبإصرار عمر المختار على خوض الحرب المقدسة ضد القوات الإيطالية ، وبالرغم من قلة المؤن والعتاد ، بالإضافة إلى هروب الكثير من الشخصيات المرموقة إلى مصر وغيرها من البلدان المجاورة فقد قهر القوات الإيطالية التى كانت تُعتبر من القوات المجهزة بأحدث الآليات العسكرية الراقية فى ذلك الوقت ، حيث جعل قادتها العسكر يشعرون بالخيبة والفشل بعد كل معركة يخوضها ضدهم ، وحار غريستانى فى عمر المختار وإخوانه المجاهدين الذين لم تؤثر فيهم هذه الإحتياطات كلها ، علمًا بأن إيطاليا جهزت لكل مجاهد عشرة مقاتلين من رجالها .
ومع ذلك كلفتها الحرب قرابة الربع مليون قتيل وفقيد إيطالى ، و16 مليار فرنك قديم مما أنهك إيطاليا عسكريًا ومعنويًا فاستسلم غريستانى لليأس . وهذا اليأس دفعه إلى الحقد على عمر المختار ، فأصبح كل أمله أن يموت هذا الشيخ الكبير ، ثم فكر فى القبض على عمر المختار وذلك بحرق غابات الجبل الأخضر ، ولكنه لم يتمكن من إتمام مهمته ، فأصيب بانهيار عصبى ، وسافر إلى إيطاليا للإستجمام .
وفى 11 سبتمبر 1931م ، وبينما كان الشيخ عمر المختار يستطلع منطقة تسمى سلنطة فى كوكبة من فرسانه (وعددها خمسون) عرفت الحاميات الإيطالية بمكانه فأرسلت قوات لحصاره ولحقتها تعزيزات ، واشتبك الفريقان فى وادى بوطاقة ورجحت الكفة للعدو فأمر عمر المختار بفك الطوق والتفرق ، ولكن قُتلت فرسه تحته وسقطت على يده مما شل حركته نهائيًا ، فلم يتمكن من تخليص نفسه ولم يستطع تناول بندقيته ليدافع عن نفسه فسرعان ماحاصره العدو من كل الجهات وتعرفوا على شخصيته عن طريق أحد الخونة العرب المجندين فى الجيش الإيطالى فنُقل على الفور إلى مرسى سوسه ومن ثم وضع على طراد نقله رأسًا إلى بنغازى حيث أودع السجن الكبير بمنطقة تسمى سيدى أخريبيش ، ولم يستطع الطليان نقل الشيخ برًا لخوفهم من تعرض المجاهدين لهم فى محاولة لتخليص قائدهم .
كان غريستانى فى روما حينها كئيبًا حزينًا مُنهار الأعصاب فى طريقه إلى باريس للإستجمام والراحة تهربًا من الساحة بعد فشله فى القضاء على المجاهدين فى برقة ، والإنتقادات المُرة من رفاقه ، وإذا بالقدر يلعب دوره ويتلقى برقية مستعجلة من بنغازى مفادها أن عدوه اللدود عمر المختار وراء القضبان فأصيب بحالة هستيرية وكاد لا يصدق الخبر ، ولم يسترح باله فقرر إلغاء أجازته واستقل طائرة خاصة وهبط ببنغازى فى نفس اليوم ، وطلب إحضار عمر المختار إلى مكتبه لكى يراه بأم عينيه .
وفى 15 سبتمبر 1931م دار حوار بين الشيخ عمر المختار وغريستانى فى مكتبه ، وأجاب الشيخ برباطة جأش عن جميع الأسئلة منها :
غريستانى : لماذا حاربت بشدة متواصلة الحكوم الفاشستية ؟
الشيخ : من أجل دينى ووطنى .
غريستانى : ما الذى كان فى اعتقادك الوصول إليه ؟
الشيخ : لا شئ إلا طردكم ... لأنكم مغتصبون ، أما الحرب فهى فرض علينا وما النصر إلا من عند الله .
غريستانى : بما لك من نفوذ وجاه ، فى كم يوم يمكنك أن تأمر الثوار بأن يخضعوا لحكمنا ويسلموا أسلحتهم ؟
الشيخ : لا يمكننى أن أعمل أى شئ... نحن الثوار سبق أن أقسمنا أن نموت كلنا الواحد بعد الآخر ، ولا نسلم أو نلقى السلاح ..
وانتهت تلك المقابلة الرهيبة التى سجل غريستانى فيها مدى إعجابه وتقديره لعمر المختار فى مذكراته ، فقال : لقد خرج من مكتبى كما دخل منه ، وأنا أنظر إليه بكل إعجاب وتقدير ، وقال أيضا : يمتاز عمر المختار بذكاء متوقد حاضر البديهة ، كما أنه مثقف واسع الإطلاع خاصة فى الأمور الدينية ، ويرجع ذلك إلى تعليمه الدينى ، وكان تقيًا ورعًا عاش فقيرًا طيلة حياته .
- المحكمة الهزلية : الشهادة
قد تحدد مصير عمرالمختار يوم 15/9/1931 فى صالون بالاس ليتوريا بمدينة بنغازى ، حيث تم إجراء محاكمة صورية له تم فيها الحكم عليه بالإعدام شنقًا حتى الموت .
ومن الأسئلة التى وجهت إليه ما يلى :
س : قاتلت ضد من ؟
المختار : ضد الحكومة الإيطالية .
س : فى كم معركة ؟
المختار : معارك كثيرة لا يمكننى تحديدها ، وحتى المعارك التى لم اشترك فيها كانت بأمرى .
س : هل أصدرت أمرا بقتل جميع الأسرى ؟
المختار : لم أصدر أمرًا كهذا .
س : هل قتلت رجال الحراسة ؟
المختار : نعم الحرب هى الحرب .
س : هل تقاضيت من الحكومة الإيطالية فى أى وقت من الأوقات مرتبًا ؟
المختار : كلا .. أبدًا .
وعندما ترجم له الحكم ، قال الشيخ : إن الحكم إلا لله ... لا حكمكم المزيف ... إنا لله وإنا إليه راجعون .
وفى صباح يوم الأربعاء 2 جمادى الأولى 1351هجرية ، 16 سبتمبر 1931م ، اتُخذت جميع التدابير اللازمة بمركز سلوق لتنفيذ الحكم بإحضار جميع أقسام الجيش والميليشيا والطيران ، وأحضر 20 ألفًا من الأهالى وجميع المعتقلين السياسيين خصيصًا من أماكن مختلفة لمشاهدة تنفيذ الحكم فى قائدهم ، وأُحضر الشيخ عمر المختار مكبل الأيدى ، وعلى وجهه ابتسامة الرضا بالقضاء والقدر ، وبدأت الطائرات تحلق فى الفضاء فوق المعتقلين بأزيز مجلجل حتى لا يتمكن عمر المختار من مخاطبتهم .
وفى تمام الساعة التاسعة صباحًا سُلم الشيخ إلى الجلاد ، وكان وجهه يتهلل استبشارًا بالشهادة وكله ثبات وهدوء ، فَوُضع حبل المشنقة فى عُنقه ، وورد عن بعض الناس الذين كانوا على مقربة منه : إنه كان يؤذن فى صوت خافت آذان الصلاة ، والبعض قال : إنه تمتم بالآية الكريمة : ﴿ یَـٰۤأَیَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَىِٕنَّةُ ٢٧ ٱرۡجِعِیۤ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِیَةࣰ مَّرۡضِیَّةࣰ ٢٨ ﴾ الفجر .. ليجعلها مسك ختام حياته البطولية ، وبعد دقائق صعدت روحه الطاهرة النقية إلى ربها تشكو إليه عنت الظالمين وجور المستعمرين .
وقد سبق إعدام الشيخ أوامر صارمة بتعذيب وضرب كل من يبدى الحزن ويظهر البكاء عند إعدام الشيخ .
كان العرب خاصة والمسلمين عامة يتابعون ، مع قلة المعلومات وشح الأخبار ، جهاد عمر المختار ورفاقه فى ليبيا ولكن صعقت الأمة الإسلامية من وحشية إيطاليا فى تنفيذ حكم الإعدام بعمر المختار وهو فى العقد الثامن من عمره . وهاج الشارع العربى وماج مع صمت رهيب ومريب فى الدوائر والمؤسسات الرسمية العربية ــ على عادتها ــ فامتعض الشارع العربى فى مصر وسوريا وتونس والمغرب والجزائر والعراق حيث أقيمت المآتم ، وخرج الناس فى المظاهرات وطافت شوارع المدن ، وأغلقت المتاجر ودعا الخطباء فى المساجد إلى مقاطعة البضائع الإيطالية ، وظهر الشارع العربى بمظهر الحداد على هذا الرجل العصامى ، ونقلت الصحف النزيهة الحرة تلك الإحتجاجات والمظاهرات ، وارتفعت حدة الثورات فى كل مكان وانتهى الأمر بأن طُردت القوات الإيطالية من البلاد .
وصُليت عليه صلاة الغائب فى المسجد الأقصى فى فلسطين وجامع بنى أمية فى سوريا ، فى الوقت الذى خذلت الحكومات هذا البطل الكرار كما هى عادتها مع المجاهدين الصامتين فى الفترة الأخيرة . رحم الله شيخ الشهداء ، وشيخ المجاهدين ، وأسد الصحراء .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛