هل تعلم؟ | البُـخْلُ وحُب المـال من آفات القَـلْب وهو من العادات السيئة التى تصاحب الإنسان

  البُــخْلُ وَحُــبُّ الْمَــالِ 

{من أمراض القلب}


ما هو البُخْلُ وحُبُّ المَال ؟
البُخْل  هو منع الواجب : أى الإمتناع عن إنفاق المال فيما يجب ، وهو من العادات السيئة التى تصاحب الإنسان .. والبَخِيلُ هو الذى كلما أراد أن يُنفق ساءته عطيته وتضرر فلا يستطيع الإنفاق .. والدنيا تتناول كل حظ عاجل ، والمال بعض أجزاء الدنيا ، وحُبُّ الجاه بعضها ، واتباع شهوة البطن والفرج بعضها ، وتشفى الغيظ بحكم الغضب والحسد بعضها ، والكبر وطلب العلو بعضها ، ولها أبعاض كثيرة . ويجمعها كل ما كان للإنسان فيه حظ عاجل . 

ما هو أساس البُخْل ؟ أساس البُخْل هو حُبُّ المال .. والمال كالحَيَّةِ لا تؤذى الصائد المتخصص ، ولا تضره .. بل يستطيع أن يستخرج منها التريَاق .. أما من لا يعرف كيف يتعامل معها لسعته فمات بِسمِّها .. فكذلك المال فيه خير وشر .. فيه نفع وضر ، والناس فى حُبِّ المال صنفان : صنف يحب المال باعتباره وسيلة ، وصنف يحب المال باعتباره غاية .. أما حُبّ المال باعتباره وسيلة  فتنحصر أسبابه فيما يلى

  1. أن يحب المال باعتباره وسيلة لتحصيل الشهوات .. المباح منها والمحظور .. وهذا الصنف يفضل شهواته ، ويقدمها على أى شىء ــ حتى الواجب ــ فيغلبها عليه فينفق فيها ، ولا ينفق فيما يجب . 
  2. أن يحب المال بسبب طول الأمل فى الحياة .. فيكنزه أملا فى طول العُمر .. وإن تيقن هذا الصنف من أن أجله ينتهى غدًا ما بخل بالإنفاق . 
  3. أن يحب المال من أجل أولاده  فيمتنع عن إنفاقه فى الواجب معتقدًا بذلك أنه يُؤمِّن مستقبلهم .
  4. أن يحب المال لأنه مضمون فى يده يوفر له الأمان غير واثق بما يأتيه فى الغد ، فتكون ثقته بما فى يده أكبر بما فى يد الله .

وأما حب المال باعتباره غاية .. فهو حب لغير سبب .. أى حُب المال لذات المال فيحوله من وسيلة إلى غاية ، ويغفل عن وظيفته الأصلية فيكنزه ، ويسعد بجمعه ، والنظر إليه ، وعَده وإحصائه ، والحرص عليه .. حتى إنه قد يبخل على نفسه فلا ينفق فى الضرورات كالغذاء والدواء .. وهذا الصنف من الناس هو أشدهم مرضًا وعداوة لنفسه إذ إنه يُصبح حارسًا على المال حتى يئول من بعده لأعدائه .. لأن البَخِيل كما هو عدو لنفسه فهو عدو لمن حوله مكروه منهم يتعجل ورثته موته حتى يحصلوا على ما منعهم منه حال حياته .. ولو تخيل ما سوف ينفقون فيه ماله الذى كنزه لهم ما ترك لهم درهما !! . والناس فى إنفاقهم للمال أصناف

  1. صنف ينفق المال فيما لا يجب أن يُنفَق فيه .. هؤلاء هم المُبَذِّرُون الذين قال الله فيهم : ﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27)  الإسراء . 
  2. صنف يحبس المال عن أن يُنفَق فيما يجب .. وهؤلاء هم البُخَلاء الذين قال الله فيهم : ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا (37)  النساء . 
  3. صنف يُنفق المال فيما يجب ، ويحبسه عما لا يجب .. فينفق حيث يجب الإنفاق ، ويمسك حيث يجب الإمساك .. وهذا هو حد الإعتدال المطلوب الذى أوصى الله عزَّ وجلَّ به فى قوله﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا (29)  الإسراء . وقوله تعالى﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا (67)  الفرقان .. وعليه فإن إمساك المال حيث يجب البذل بُخْلٌ ، وبذل المال حيث يجب الإمساك تَبْذِير ، وبينهما وسط : وهو الإعتدال المحمود والمطلوب .

وقد نبهنا رسول الله  : إلى أن البُخْل يقدح فى الإيمان فقال : " خَصْلَتَانِ لاَ تَجْتَمِعَانِ لِمُؤمِنٍ : البُخْلُ وَسُوءُ الخُلُقِ رواه الترمذى عن أبى سعيد (رضى الله عنه)

كما نبه إلى عاقبة البُخْل فقال : " واتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّهُ أهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَمَلَهُمْ عَلَى أنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ واسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ رواه مسلم عن جابر (رضى الله عنه)

وقال صلى الله عليه وسلم : " ثَلاثٌ مُهْلِكَاتٌ : شُحٌّ مُطَاعٌ ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ ، وَإِعْجَابُ المَرْءِ بِنَفْسِهِ " .   رواه البزار ، والطبرانى ، والبيهقى ، وأبو نعيم عن أنس (رضى الله عنه)

وقال صلى الله عليه وسلم : " الكَرِيمُ : قَريبٌ مِنَ الله ، قَريبٌ مِنَ النَّاسِ ، قَرِيبٌ مِنَ الجَنَّةِ ، بَعيدٌ عَنِ النَّارِ .. والبَخِيلُ : بَعيدٌ عَنِ الله ، بَعيدٌ عَنِ النَّاسِ ، بَعيدٌ عَنِ الجَنَّةِ ، قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ " . رواه الترمذى عن أبى هريرة (رضى الله عنه)

وقد كان صلى الله عليه وسلم : يعلمنا الدعاء بقوله : " اللَّهُمَّ إنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ ، وأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ ، وأَعُوذُ بِكَ أنْ أُرَدَّ إلَى أَرْذَلِ العُمُرِ " .  وضرب مثلا للمنفق والممسك فقال : " مَثُل المُنْفِقِ والبَخِيلِ كَمثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ مِنْ لَدُنْ ثُدَيِّهمَا إلَى تَرَاقِيهمَا (من الثديين حتى الترقوة وهى العظمة البارزة فى العنق) .. أمَّا المُنْفِقُ فَكُلَّمَا أنْفَقَ شيئًا سَبَغَتْ وَوَفَرتْ (اتسعت وطالت) حَتَّى غَطَّتْ جِلْدَهُ وأَخْفَتْ بَنَانهُ (طرف الأصابع) .. وأمَّا البَخِيلُ فَكُلَّمَا أَرَادَ أنْ يُنْفِقَ شيئًا قَلَصَتْ (ضاقت وانكمشت) ولَزَمَتْ كُلُّ حَلَقَةً مَكَانَهَا حَتَّى تَأْخُذَ بِتَرَاقِيه " .. متفق عليه عن أبى هريرة (رضى الله عنه)

ويحث الحق تبارك وتعالى عباده على الإنفاق فيقول﴿ وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11)  المنافقون .

  ويبشر سبحانه وتعالى المُنْفِقِين بقوله﴿ .. وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16)  التغابن .  وينذر البُخَلاء بقوله﴿ .. وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم (38)  محمد . 
  • طُرق الوقـاية مِـنَ البُخْــلِ ، هناك أربع وصايا للوقاية من البُخْل  : 

  1. الحرص على أن يكون كسب المال من حلال .. ذلك أن المال إذا أكتُسِبَ من حرام كان سهلا .. وأدى ذلك إلى الإفراط فى حُبِّه ، بالإضافة إلى أنه كلما كان مصدر المال حرامًا كان إنْفَاقه فى المحرمات .
  2. بذل المجهود للحصول على القدر اللازم من المال لتغطية الحاجات الضرورية فقط والتى خُلِق المال من أجل الحصول عليها ، فقد قيل : " لا يَقْعدَنَّ أحدُكُم عن طلب الرزق ويقول : اللهمَّ ارْزُقْنى ؛ فقد علمتم أنَّ السمَاءَ لا تُمطِرُ ذهبًا ولا فِضَّة " .. ولا يجرى ويلهث طامعًا فى الحصول على ما يزيد عن ذلك فيصاب بالنَّهَم  والشَّرَه .. فإن جاءته الزيادة بغير طمع وسعى حثيث كان بها ، وإلاَّ رَضِىَ بما قسمه الله له ؛ فقد قال النبى  : " إِنَّ هَذَا المَالَ حُلْوٌ خَضِرٌ ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ* بُورِكَ لَهُ فِيهِ .. ومَنْ أَخَذَهُ بإشْرَافِ نَفْسٍ** لَمْ يُبارِكْ لَهُ فِيه .. وكانَ كَمنْ يَأْكُلُ وَلا يَشْبَعُ " رواه البخارى ،ومسلم ، والترمذى ، والنسائى عن حكيم بن حزام (رضى الله عنه) .      * بسخاوة نفس : قناعة             ** بإشراف نفس :طمع وتطَلُّع
  3. الحِرص على إنْفاق المال فيما يجب أن يُنفَق فيه ، وحبسه عمَّا لا يجب أن يُنفَق فيه تجنبًا للوقوع فى داء البُخْلِ أو داء التبذيرِ .
  4. الحرص على إصلاح النية وخلوصها لله فى الأخذ بالوصايا السابقة ، عملا بقول الحق تبارك وتعالى﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)  الأنعام .. فقد علمنا أن النية هى أساس الأعمال ، وعليها يكون الثواب أو العقاب ، وبصلاح النية يكون للعادات ثوابٌ كثواب العبادات كما جاء فى قول النبى  : " إنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقةً تَبْتغِى بِهَا وَجْهَ الله إِلاَّ أُجِرْتَ حَتَّى اللُّقْمَةَ تَضَعُهَا فِى فِى (فم) زَوْجَتِكَ لَكَ صَدَقَةٌ " ..  وقوله صلى الله عليه وسلم : " وفِى بِضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ .. قالوا : أَيأْتِى أحدُنا شَهْوَتَه ، ويُثابُ عَلى ذلِك ؟! .. قال : أَرَأَيْتُمْ لو وضَعَها فى حَرَامٍ أكانَ يُعَاقَبُ عَلى ذَلِك ؟! .. قالُوا : نَعَم .. قال : فَكذَلِكَ .."  (كناية عن جماع الرجل زوجته)

  • طـرق عِــلاَجُ البُخْــل :

  1. إذا كان حب المال من أجل إرضاء الشهوات (شهوة البطن وشهوة الفرج) فعليه بتحَرِّى المباح فقط ، والإبتعاد عن المحظور ، واستغلال العقل فى السيطرة على الشهوات .
  2. إذا كان حُبُّ المال راجعًا لطول الأمل ، وتوقع الحياة الطويلة والعمر المديد .. فعليه أن يتذكر أن الموت نهاية كل حى ، وأن الإنسان لا يضمن عُمْره ، وقد ينتهى الأجل فجأة دون إنذار ؛ فإذا أصبح فلا ينتظر المساء ، وإذا أمسى فلا ينتظر الصباح .. بل إذا تَنفَّسَ نَفَسًا فلا ينتظر أن يخرجه ؛ فقد يكون آخر أنفاسه .. وما الحياة إلا أنفاس معدودة فى أماكن محدودة .
  3. إذا كان حُبُّ المال من أجل تأمين مستقبل أولاده فليتدبر القرآن الكريم ، وكيف رسم لنا الطريق لهذا التأمين بقول الحق تبارك وتعالى﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9)  النساء .. وليعلم أنه إنما يجمع المال لواحد من اثنين : لولد صالح يعمل فيه بطاعة الله فيسعد بما شقى هو به .. أو لولد فاسق يعمل فيه بمعصية الله فيشقى بما جمع له .. فعليه أن يثق لهم بما عند الله القائل﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22)  الذاريات .. والقائل﴿ .. وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)  سبأ .. ويقول النبى  : " ما نقص مال من صدقة " .
  4. إذا كان حُبُّ المال لعدم ثقته بما سوف يأتيه فى المستقبل منه فعليه أن يتذكر أنه : وُلِدَ عاريًا فكساه الله ، وأطْعَمهُ ، وسَقَاه ، وألهمه التقام ثدى أمه ، وأجرى فيه اللبن دون جهد ودون سؤال .. وأنَّ ما اكتسبه من مال فبفضل الله وليس بمجهوده  وتدبيره .. فكم من مجتهد محروم ، وكم من خامل مرزوق .
  5. إذا كان حُبُّ المال من أجل المال فلا بد له من توبة .. وعليه أن يعلم أنه لن يشبع من هذا المال مهما جمع ..ويقول النبى  : " لَوْ  أَنَّ  لابْنِ  آدَمَ  وَادِيًا  مِنْ  مَالٍ  لَتَمَنَّى  أنْ  يَكُونَ  لَهُ  وَادِيَانِ .. وَلَوْ  كَانَ  لهُ  وَادِيَانِ  لَتَمَنَّى  أنْ  يَكُونَ  لَه  ثَلاثَة .. ولاَ يَمْلأُ  جَوْفَ  ابْنِ  آدَمَ  إِلاَّ  التُّرابُ ، ويَتُوبُ  الله  عَلَى  مَنْ  تَابَ " .    متفق عليه من حديث ابن عباس وأنس (رضى الله عنهما) .

                         ؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛