شخصيات إسلامية | السلطان عبد الحميد الثانى

 السلطان عبد الحميد الثانى


السلطان عبد الحميد الثانى هو الخليفة العثمانى الرابع والثلاثون ولد يوم الأربعاء 16 شعبان 1258 هجرية الموافق 22 سبتمبر 1842م ، وكان فى طفولته قليل الكلام يُحب العُزلة ، توفيت والدته وهو فى الثامنة من عمره ، فاحتضنته زوجة أبيه (برستوهانم) فكانت له نعم الأم ، حيث قضى شبابه فى اسطنبول ، وكان يتقن المبارزة بالسيف ، والسباحة وركوب الخيل ، وكان شغوفًا بقراءة التاريخ ، ويطلب ترجمة مقالات الصحف والجرائد ، وتميز فى حياته وهو أمير بالبساطة الشديدة والابتعاد عن البذخ والاسراف والتبذير ، وحرَّم على نفسه أن يستدين قرشًا واحدًا من أحد ، فعصم نفسه من أن يقع فى حبائل أصحاب البنوك وأكثرهم من اليهود والروم ، وخلافًا لما يروجه أعداؤه من داخل الدولة وخارجها .

يقول المؤرخون : إن السلطان عبد الحميد كان مثالا للعفة والاحترام والوقار ، وكان حليمًا صبورًا رحيمًا ، كما كان ذا إرادة حديدية وعقل سليم وعيون مؤثرة ومعبرة . اشتهر بفترة حكمه التى استمرت 33 عامًا ، والتى شهدت تحديثات واسعة فى الدولة العثمانية ، بالإضافة إلى صراعات داخلية وتدخلات خارجية . 

ولما اصطحبه عمه السلطان عبد العزيز فى رحلة إلى فرنسا وانجلترا ومعهما ولى العهد أخوه (مراد) الذى أصبح السلطان فيما بعد ، فقد تميز سلوك عبد الحميد بالوقار والسكينة والهدوء على عكس (مراد) ولى العهد ، فلم يقرب الخمر وقام فى باريس بمهمته خير قيام مستعينًا بذكائه ومعلوماته الواسعة ، وكان ماهرًا فى إخفاء أحاسيسه ويهتم بكل شىء ويأخذ المعلومات حول كل شىء . 

ولم تدم فرحة الإنجليز بوصول (مراد) إلى الحكم طويلا ، إذ أصبح عبد الحميد هو السلطان بعد خلع (مراد ) من الحكم وبعد أن أصيب بمرض الجنون واعتلت صحته ، وكان أول ما قام به هو تقليل المصاريف الباهظة للقصر ، وجلس يأكل الطعام مع أفراد عائلته وأسرته خلافًا لعادة السلاطين من قبله ، وأمر بأن يجلس الوزراء معه حول منضدة واحدة للتباحث معهم حول أمور الدولة خلاف للبروتوكول السابق الذى كان يقضى بضرورة وقوفهم معقودة أيديهم أمامه .

وفى الفترة الأولى من حكمه ظل فى مرحلة ترقب وترصد ومراقبة الأمور وجمع الأنصار وإحاطة نفسه بالرجال المخلصين ، ولم تكن تلك مرحلة ظهور أو توجيه أو سيطرة ، فقادة الإنقلاب يسهل عليهم خلعه كما فعلوا مع من سبقوه ، وعاصمة الخلافة تعج بجواسيس المستعمرين ، وقام ببعض التعيينات التى أظهرت أنه لا يرضى أن يكون أسيرًا ولعبة بيد رجال الإنقلاب ، ولم يمانع الخليفة أن يأخذ درسًا فى المال والإقتصاد على يد أمهر اقتصاديين وأكثرهم خبرة فى شئون السياسة المالية وهو المصرفى اليهودى جورج ظريفى ، ولقد جهد السلطان جهدًا كبيرًا لإحياء عظمة الخلافة الإسلامية واسترداد ما كان لها من الجلال والهيبة والخطورة . 

تسلم السلطان عبد الحميد إمبراطورية واسعة على حافة التفكك ، تتربص به جميع الدول الأوروبية الكبرى ، ولم تنحصر متاعبها فى أعدائها الخارجين ، بل إن دولة واسعة مثلها تعيش فيها قوميات وأديان ومذاهب ولغات متعددة لابد أن تجد صعوبة كبيرة فى الإدارة ، وكانت سياسته الخارجية تقوم على تجنب الدخول فى الحروب ، فتسعى إلى الاستغلال الماهر الذكى للتناقضات والخلافات الموجودة بين الدول الأوروبية وتضارب مصالحها ، فقد كان يمسك ميزانًا دقيقًا فى سياسته الخارجية ، حتى قال أحد الزعماء البريطانيين عنه : (لو كان السلطان عبد الحميد موجودًا فى السلطة لما اندلعت الحرب العالمية الأولى) .

أثناء إعداد الدستور كان من أغرب ما حاوله مدحت باشا (زعيم الإنقلاب) هو محاولة إشراك الدول الأوروبية فى مسألة الدستور وجعلها طرفًا ضامنًا ضد السلطان عبد الحميد ، والأغرب أن الدول الأوروبية رفضت قائلة إن مسألة القانون الأساسى مسألة داخلية لا يمكن أن تتدخل فيها الحكومات الأوروبية ، وتم إعلان الدستور فى 6 من ذى الحجة 1293هجرية الموافق 23 كانون الأول 1876م . 

ولقد أتى السلطان عبد الحميد إلى الحكم فى فترة مضطربة جدًا من تاريخ الدولة العثمانية ، فالأوضاع كانت تغلى فى البلقان ، وحينها تدخلت جيوش الخلافة لقمع هذه الثورات وتدخلت بعض الدول الأوروبية وروسيا ، وفى النهاية حقق الجيش العثمانى انتصارات وصلت أخبارها إلى العاصمة إسطنبول يوم 31 أغسطس 1876م وهو يوم تولى السلطان عبد الحميد عرش البلاد ، وقد حاول السلطان عبد الحميد أن يهدئ من هذه الحرب ويبحث عن وسيلة سلمية لحل هذه المشكلة الشائكة ، حتى كان مؤتمر إسطنبول الذى أعطى هذه البلدان العديد من المكاسب التى اعترض الباب العالى على بعضها ، وفى هذا الوقت استطاعت زمرة من أنصار مدحت باشا تهييج أهالى إسطنبول ليكونوا إلى جانبهم ضد السلطان عبد الحميد ، وانشغل الناس بالسياسة أكثر من انشغالهم بأعمالهم . 

ولما كان مدحت باشا السبب الرئسى فى الكارثة الكبيرة التى جر إليها الدولة العثمانية وهى الحرب الروسية التركية إضافة إلى إصراره على جعل السلطان ألعوبة بيديه ، فقد نفاه السلطان عبد الحميد إلى إيطاليا فى يوم الإثنين 21 محرم 1294 هجرية ، 5 فبراير 1877م وفى أعقاب ذلك كانت لعبة كبيرة باسم الديمقراطية وباسم الحرية تجرى لدفع الدولة العثمانية إلى أتون الحرب ، إذ أن العديد من زعماء مجلس الأعيان وهم من غير المسلمين وعامتهم كانوا زعماء فى الجمعيات المسلحة السرية النشطة ضد الدولة العثمانية ، هؤلاء قاموا بحماسة شديدة بتشجيع السلطان عبد الحميد على اتخاذ قرار الحرب ضد روسيا ، تلك الحرب التى انتهت بعد تسعة أشهر وسبعة أيام والتى كانت من نتائجها أكبر الهزات التى تعرضت لها الدولة العثمانية . 

حاولت الأيدى الخفية بعد ذلك إثارة البلبلة داخل الدولة العثمانية ، وكان من تلك المحاولات تدبير محاولة لتهريب السلطان مراد من القصر إلى خارج البلاد ، ومن ثم يتم الإعلان أن إقصاءه عن العرش كان عملا مغايرًا للشريعة الإسلامية ، وهذه المحاولة تظهر بوضوح إلى أى مدى كانت الأصابع الأجنبية تلعب بأمور الدولة العثمانية إذ أصبحت بكل جرأة تدبر الإنقلابات وتحاول تبديل السلاطين ، ولكن المؤامرات فشلت .

وبيت القصيد وموقف المواقف كلها كان موقف السلطان عبد الحميد تجاه الحركة الصهيونية ، إذ أنه فى الوقت الذى طُرد فيه اليهود من كثير من البلدان الأوروبية التى سكنوا فيها ، بسبب أنهم لم يتعايشوا ويتآلفوا وينسجموا مع شعوبها ، فكرهتهم هذه الشعوب ونبذتهم وأساءت معاملتهم ، بل أكرهتهم أحيانًا على التنصير ، إلا أن الدولة العثمانية ــ جريًا على قيم التسامح الإسلامى ــ آوتهم واحتضنتهم ولم يجدوا أى مضايقات فى الدولة العثمانية ، وانصرفوا إلى مزاولة التجارة والصيرفة والصياغة والمناصب العامة فى الدولة ، حتى وصل بعضهم إلى مناصب رفيعة فى الدولة العثمانية . 

بعد ظهور الصهيونية كحركة سياسية ودينية ، وبعد مؤتمر بال فى سويسرا سنة 1897م نشطت الدعوة إلى جمع اليهود وتهجيرهم إلى فلسطين ، وسعت شخصيات يهودية بارزة لدى السلطان عبد الحميد لعله يوافق على مقترحاتهم لتشكيل نواة صغيرة فى فلسطين ، فرفض الطلب من قبل السلطان الذى كان يتوقع المرامى الحقيقية لليهود قائلا : إن اليهود يستطيعون العيش بسلام فى آية جهة من المملكة إلا فى فلسطين ، لأن الدولة العثمانية ترحب بالمضطهدين ، ولكنها ترفض مساعدة اليهود فى إقامة مملكة لهم فى فلسطين أساسها الدين

والحقيقة التى أثبتها التاريخ أن السلطان عبد الحميد شعر بالخطر قبل الجميع حتى قبل مؤتمر بال ، وقبل ظهور كتاب هرتزل (الدولة اليهودية) ، لذا فقد أصدر فى عام 1891م مجموعة من الفرامانات تنظم وجود اليهود المطرودين من كل دول أوروبا على أنهم رعايا عثمانيون وليسوا بغير هذه الصفة ، وخص سفرهم إلى أرض فلسطين بضوابط معينة 

لقد كانت شعارات التنمية مثل شعار (تعمير تركيا وتجديد شبابها) وشعار (تسوية أوضاع تركيا المالية ) إضافة إلى شعارات سياسية أخرى من قبيل شعار (تسوية المسألة الأرمينية) وشعار (استعادة جزيرة قبرص من انجلترا وضمها إلى الدولة العثمانية) ، إلى جانب غيرها من شعارات العلم والتنوير مثل (إقامة جامعة لتعليم شباب الخلافة لتوفير التدريب العلمى بعيدًا عن مخاطر الغوايات السياسية) كانت كلها من أساليب الإغراء التى استخدمها زعماء اليهود طمعًا فى الحصول على موافقة السلطان عبد الحميد على انشاء وطن لليهود فى فلسطين ، غير أن كل تلك المحاولات لم تنفع فى زحزحة السلطان عن موقفه ، فقد كان السلطان يرى القدس مقدسًا تمامًا مثل مكة المكرمة .

وفى الوقت الذى كانت تجرى فيه المفاوضات مع السلطان وحاشيته حول فلسطين لتصبح أرضًا لتجميع اليهود ، كانت الماسونية العالمية تسعى إلى جانب آخر وبطريقة أخرى ، حيث تم برعايتها تشكيل جمعية (الاتحاد والترقى) بغرض عزل السلطان عبد الحميد ، ولما انكشف أمر الجمعية فى اسطنبول جرت محاكمة أعضائها عسكريًا ، وصدرت ضدهم أحكام بالسجن ، ولم يلبث السلطان أن عفا عنهم واستخدم معهم وسائل أخرى تتلخص فى إسداء النصح لهم أو استمالتهم بالمناصب أو المنح أو نفيهم ، وتحديد إقامتهم مع تحديد مخصصات لهم أكبر من رواتبهم الأصلية ، ولكنها لم تكن وسائل فعالة ، فقد فقس بيض الأفاعى تحت جناحى تسامحه !! وكبرت ونمت ثم خرجت إلى الميادين والساحات . 

ويرى المؤرخون أن هذا هو الذنب الوحيد للسلطان عبد الحميد الذى لا يمكن غفرانه أبدا ، فبدلا من الشفقة على هؤلاء الذين كانوا خدمًا وعبيدًا للماسونية ؛ كان عليه أن يشفق على أمته وتاريخه ، ولكنها طبيعته وقدره ، أن تكون سياسته فى معاملة خصومه عاملا فى التعجيل بسقوطه !! وسقوط خلافته .

وهكذا طويت صفحة الخلافة الأخيرة ، وبالإطاحة بالسلطان عبد الحميد سقطت الدولة العثمانية سقوطها الحقيقى ، واعتبر اليهود وكل أعداء الإسلام هذا اليوم عيدًا لهم ، وطبعوا بذلك طوابع بريدية ، واستعدوا للانقضاض على فلسطين .

؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛