بلاغة وإعجاز | النَّــحْل فى القرآن الكريم وآية الإِعْجاز الرَّبانى
النَّـحْـل فى الْقرآن الْكَريم
- يعتبر عسل النحل هو رحيق النحل التى تخرجه النحل من بطونها ونتيجة مما تمتصه من رحيق الزهور والورود من النباتات المزهرة المحيطة بخلاياها ، لذلك تعتبر الازهار والورود هى المصدر الوحيد الذى يستمد منه النحل احتياجاته من الرحيق وحبوب اللقاح .
- وتعتبر العلاقة بين الورود والأزهار ومجتمع النحل علاقة وثيقة لمنفعة كل الأطراف ، وهذا من العناية الربانية ، وتقوم هذه العلاقة على بندين ، البند الأول : أن يقوم النحل بجمع غذاءه وقوت يومه من رحيق الأزهار وهو ما يسد احتياجاته الغذائية ، والبند الثانى : أن يقوم النحل الزائر بعملية حيوية لتلك الأزهار والورود والنباتات الحاملة لها وهى عملية التلقيح عن طريق نقل حبوب اللقاح إلى أعضاء التأنيث فى الأزهار والورود ، لأن جسم النحلة عليه غطاء كثيف من الشعر الدقيق الذى تلتصق به حبوب اللقاح عند زيارتها للورود والأزهار ، وهنا تتجلى عظمة الخالق المبدع .
- هكذا لا تشاهد النحل خارج خليته إلا باحثا عن الورود والأزهار فإذا عثر على ضالته بطريقته الخاصة ، واطمأن إلى وفرة الرحيق ، قام بزياراته حيث يقطع هذه الرحلة إيابا وذهابا عدة مرات فى الساعة الواحدة دون ملل أو سأم أو كلل ، وما دام الرحيق وفيرا ، فالنحل لا يتوقف ولا يمل زيارة الورود والأزهار لجمع ما يجده من الرحيق الذى يمتصه ويحوله فى جسمه ثم يخرجه عسلا شهيا يضعه فى ثقوب مهيأة يصنعها من الشمع تعده النحل لتخزين العسل بها وتسترها بغطاء رقيق من الشمع حفاظا عليه من التلوث والضياع تحفظه وتحرسه وتفديه بحياتها كأنه وديعة استودعها الخالق للمخلوق .
- وسورة النَّحل سُميت بهذا الإسم لورود ذِكر آية من آيات الإعجاز فى خَلق الله عزَّ وجلَّ ، يقول الحق سُبحانه وتعالى : ﴿ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) ﴾ النحل .
- فإذا تَمعنت أيُها القارىء الكريم فى هذه الآيات الكريمة استطعت أن تَعْلم وتُدرك أنَّ الحق تبارك وتعالى يُوضح كيف أوحى إلى النَّحل وأرشده وعلم جماعة النحل نظم حياته ووسائل معيشتهُ ، ففى خلية النحل تعيش الملكة لكى تضع البيض وتعيش النحلة الحاضنة التى تقوم بدورها فى الحضانة والتربية ، كما تعيش النحلة الحارسة بدور الحراسة والحماية من الغزو الخارجى ، وتقوم النحلة البناءة ببناء الحجرات التى تتربى داخلها الصغار التى تفقس من البيض .
- وأهم عمليات النحل وأخطرها التى تقوم بها أعداد كبيرة من شغالات النحل ، وهى جمع الرحيق من خارج الخلية لتغذية أفراد مجتمعها داخل مستعمرة النحل ، وتأسيساً على ذلك كانت أهم مفردات لغة النحل متعلقة بالتفاهم على جمع الرحيق ، وكان الغرض الرئيسى من هذه اللغة هو إفهام أفراد الشغالات بالمستعمرة بوجود رحيق فى الخارج مع تحديد بعده واتجاهه وكميته .
- هل تَعلم أيها القارئ الكريم أنَّ الحق تبارك وتعالى أوحى إلى هذا المَخلوق الضَّعيف الصغير(النَّحل) وأَلهمَهُ كيف يقوم بِبناء بُيوته على أشكال سُداسية من أضلاع متساوية فى الطول ومُلتصقة بِبعضها البعض لايستطيع أَمْهر المُهندسون بأدقَّ الآلات أن يَتَفوقوا على هذا النَّحل فى بِناء هذه الأشكال.
- هل تَعلم أيها القارئ الكريم كيف ألهم اللهُ تبارك وتعالى النحل أن يَسلُك كلَّ الطُرق للحصول على غِذاءَه وكيف يأكل من كل الثمرات ليتحول بعد ذلك داخل بُطونها إلى شراب مُختلف ألوانه ، منها الأحمر ، والأبيض ، والأصفر ، والأسود ، فيه شِفاء للناس ، وكيف يعرف طريقه فى الذهاب وكيف لايَضل طريقه فى العوده إلى بيوته .
- هل تعلم أيها القارئ الكريم كيف تطير النحلة الشغالة فى أحسن الظروف الجوية والمناخية بسرعة تصل إلى 20 كيلو مترا فى الساعة عند خروجها من الخلية فى الصباح ساعية إلى رزقها ، وتكون أسرع عند عودتها محملة بالرحيق وحبوب اللقاح حيث تبلغ سرعتها حوالى 25 كيلو مترا فى الساعة .
- هل تعلم أيها القارئ الكريم كيف يُولى النَّحل أَمْرهُ إلى نَحلة (هى ملكة النحل) وهى تتميز عن باقى النَّحل بكبر حجمها وطول بطنها وتُعتبر أُمَّ الطائفة تعمل على ربط الشغَّالة وتنظيم العمل بين أفراد الطائفة عن طريق مادة هُرمونية ذات رائحة مميزة . تُؤدى هذه الرائحة على جذب الشغَّالة حول المَلكة تُفرزها من زوج من الغدد ، فهى تَأمر فتُطاع ، نافذة الحكم على بقية النحل (الشغَّالة) فهم يَخدمُونها ويَحملونها عنْد الطيران .
- تأمَّل أيُّها القارىء الكريم أن النَّحل (الشغالة) تُعتبر أقل النَّحل حجماً وأكثرها عدداً ولكنها تتميز بنشاطات ومواهب مُتعددة كما تتميز بالتفانى فى أداء كل الواجبات المُتشعبة اليومية التى تخدم حياة الطائفة ونموها وازدهارها فهى تقوم بِرعاية الحضانة ، وإطعامها ونظافة الخلية والدِّفاع عنها وحِراستها وتَهويتها إذ لايمكن أن تَدخل نحلة من خلية إلى خلية أخرى ، كما تقوم بِجمع الرَّحيق وحبوب اللقاح ، وتقوم بإفراز الشمع لتبنى منه الأقراص الشمعية (الأشكال السداسية) كما أَشرنا منْ قبل وذلك لتخزين العسل وحبوب اللقاح ، كذلك تقوم بِإفراز الغِذاء المَلكى من غُددها البُلعُومية .
- وأثبتت الدراسات الحديثة على العسل إحتوائه على إنزيمات ، وهى مواد عضوية تُساعد على عملية التمثيل الغذائى للأغذية المُختلفة فى جسم الإنسان ، كما أثبتت الدراسات على العسل وجود فيتامينات الثيَامين والرَّيبوفلافين وحامض الفُوليك والبُيوتِين والبَيريدوكسين وفيتامين ك .
- أيضا يُستعمل عسل النَّحل فى تَحْلية محلول اللَّيمون فى الماء الدافئ فى عِلاج الزُكام والسُعال فى الصيف والشتاء ، كشراب لزيادة مناعة الجسم ضد نزلات البرد والإنفلونزا ، كما يُستعمل لعلاج ضعف القلب والدورة الدموية والذبحة الصدرية وتَصلُّب الشرايين .
- كما أثبتت الدراسات أنَّ تَناول عسل النَّحل له تأثير كبير فى مُعالجة تَضخم الكبد والطُحال والصَرع والإكتئاب وشِفاء العديد من الأمراض العقلية ويُساعد على الهضم لإحتوائه على عناصر وإنزيمات تُساعد فى عملية الهضم ، كما يُفيد فى علاج أمراض الجهاز العصبى .
- ومن التقارير الحديثة عن الغذاء المَلكى أنَّ لهُ تأثير فعَّال فى سُرعة النُّمو وتنشيط أعضاء الجسم ، وعِلاج الضَّعف الجنسى للرَّجل والمرأة لإحتوائه على الهِرمونات الجِنسية بِكمية وافرة ، ومن أعظم الآثار التى ظهرت للغذاء الملكى أثره الإيجابى فى علاج الشيخوخة والتهاب البُروستاتا ، كذلك تنظيم ضغط الدم والمساعدة على خفض نسبة الكوليسترول على جدران الأوعية الدموية وعلى خفض سكر الدم .
- كما تبيَّن أثره البَيُلوجى فى زيادة عدد كُرات الدم الحمراء ، كما أنه يُعالج حالات الإرهاق ، والهبوط ، ويُنشِّط الغدد ويعمل على رفع وزيادة كفاءة إنتاج الخلايا من الأحماض النووية مما يُحافظ على نشاطها ومناعتها ، ويُطيل عُمْر الخلية إلى ماشاء الله .
- ولمعرفة تاثير بيئة عسل النحل على حياة البكتيريا قام فريق من الباحثين بعمل تجارب علمية بوضع جراثيم مختلفة على عينات من العسل ، فكانت نتيجة هذه التجارب الحديثة أن ماتت هذه الجراثيم وقضى عليها كلها فى فترة وجيزة من الوقت . إذ ماتت جراثيم حمى التيفود والباراتيفويد بعد 24 ساعة ، وماتت جراثيم التيفوس بعد 48 ساعة ، وماتت جراثيم الإلتهاب الرئوى فى 96 ساعة ، أما الدوسنتاريا فقد قضى عليها بعد 10 ساعات .
- وأعلن الباحثون عن هذه الدراسة أن عسل النحل بيئة غير صالحة لحياة البكتيريا ، تهلك فيه الجراثيم بعد ساعات وذلك بسبب ارتفاع تركيز السكريات فيه ولأنه ذو ضغط اسموزى عال ، وكذلك أنه حمضى التأثير .
- وبالنسبة للمحافظة على جمال حواء فالعسل يعتبر من مصادر الحسن والجمال من قديم الزمان ، وفى الصين واليابان تستعمل المرأة العسل فى عمل محاليل أو عجائن وأقنعة مع مسحوق اللوز وبذور الخوخ والمشمش لتنعيم بشرة الأيدى . كما يعمل من العسل قناعا للوجه والرقبة لتنعيم بشرة الوجه وإزالة التجاعيد منها ، وما زال هذا القناع يعمل حتى الآن لمعاونة حواء على الحفاظ على جمالها ونضارتها وشبابها .
- ويستعمل العسل الطازج من الناحية الغذائية والدوائية بتناوله على صور مختلفة يسهل امتصاص مكوناته ووصولها إلى مجرى الدم حيث تتغذى بها خلايا الجسم وأنسجته المختلفة . فكثير من الناس تتناول العسل فى صورة " ساندوتش " مع الزبد أو يحلى به شراب الليمون أو الشاى أو اللبن أو الزبادى أو يستعمل بدلا من سكر القصب الضار بالصحة .
- كما يعالج المرضى الذين يعانون من الحمى الروماتزمية وعرق النسا وروماتيزم المفاصل والعضلات بطريقة لسع النحل حيث يوضع النحل الحى على الجزء من الجسم المخصص والمختار لعملية اللدغ .
- وما زال الطب الشعبى يصف عسل النحل لعلاج الجهاز العصبى والإضطرابات العصبية بشرب كوب ماء دافىء مذاب فيه ملعقة من العسل إذا أخذت قبل النوم سببت النوم الهادىء والأحلام الجميلة ، وأحيانا يؤخذ العسل مع الزبادى فى وجبة العشاء .
- خلاصة القول أن عسل النَّحل حين يتناوله الإنسان يَسرى فى أعماق العروق والشرايين ويطرد العِلل والسموم من مَكامنها ولايستقيم معه فى البدن داء ، لأنه ينشِّط أجهزة المناعة فى جسم الإنسان ، ويجعلها فى درجة عالية من النشاط لتقاوم الميكروبات والفيروسات والفطريات التى تهاجم الجسم مما يحافظ على صحة الإنسان ومناعته وقوته وشبابه .لذلك قيل عنه أنه لاغنى للإنسان عنه ، وقِيل عنه أنه اكسير الشفاء من كل داء وقالوا عنه اكسير الشباب الدائم .
- وهكذا صَدَق قولُ الحقَّ تبارك وتعالى: ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) ﴾ . غير أنَّ الإسراف فى إستعمال الغذاء الملكى يَأْتى بنتائج عكسية ، قال الحقُّ تبارك وتعالى : ﴿.. كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) ﴾ الأعراف .
- العسل فى السُّنَّة النبوية :
- جاء فى السنة النبوية أن النبى ﷺ كان يشرب العسل بالماء على الريق . فعن ابن عباس (رضى الله عنهما ) عن النبى ﷺ قال : "الشفاء فى ثلاثة : شربة عسل ، وشرطة محجم ، وكية نار؛ وأنهى أمتى عن الكى" رواه البخارى .
- ومعنى شربة عسل أى مذابة فى الماء كما ورد عن النبى ﷺ ؛ وقد ثبت علميا أن العسل المخفف بنسبة 9 إلى 11% (أى إذابة ملعقة كبيرة من العسل فى كوب من الماء ) أقوى تأثيرا فى القضاء على البكتيريا والفطريات من العسل المركز .
- وعن ابن مسعود (رضى الله عنه) قال : قال رسول الله ﷺ : "عليكم بالشفاءين : العسل والقرآن" رواه ابن ماجه فى سننه .
- وعن أبى هريرة (رضى الله عنه) قال : قال رسول الله ﷺ : "من لعق العسل ثلاث غدوات كل شهر ، لم يصبه عظيم البلاء " رواه ابن ماجه .
- وعن عائشة (رضى الله عنها) قالت : "كان رسول الله ﷺ يحب العسل والحلواء" رواه البخارى .
- وعن أبى سعيد الخدرى قال : جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال : إنَّ أخى استطلق بطنه ، فقال رسول الله ﷺ : "اسْقِه العسل فسقاه ثم جاءه فقال : إنى سقيته عسلا فلم يزده إلا استطلاقا فقال له ثلاث مرات ثم جاء الرابعة فقال : اسْقِه العَسَل فقال لقد سقيته فلم يزده إلا استطلاقا فقال رسول الله ﷺ : صدق الله وكذب بطن اخيك ؛ فسقاه فبرا " . صحيح البخارى .
- ومعن استطلق أى أصيب بالإسهال الشديد .. وتكرار جرعات العسل ليس دليلا على عدم تحقق الشفاء به فإن تكرار الجرعات أمر معروف فى أغلب الأدوية لأن لكل داء جرعات من الدواء لابد منها حتى يؤثر وتظهر نتائجه .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛