من هدى النبى ﷺ | الحُــبُّ فى الله والمُتحابُّون على مَنَابر منْ نُور يوم القِيَامة

 الحُـــــــبُّ فِـــى الله 


  • الحب فى الله أن تُحب أخاً لك فى الله ليس بينك وبينه قرابة ، ولا نسب ، ولا مصلحة ، ولا عمل فهذا أقدس أنواع الحب ، أمَّا إذا كان دافع الحب وجود مصلحة فهو قائم ما قامت المصلحة ، فإذا تلاشت المصلحة تلاشى الحب ؛ فما جزاء الحب فى الله ، يبشر نبينا صلى الله عليه وسلم المتحابون فى جلال الله فيقول :
{1}  إِنَّ  لله  تَعَالَى  جُلَسَاءَ  يَوَمَ  القِيَامَةِ  عَنْ  يَمِينِ  العَرْشِ  ـــ  وَكِلْتَا  يَدَىِ  الله  يَمِينٌ  ـــ  عَلَى  مَنَابِرَ مِنْ  نُورٍ ،  وُجُوهُهُمْ  مِنْ   نُورٍ ،  لَيْسُوا  بِأَنْبِيَاءَ  ،  وَلاَ  شُهَدَاءَ  ،  وَلاَ  صِدِّيقِينَ  .  قِيلَ :  مَنْ  هُمْ  ؟  قَالَ :  هُمُ  المُتَحَابُّونَ  بِجَلَالِ  الله  تَبَارَكَ  وتَعَالَى  ..  المُتَحَابُّونَ  بِجَلالِ  الله  تَبَارَكَ  وَتَعَالَى .    رواه الإمام أحمد عن ابن عباس (رضى الله عنهما) .
  • الحديث يتكلَّم عن مَقام يوم القيامة ، وهو أعلى مقامٍ ، ألا وهو الحب فى الله .. وقد أكَّد الرسول   على حصول هذا المقام للمُتحابين بجلال الله  تبارك وتعالى بذكرهم فى هذا الحديث مرتين .. فأَىُّ جاه هذا ، وأىُّ شرف هذا : أن يجلس الإنسان عن يمين مَلكِ المُلوك فى يوم خوف وفَزَع .. يوم فضيحة وخِزْى وعار .. ليس فى يوم احتفال أو فى يوم فرح ، إنَّه يومٍ : النَّاجى فيه ناج إلى الأبد ، والهالك فيه هالك إلى الأبد .
  • ذلك اليوم تُوضع فيه الأنساب .. ولا يسأل حميمٌ حميما .. ولكل امرئ شأن يغنيه ..   وهؤلاء الجلساء عن يمين العرش .. واليمين من اليُمن والبركة .. والله تبارك وتعالى مُنَزَّه عن الإختصاص بالجهات ، ولذلك قيل : " وكلتا يَدَى الله يمين " .. فكأن الجلساء فى مكانة واحدة ، ودرجة واحدة من علو المنزلة .. وهم " على مَنَابِر مِنْ نور" أى مكان عال مرتفع ، يراهم أهل الموقف جميعًا .. وجوههم مُضيئة بنور لا يُدانيه نور ، ولا يمكن أن يُوصف .
  • لذلك أول ما يخيل للإنسان ويتبادر فى زهنه على أن هذه المكانة الرفيعة لابد أن تكون للأنبياء والصديقين والشهداء .. ولكن النبى   ينفى هذا ، مما دفع الصحابة للسؤال عن هؤلاء الذين نالوا هذه الدرجة ، والمكانة التى تفوق خيال أى إنسان .. ولكنه   يُخبرهم بأنهم : " المُتَحابُّون بِجَلال الله .." ويُكررها مرتين للتأكيد .. وقد يتساءل الإنسان عن حساب هؤلاء : كيف يكون ؟  وعن هذه المكانة : لأى مدى تطول ؟ فيجيب النبى ﷺ عن هذه التساؤلات فيقول :
{2}  إِنَّ  لله  عِبَادًا  يُجْلِسُهُمْ  يَوْمَ  القِيَامَةِ  عَلَى  مَنَابِرَ مِنْ  نُورٍ ،  يَغْشَى  وُجُوهَهُمُ  النُّورُ ،  حَتىَّ  يَفْرَغَ  مِنْ  حِسَابِ  الخَلاَئِقِ .   رواه الطبرانىُّ بإسناد جيد عن أبى أُمامة (رضى الله عنه) .
  • هذا الحديث يُبين أنَّ الجالسين على منابر من نور آمنون من الحساب فى يوم طوله خمسون ألف سنة .. الناس كُلُّهم فى وَجَل ، وفَزَع .. يَغمرهم العَرَق .. فمنهم غارق إلى كَعْبَيْه ، ومنهم غارق إلى رُكْبتيه ، ومنهم غارق إلى كَتِفَيه .. وهكذا .. لا يدرى هل يُعْطَى كتابه بيمينه ، أم بشماله ، أم من وراء ظهره ؟ وهل ترجح كفة الحسنات ، أم كفة السيئات ؟ 
  • كل ذلك وهؤلاء المتحابون بجلال الله  فى مقام الأمن والأمان ، على منابر من نور ، مستظلون بِظل العرش ، حيث لا ظل فى ذلك اليوم إِلاَّ ظل العرش ، وحيث تقترب الشمس من الرءؤس ، ويتمنى الخلائق لو يَنصرفون من هذا الموقف ولو إلى النار .. يبين ذلك قول النبى صلى الله عليه وسلم :
{3}  قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ : المُتَحَابُّونَ  بِجَلاَلِى فِى ظِلِّ عَرْشِى  يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلِّى .    رواه الإمام أحمد فى مسنده عن العرباض (رضى الله عنه) .
  • ويُبين لنا هذا الحديث أن هؤلاء المتحابون بجلال الله يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة ، أى يتمنون لو كان لهم هذا المقام .. فأى مكانة هذه ؟ وأى مقام هذا الذى يتمناه الأنبياء والشهداء ؟ إنه مقام المتحابون بنور الله  وجلاله على غير أرحام  بينهم  ولا أنساب .. فقد كان حُبهم خالصًا لوجه الله الكريم دون غرض ، أو مصلحة ، أو حاجة ، أو قرابة ، أو نسب ، أو انتظار نفع ، أو خوف ضُرٍّ ، إنه الحُب الذى يجعل صاحبه لا يخاف إذا خاف الناس ، ولا يحزن إذا حزن الناس ، فيقول النبى صلى الله عليه وسلم :
{4}  إِنَّ مِنْ عِبَادِ  الله  لَأُنَاسًا  مَاهُمْ  بِأَنْبِيَاءَ  وَلا  شُهَداءَ  ،  يغْبِطُهُمُ  الأَنْبِياءُ  وَالشُّهدَاءُ  يَوْمَ  القِيَامَةِ  بِمَكانِهِمْ  مِنَ  الله  .  قاَلُوا :  فَخبِّرْنا  مَنْ  هُمْ  ؟  قَالَ : هُمْ  قَوْمٌ  تَحَابُّوا  بِنُورِ  الله  ،  مِنْ  غَيْرِ  أَرْحَامِ ،  وَلاَ  أَنْسَابِ  ،  وُجُوهُهُمْ  نُورٌ ،  عَلَى  مَنَابِرَ  مِنْ   نُورٍ ،  لاَ  يَخَافُونَ  إِذَا  خَافَ  النَّاسُ ، وَلاَ  يَحْزَنُونَ  إِذَا  حَزِنَ  النَّاسُ ،  ثُمَّ  قَرَأَ  : ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)    يونس ..   رواه النسائىُّ وابن حِبَّان عن أبى هريرة (رضى الله عنه) .
  • يَتضح من هذا الحديث أن هؤلاء الْعِبَاد ليسوا بأنبياء ولا شهداء ، ولكنهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون .. الذين تولاهم الله برعايته ، وعنايته ، وهدايته ، وتوفيقه .. فقد كان الله هو مقصدهم الأَسْمى ، وغايتهم العُظمى فى كل ما يأتون ويَذرون .. فأحبوا فى الله ، وبـ الله ، ولله  فأحبهم  الله  تبارك وتعالى ، لنقاء وصفاء سرائرهم ، وخلوص نياتهم ، وطهارة قلوبهم من : الغش ، والحقد ، والحسد ، والغل ، والبغض ، والكراهية .. يتناصحون فى الله ، ويجتمعون فى الله ، ويتباذلون فى الله ، ويتزاورون فى الله .. ويؤكد لك قول النبى صلى الله عليه وسلم  
{5}  قَالَ الله  تَعَالَى : حَقَّتْ  مَحَبَّتِى  لِلْمُتَحَابِّينَ  فِىَّ ، وَحَقَّتْ  مَحَبَّتِى  لِلْمُتَوَاصِلِينَ  فِىَّ ، وَحَقَّتْ  مَحَبَّتِى  لِلْمُتَنَاصِحِينَ  فىَّ  ،  وَحَقَّتْ  مَحَبَّتِى  لِلْمُتَزَاوِرِينَ  فىَّ ،  وَحَقَّتْ  مَحَبَّتِى  لِلْمُتَبَاذِلِينَ  فىَّ  .. هُمْ  عَلَى  مَنَابِرَ مِنْ  نُورٍ  يَغْبِطُهُمْ  بِمَكَانِهِمُ  النَّبِيُّونَ  وَالصِّدِّيقُونَ  والشُّهَدَاءُ .    رواه ابن حِبَّان والطبرانىُّ والحاكم عن عُبادة بنُ الصامت (رضى الله عنه) .
  • كلمة حقَّت : أى ثبتت ودامت إلى الأبد ..  هذا الفضل العظيم دخل فيه كل من أحب فى الله ، ونصح لوجه الله ، وبذل من : ماله ، أو علمه ، أو جاهه لله  دون إنتظار أجر أو مقابل من مخلوق .. وكذلك كانت علاقته بالناس : لا هدف لها إِلا رضاء الله عزَّ وجلَّ ، دون النظر إلى أى غرض دنيوى ، أو نفع عاجل .. فالأرض يُطرح عليها كل قبيح ، ولا تنبت إلا كل مليح .. والشمس تبعث الدفء ، وتبث ضياءها دون مقابل .. وكذلك القمر يحدد لنا أوائل الشهور .. والنجوم تهدى الناس فى ظلمات البَرِّ والبحر .. والسحاب يمطر بالجود والخير فتحيا البلاد .
  • هكذا نِعَمْ الوجود كلها تُعطى وتَمْنَح طاعةً لله عزَّ وجلَّ دون إنتظار مكافأة أو مقابل .. وهكذا كان من جاء ذكرهم بالحديث فاستحقوا محبة الله عزَّ وجلَّ .. ونالوا تلك المكانة العالية والمنزلة الرفيعة التى يغبطهم عليها النبيون والصديقون والشهداء .
                                    ؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛                                           
     المرجع / من مجامع الكلم
     للشيخ  / ياسين رشدى