من هدى النبى ﷺ | ظُلُمــاتُ يوم القيامة شأنها خطير
ظُلُمَـاتُ يَـوْم القيـامَةِ
- التحذير هنا من الشُّح والبُخْل وبيان أنه إذا فشا فى المجتمع فهو علامة الهلاك ، لأنه من أسباب الظلم والبغى والعدوان وسفك الدماء ، والظلم ظلمات يوم القيامة تعن أنه لا يستثنى أحداً من الناس ، ويَعْظم الوعيد ويشتد على من استغل قُوَّتَهُ أو مكانته أو سُلطته فى ظُلم العباد ، انظر كيف كانت نهاية فرعون حين تَجبَّر وطغى ، وقصة ثمود وما حل بهم .
- وللظلم نوعان مُهْلكان : أولها ظلم الإنسان نفسه بأن يعرضها للهلاك والعذاب بسبب ظلمه ، وأشد أنواع ظلم الإنسان نفسه وأعظمه الشرك بالله ، ومن صور ظلم النفس ترك الفرائض والواجبات ، وارتكاب المُحرَّمات والمنهيَّات كترك الصلاة وعقوق الوالدين وخيانة الأمانة ، وثانى أنواع الظلم ظُلم الإنسان لغيره من عباد الله ، سواء كان المظلوم مسلمًا أو كافرًا ، بارًا أو فاجرًا، صغيرًا أو كبيرًا .
- فظُلم العباد من أكل أموال الناس ، وأكل مال اليتيم بغير حق ، وأخذها ظُلماً بالتعدى والإستطالة على الضعفاء من أسرع مُوجبات الهلاك والخراب للأمم والمجتمعات . لذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :
- الحديث يُحذر منْ الظُّلم ، والشُّح .. وقد حرَّم الله تبارك وتعالى الظُّلم على نَفْسِه ، وهو الذى لا يُسأل عما يَفعل .. ولا يُتصور من الله ظُلم أصلًا ، ومع ذلك نفى الله تعالى عن نفسه إرادة الظلم فقال : ﴿.. وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ (31) ﴾ غافر .. وظُلُمات الدنيا أمرها هيِّن ، أما ظُلمات يوم القيامة فشأنها خطير ، إذ الصراط منصوب على حافتى جهنَّم ، وهى سوداء مُظْلِمة ، ولا يتمكَّن من المرورعليها إلا من كان له نور، يقول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم .. (12) ﴾ الحديد .
- كذلك نرى أن الحديث قد جمع بين الظلم والشُّح ، وكأن الشح سبب رئيسى للظلم ، إذ يحمل صاحبه على سفك الدماء ، واستحلال المحارم لتحصيل المال لا يبالى من أى طريق ، ومنع الحق عن مستحقيه ضنًّا بما عنده .. والظُّلم درجات ، وأعلى درجات الظلم الشرك بـ الله ، قال عزَّ وجلَّ : ﴿ .. إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) ﴾ لقمان .
- ثم تتفاوت درجات الظُّلم بين العباد بحسب وضع الظالم ، وبحسب ما اغتصب من حقوق الغير .. فلو كان الظالم ذا منصب ، أو ذا جاه ، أو يتولى أمر من أمور الناس كثرت مظالمه لهم ، واستبداده لهم ، والرسول ﷺ يُحذر أولى الأمر من هذه المظالم ، ويدعو على من ظلم منهم :
{2} اللَّهُمَّ مَنْ وَلِىَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئًا فَشََّق عَلَيْهِمْ ، فَاشْقُقْ عَلَيْهِ ، وَمَنْ وَلِىَ مَنْ أَمْر أُمَّتِى شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ ، فَارْفُقْ بِهِ . رواه مُسلم والنسائىُّ عن عائشة (رضى الله عنها) .
- دُعَاء النبى ﷺ مُسْتَجاب .. فكل من أتعب من بيده أمرهم أو مصالحهم ولم يُيسِّر لهم مطالبهم ويُسهِّلْ لهم الحصول على حقوقهم دعا النبى ﷺ عليه أن يَشُقَّ الله عليه : فى حياته ، وفى حِسابه يوم القيامة ، فتتعطَّل مصالحه فى الدنيا ، ويُصاب فى : أولاده ، وصِحَّته ، وتتعسَّر أموره ، ثم يلقى حِسابًا عَسيرًا يوم القيامة ولا يتجاوز الله عنه ..
- أما إذا رَفق بالناس ، وسهَّل لهم أمورهم ، وحوائجهم ، ويسَّر لهم الحصول على مطالبهم ، دعا النبى ﷺ له أن يُيسِّر الله له أموره فى الدنيا ، ويقضى له حاجته ، ويُحاسبه الله يوم القيامة حسابًا يسيرًا .. فإن البِرَّ لا يبلى ، والذنب لا يُنسى ، والدَّيَّان لا يموت ، وكما تَدين تُدان .. وأخطر درجات الظلم بين العباد هو سفك الدماء بغير حق . ويبين النبى ﷺ خطورة القتل فى الحديثين التاليين :
{3} لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى الله مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمِ . رواه مُسلم والترمذىُّ والنسائىُّ عن ابن عَمْرِ(رضى الله عنهما) .
{4} لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ الله مِنْ قَتْلِ مُؤْمِنِ بِغَيرِ حَقٍ . رواه ابن ماجة عن البَرَاء (رضى الله عنه) .
- فإذا كان زَوال الدنيا بما فيها من : بحار ، وأنهار ، وجبال ، وأودِيَة ، وأشجار ، ونجوم ، وكواكب .. وما إلى ذلك .. أهون عند الله من قتل مُسْلِم أو مؤمن بغير حق فلا شك أن عُقوبة القاتل تفوق أى عذاب ، والأخطر من ذلك أن باب التوبة مُغلق أمام قاتل المؤمن بغير حق مع أن الله يغفر الذنوب جميعًا غير الشرك ، ومن تاب يتوب الله عليه لقوله عزَّ وجلَّ : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ .. (48) ﴾ النساء .. ولكنه عزَّ وجلَّ يقول أيضا : ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93) ﴾ النساء .
- قد سأل رجل السَّيِّدة رابعة العدوية ، هل لو تُبت يَتوب الله علىَّ ؟ قالت : لا بلْ لو تَاب الله عَليك لتُبت ثم قرأت : ﴿ .. ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا .. (118) ﴾ التوبة .. إذًا لكى يتوب العبد لا بد أن يوفِّقه الله للتوبة أولاً .. وقاتل المؤمن لا يُوفَّق للتوبة أبدا ، لقول النبى صلى الله عليه وسلم :
{5} أَبَى الله أَنْ يَجْعَلَ لِقَاتِلِ المُؤْمِنِ تَوْبَةً . رواه الطبرانىُّ عن أنس (رضى الله عنه) .
- كلمة (أبَى ) تفيد الإِمتناع عنْ الفعل مع القدرة عليه .. وبذلك لا يكون هناك تعارض : فمن تَاب يَتُوب الله عليه ، ولكن كيف يتوب العبد ما لم يُوفقه الله للتوبة ؟ هذا وكل مشارك فى قتل مسلم بغير حق عليه نفس الوِِزْر .. بل ويحذِّر النبى ﷺ من يستطيع أن يدفع الظُلم عن المظلوم ولا يفعل أن تصيبه اللعنة :
{6} لا يَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ مَوْقِفًا يُقْتَلُ فِيهِ رَجُلٌ ظُلْمًا ، فِإِنَّ اللَّعْنَةَ تَنْزِلُ عَلَى كُلِّ مَنْ حَضَرَ حِينَ لَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ ، وَلاَ يَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ مَوْقِفًا يُضْرَبُ فِيهِ رَجُلٌ ظُلْمًا ، فَإِنَّ اللَّعْنَةَ تَنْزِلُ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ حِينَ لَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ . رواه الطبرانىُّ والبيهقىُّ عن ابن عباس (رضى الله عنهما) .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
المرجع / من مجامع الكلم
للشيخ / ياسين رشدى
للشيخ / ياسين رشدى