من هدى النبى ﷺ | الأَملُ فى رَحْمَة الله وحُسْنُ ظنُّ العَبْد بِربه
الأَمَـلُ فى رَحْمَة الله
- الأحاديث التالية تشير إلى فتح باب الأمل والرجاء للتائبين بعد الزلل والوقوع فى المعاصى ، وعدم اليأس من رحمة الله تعالى . فإن الأمل هو حسن ظن العباد بربهم ، ونور الحياة الذى ينير القلوب ، ويُنشط الأبدان ، ويُعلى الهِمم ، ويُعين الناس على مشقات الحياة . يقول النبى صلى الله عليه وسلم فى الأحاديث التالية :
{2} " لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ الله بِكُمْ ، وَلَجَاءَ بِقَوْمِ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ الله فَيَغْفِرُ لَهُمْ " . رواه مُسلم عن أبى هريرة ( رضى الله عنه) .
{3} " لَوْلاَ أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ لَخَلَقَ الله خَلْقًا يُذْنِبُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ " . رواه مُسلم عن أبى أيوب (رضى الله عنه) .
- هذه الأحاديث تدعوا الإنسان إلى الأمل فى رحمة الله وسعته وغفرانه ، فلا شك أن الانسان كثيرًا ما يقع فى المعاصى ، والذنوب ، والتقصير فى طاعة الله ، ولقد خُلق الانسان ضعيفًا كما جاء فى قول الحق تبارك وتعالى : ﴿ ... وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا (28) ﴾ النساء . كما ذكر القرآن الكريم أوصافًا عديدة للإنسان نذكر منها :
- التَّعَجل فى الأُمور: ﴿ خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ ۚ ... (37) ﴾ الانبياء. ﴿ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا (11) ﴾ الاسراء .
- الظُّلم والجهل : ﴿ ... وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) ﴾ الأحزاب .
- الكفر بالنعمة : ﴿ ... إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ (66) ﴾ الحج . ﴿ ... وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) ﴾ ابراهيم .
- هذه هى طبيعة الإنسان ، العجله فى أموره ، الظلم ، الجهل ، فالعِصْمة للأنبياء فقط ، ولكن الذنوب تتفاوت بين كبائر مهلكة وصغائر ، فالكبائر المهلكة مثل : الشرك بالله ، وعقوق الوالدين ، وشهادة الزور .. والصغائر مثل : النظر إلى المرأة الأجنبية ، الغش فى البيع ، الحقد والحسد ، السَّب والشتم ، الغِيبَة والنَّمِيمَة ، وما إلى ذلك .. والذين يجتنبون الكبائر يقول فيهم الله تبارك وتعالى : ﴿ إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا (31) ﴾ النساء .. كما أن من العباد من يقع فى الذنب فيتنبًّه ويستغفر ، ويشير القرآن إلى هؤلاء فى قول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) ﴾ آل عمران .
- ومن العباد من تتداركه رحمة الله عزَّ وجلَّ فيتنبه قبل أن يقع فى المعصية كما فى قول الحق تبارك وتعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ (201) ﴾ الأعراف .
- ومن العباد من يُذنب ولا ينتبه لذنوبه ، ولا يُبالى بها .. هؤلاء قد أوكلهم الله إلى أنفسهم ، نسوا الله فأنساهم أنفسهم .. لذلك يجب على الإنسان الذى يقع فى الخطأ أن يسارع بالإستغفار والتوبة ولا ييأس من رحمة الله أبدًا ، لأن الوقوع فى الخطأ أمر لابد وأن يحدث ، نظرًا لطبيعة الإنسان أنه خَطَّاء ، ولو لم يُخطئ العبد فيستغفر فيغفر الله له لتعطلت صفة الغفران .. والله تبارك وتعالى يقول عن نفسه : ﴿ غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ ... (3) ﴾ غافر . ويقول أيضا : ﴿ ... إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43) ﴾ النساء . ويقول أيضا : ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ (82) ﴾ طه .
- لذلك نجد الناس على أشكال شتى ، فمنهم المجتنبون للكبائر ، ومنهم المجتنبون للصغائر ، ومنهم المسارعون بالتوبة والإستغفار ، ومنهم المُؤخرون للتوبة ، ومنهم الغافلون عن الإستغفار ، فباب التوبة مفتوح على مصراعيه مهما بلغت وتعددت الذنوب والخطايا ، يبين ذلك الأحاديث التالية :
{5} " مَنْ تَابَ إِلَى الله قَبْلَ أَنْ يُغَرْغِرَ قَبِلَ الله مِنْهُ " . رواه الحاكم عن أحد الصحابة (رضى الله عنهم) .
{6} " مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسَ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ الله عَلَيْهِ " . رواه مُسلم عن أبى هريرة (رضى الله عنه) .
- هذه الأحاديث تدعوا إلى المُسارعة فى التوبة ، ولا يُسَوِّف الإنسان ويُؤجل توبته لأنه لا يدرى متى يأتيه الموت ، فقد يأتى الموت فجأة ودون إنتظار ، وأن باب التوبة سوف يُغلق عندما تطلع الشمس من مغربها ، وهى من العلامات الكبرى لقيام الساعة ، وأول ما يلقاه العبد الذى لم يوفق للتوبة قبل موته هو فِتْنة القبر وعذابه الذى يشير إليه الحديث التالى :
{7} " لَوْلاَ أَنْ لاَ تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ الله أَنْ يُسْمِعَكُمْ عَذَابَ الْقَبْرِ " . رواه مُسلم عن أنس (رضى الله عنه) .
- هذا الحديث خطير جدًا ، إعلم أيها الأخ المسلم أنَّ الناس لو سمعوا ما يحدث فى القبور ما اجترأ أحد من الناس على دفن أحد من إخوانه ، لأن عذاب القبر أخطر من كل ما يتصوره الإنسان .. وصراخ المعذبين فى قبورهم يسمعه كل ما على الأرض ما عدا الثقلين : الإنس والجن .. والآيات التالية تدل على عذاب القبر فى قول الحق تبارك وتعالى : ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46) ﴾ غافر .. وكذلك قول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا ۙ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50) ﴾ الأنفال .
- حين يموت الإنسان ويُدفن وتُسوَّى عليه الأرض يفاجأ بأنه قد استيقظ وأُجْلِسَ ، وأمامه مَلَكَانِ يَسألانه : مَنْ ربُّك ؟ ما دينُك ؟ ماذا كُنت تقول فى الرَّجُل الذى جاء فيكم - يقصدان النبى ﷺ دون أن يذكر اسمه - فمن ثبَّته الله عزَّ وجلَّ يُلهمه الإجابة الصحيحة فيقول : ربِّىَ الله ، ودينى الإسلام ، والرجل هو رسول الله ﷺ أتانا بالحق والهُدى فَصدَّقْنَاه واتَّبعْنَاه .. فتقول الملائكة : نم آمنًا ، قد عَلِمْنَا إنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا ..
- أما إن كانت الدنيا كل همِّه ، ولها سعى ، ومن أجلها عمل .. فيفاجأ بِظُلْمَة القبر التى لا تَعْدلُها ظُلمة ، وبِالمَلَكَيْن يسألانه فيخاف ويرتعد ويتلعثم ولا يُلْهم الإجابة ، وإنما يقول : سَمِعْتُ الناسَ يَقُولون شيئا فقلتُ كما يَقُولونَ .. فتضربه الملائكة ضربةً يصرُخ منه صرخة يسمعها كل ما على الأرض إلا الثقلين ، ويُضَيَّق عليه القبر حتى تَختَلِف أضلاعه ..
- لذلك خاف النبى ﷺ أن يسأل الله أن يُسْمِعَنَا عذاب القبر حتى لا نمتنع عن دَفْن موتانا ، ولكنه ﷺ أخبرنا عنه ، وحذَّرَنا منه ، فالكَيِّس مَنْ دَانَ نَفْسَه وعمل لما بعد الموت .. والعاجز من أتبع نَفْسَه هواها ، وتمنى على الله الأمانى .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛