أَبـُـو هُـرَيـْـرَةَ الدَّوْسِــىُّ (رضى الله عنه)
شَـــيْخُ المـــحدِّثين
هو شيخ المحدثين أَبُو هُريرة الدوسى الأزدى اليمامى من دوس بن عدنان ، الصحابى الذى له فضل عظيم على الإسلام والمسلمين ، أسلم فى السنة السابعة من الهجرة ، هاجر إلى المدينة المنورة قبل غزوة (خيبر) حيث شهدها مع الرسول ﷺ ، كان إسمه فى الجاهلية "عبد شمس" فسماه النبى ﷺ عبد الرحمن . هو الصحابى الجليل الذى صحب رسول الله ﷺ أربع سنوات فقط ، يقول عن نفسه : نشأت يتيمًا ، وهاجرت مسكينًا ، وكنت أجيرًا لبشرة بنت غزوان بطعام بطنى ، أخدمهم إذا نزلوا ، وأحدوا لهم إذا ركبوا ، وها أنذا وقد زوجنيها الله ، فالحمد لله الذى جعل الدين قوامًا وجعلنى إمامًا ، وكان أَبُو هُريرة يربط الحجر على بطنه من شدة الجوع ويعتصر كبده بيديه ويتلوى حتى يسقط فى المسجد من ألم الجوع .
يقول أَبُو هُريرة : وأَيْمُ الله لولا آيةٌ فِى كِتابِ الله مَا حَدَّثتُكُمْ بِشَىء ، ثم تلا قول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) ﴾ البقرة .. فقد روى عنه أكثر من ثمانمائة رجل ما بين صاحب وتابع ، وما من مسلم على وجه الأرض إلا ويعرفه .. وما من عالم إلا ويحفظ من علمه ..
يقول (رضى الله عنه) : صاحبت رسول الله ﷺ على ملء بطنى ، وقال : لقد علم أصحاب محمد ﷺ أنى أكثرهم حِفظًا لحديث رسول الله إلا ما كان لعبد الله بن عمرو بن العاص فقد كان يكتب ولا أكتب ، وروى الكثير من أحاديث رسول الله ﷺ . ويقول أبو هريرة : قال رسول الله ﷺ : منْ بَسَطَ ثوبه وسَمع منى حديثًا ، فلن يَنساه ، فَبَسطْتُ ثوبى حتى فرغ رسول الله ﷺ من حديثه ثم ضَمَمْتُه إلىَّ فوالله ما نَسِيتُ شيئًا مما حدثنا به رسول الله ﷺ بعد .
يروى قصة إسلامه وإسلام أمه فيقول : هاجرت إلى رسول الله ﷺ ، وفى الطريق قلت : ياليلة طالت وطال عناؤها إلا إنها من جارت الكفر ندَّتْ ، ودخلت على النبى ﷺ وبايعته وكان معى غلام ابتعته فى الطريق ، وحينما جلست مع رسول الله ﷺ طلع علينا الغلام ، فقال رسول الله ﷺ : "يا أبا هريرة هذا غلامك" فقلت : يا رسول الله هو لوجه الله فأعتقته . ثم يقول : ذهبت يومًا إلى رسول الله ﷺ وأنا أبكى وقلت : يا رسول الله كنت أدعو أم أبى هريرة للإسلام فتأبى علىَّ ، وكنت اليوم أدعوها ، فأسمعتنى فيك ما أكره ، فادعو الله يا رسول الله أن يهدى أم أبى هريرة ، فقال النبى ﷺ : "اللَّهم أهدى أم أبى هريرة للإسلام" فخرجت مسرعًا من عند رسول الله ﷺ كى أبشرها بدعاء النبى ﷺ لها ، فذهبت فوجدت الباب مغلقًا وسَمِعَتْ أمى خشخشة نعلى فقالت : مَكَانك يا أبَا هُرَيْرَة ، وسَمَعْتُ خضخضة الماء ، ثم تعجَّلت أمى ولبست درعها وفتحت الباب وهى تقول : أَشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن مُحَمَّدًا رسولُ الله .. ثم يقول : توجهت إلى رسول الله ﷺ ودخلت عليه وأنا أبكى من الفرح ، كما دخلت عليه وأنا أبكى من الحزن فقلت : يارَسُولَ الله أَبْشِر لقد أجَابَ الله دَعْوَتكَ وهَدَى أُمَّ أبا هُرَيْرة للإسلام . ويطلب أبو هريرة من النبى ﷺ أن يدعوا له ولأمه ، فيدعوا له النبى ﷺ قائلا : اللَّهمَّ حَبِّب عَبْدك هذا وأُمَّه إلى كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنةٍ .
تدور الأيام ويوليه عمر بن الخطاب إمارة البحرين ، ويفتح الله عليه ، ويتسع رزقه ، ويجتمع له شىء من المال ، ويعلم عُمر بذلك ، فيرسل إليه يستدعيه على عَجَل ، يصل أبو هريرة ويفاجئه أمير المؤمنين عُمر بقوله : يا عَدُوَّ الله ، ويا عَدُوَّ كِتابه ، سَرَقْتَ مَالَ الله ؟ .. فقال أبو هريرة : والله ما أَنا بِعدُوِّ الله ولا بِعدُوِّ كِتَابه ، وما أنا بالذى يَسْرقُ مَالَ الله .. فقال عُمر : إذًا، فَمِنْ أَيْنَ اجْتَمعَ لك هذا المَالُ ؟ .. فقال : خَيْلٌ لى تَناسَلتْ ، وعطَايَا تَلاحَقَتْ . فقال عُمر : إذًا فادْفَعْها إلى بَيْتِ المَال .. فدفع أبو هريرة كُلَّ مَالهِ إلى بيت المال ، ثم رفع يديه إلى السماء وقال : اللَّهمَّ اغْفِرْ لأمِيرِ المُؤْمِنينَ .
- أبو هريرة وزهده فى الدنيا
يمكث أَبو هريرة بالمدينة فقيرًا مسكينًا يُقَسِّم الليل ثلاثة أقسام بينه وبين زوجته وابنته ، وكان يُحدِّث عن رسول الله ﷺ ، ويُعَلِّم الناس .. وتمضى الأيام .. ويرسل عُمر إليه يعرض عليه الإمارة مرة أخرى ، فيرفض ، وعندما سأله عُمر عن سبب رفضه .. قال : يا أمير المؤمنين كى لا يُشْتم عِرْضِى ، ويُضْرب ظَهْرى ، وأخَافُ أن أقْضِى بغير عِلْم ، وأن أقول بِغيْر حِلْمٍ ، يتركه عُمر ، ويتفرغ لرواية أحاديث النبى ﷺ عاملًا بقوله : "نَضَّر الله رجلًا سمع منَّا شيئا فَبَلَّغه كمَا سِمَعهُ ، فرب مُبلِّغ أوعى من سَامع" .
سُئل يومًا : لم كُنيت بأبى هريرة ؟ فقال : كنت صغيرا فى أهلى ، وكانت لى هِرة صغيرة ، وكنت إذا جاء الليل وضعتها فى شجرة حتى إذا أصبح الصباح ذهبت فأخذتها ولعبت بها ، فسميت أبو هريرة ، فاشتهر هذا الصحابى الجليل بهذه الكنية .. لذلك ما من مسلم على وجه الأرض إلا ويعرفه .. وما من عالم إلا ويحفظ من علمه (رضى الله عنه وأرضاه ) .
ومما رواه أبو هريرة (رضى الله عنه) عن رسول الله ﷺ قوله : "مَن نَفَّسَ عَن مُؤْمنٍ كُرْبةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا ، نفَّسَ الله عَنْهُ كُرْبةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامةِ ، ومَنْ يَسَّر عَلى مُعْسرٍ يَسَّرَ الله عَلَيهِ فِى الدُّنيَا والآخِرَةِ ، ومَنْ سَترَ مُسْلِمًا سَتَرهُ الله فِى الدُّنْيَا والآخِرةِ ، وَالله فى عَونِ العَبْدِ مَا كان العَبْدُ فِى عَونِ أَخِيه ، ومَنْ سَلكَ طَريقًا يَلْتَمسُ فِيه عِلْمًا سَهَّل الله لهُ بِه طَريقًا إلَى الجَنَّة . وما اجْتَمع قَومٌ فى بَيْتٍ منْ بُيُوتِ الله تَعَالى ، يَتلُونَ كِتابَ الله ويَتَدارسُونَهُ بَينَهُم إلاَّ نَزلَتْ عَليْهِم السَّكِينةُ ، وغَشَيتهُمُ الرَّحْمةُ ، وحَفَّتهُمُ المَلائكةُ ، وذَكَرَهمُ الله فِيمَنْ عِندَهُ . ومَنْ بَطَّأ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ" .
بلغ أبو هريرة الثانية والسبعين من عمره ، وحان الأجل ، ويستعد للقاء الله عزَّ وجلَّ بقوله : اللَّهم إنِّى أُحبُّ لِقَاءَكَ ، فَأَحبَّ لِقَائى .. وتصعد روحه الطاهرة إلى بارئها ، ويُدفن بالبقيع إلى جوار أصحاب النبى ﷺ ، قال عنه أبو سلمة : عدت أبا هريرة فسندته إلى صدرى ، ثم قلت : اللهمَّ اشف أبا هريرة ، فقال : "اللَّهُم لا ترجعها " ، ثم قال : إن استطعت يا أبا سلمة أن تموت فمت ، فقلت : يا أبا هريرة إنا نحب الحياة ، فقال : "وَالَّذى نَفسُ أَبَى هُرَيْرة بِيَدِه ليَأْتِيَنَّ عَلَى العُلَمَاء زَمَانٌ المَوتُ أَحبُّ إِلَى أَحَدِهمُ مِن الذَّهبِ الأَحْمَرِ ، ليَأْتِيَنَّ أحَدَكُم قَبْر أَخِيه فَيَقُولُ : لَيْتَنى مَكَانَهُ" .
تظل صحيفة حسناته (رضى الله عنه) مفتوحة يدَوَّن فيها قول كُلِّ عالم أو راوٍ للأحاديث : عن أبى هريرة (رضى الله عنه) . اللهم إنا نسألك أن تتقبل من أبى هريرة روايته لحديث رسول الله ﷺ وأن تجزيه عنَّا وعن أمة الإسلام خير ما جزيت به مبلغا عن رسول وصحابيا لرسولك وخير ما جزيت به عالمًا عن علمه ومُعلمًا عن تعليمه .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛