من هدى النبى ﷺ | السَّتْر فى الدَّاريْن من أَجلِّ نِعم الله تبارك وتعالى على عَبْدهِ المُؤْمن
السَّـتْـر فِـى الـدَّارَيْـنِ
- إنَّ نعم الله تبارك وتعالى على الناس لا تعد ولا تحصى ، ولكن نعمة الستر لا يشعر بها إلا عباد الله المؤمنين ، ويقول الرسول ﷺ : " لا يستر عبد عبداً فى الدنيا إلا سَترهُ الله يوم القِيامة " رواه مسلم . حيث جعل الله عزَّ وجلَّ جزاء الستر فى الدنيا أعظم منه فى الآخرة ، فإن الحق تبارك وتعالى يستر العبد فى موقف هو أشد ما يكون احتياجًا إلى الستر والعفو حين تجتمع الخلائق للعرض والحساب .
- والشقاء كل الشقاء فى المعصية ، وفى البُعد عن منهج القرآن ، فإن القرآن منهج للحياة لتحيى به القلوب وتسعد به الأرواح ، نعيش بالقرآن ، ونتعلم بالقرآن ، ونربى أولادنا على القرآن ، ونتعامل فيما بيننا بالقرآن ، وإذا ما خالفناه كان الشقاء والبوار . نجد سبب غرق قوم نوح المعصية والإعراض عن منهج الله ، سبب إغراق فرعون وجنوده المعصية ، خراب البيوت سببه المعصية ؛ نسبة الطلاق وأطفال الشوارع التى كثرت وتزايدت سببه المعصية والبُعد عن منهج الله . يقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم :
- مِنْ أَجَلِّ نِعَم الله على عبده المُؤمن هى نِعْمَةِ السَّتْر .. فما من عبد - مهما كان صلاحه - إِلا ولهُ أخطاء وزَلاَّت ، فكل ابن آدم خطَّاء ، وخَيرُ الخطَّائين التوَّابون ، وسَتْر الله لعبده المؤمن فى الدنيا علامة على سَتْرَهُ فى الآخرة .. والحديث يُوضِّح لنا ذلك وهو يُشير فى مضمونه إلى وجوب الاستتار بستر الله .. فلا يصِحُّ لمن أَذْنبَ وستَرَه الله أن يُصْبِح فَيحدِّث الناس بمعصيته كاشفًا لستر الله عليه ..
- كما أن الحديث رغم ما فيه من بُشرى للمُؤْمَن إِلا أنَّه دعوة للحياء من الله عزَّ وجلَّ ؛ إذ لو تخيَّل الإنسان ذنُوبه وأعماله القبيحة التى لو اطلَع عليها الناس لَلَفَظُوه من مجتمعهم ، ولتَجَنَّبوه ، واحتقرُوه .. فكيف يواجه بها الخالق سبحانه وتعالى فَيذكِّرهُ بها ، ويُقرِّرهُ بها ، وقد نسيها هو ولم يغفل عنها العليم الخبير .. فالبِرُّ لا يَبْلَى ، والذَّنب لا يُنْسَى ، والديَّان لا يموت .. فَعَلى المُؤمن أَن يتنبَّه لمضمون الحديث فَيُقْلِع عن ذنوبه التى يستحى أن يُواجه بها الناس فضلاً عن أنْ يواجه بها الله .. وعليه أن يداوم على الإستغفار والنَّدم حتى تُمْحى هذه السيئات من صحائفه قبل أن يُفَاجئه الموت .
- كما أن يوم القيامة فيه من الفَزَع والهَلَع ما لا يمكن وصفه ؛ فإذا أُضيف لذلك تعديد ذنوبه ومعاصيه بين يدى الجَبَّار ، ومُواجهته بها حتى يَتَيقَّن من الهلاك .. كان الموقف أَخطر وأَفظع من أنْ يُحْتَمل .. نعم يأْتِيه الإطمئنان بعد ذلك بأن يُعْطى كِتاب حسناته بيمينه إلا أنَّ هول الموقف يَستدعى التنبُّه واليَقظة وعدم الغَفْلَة .. فكلَّما حدثته نَفْسُه بِمعصية تذكَّر عِتاب الله له ووقوفه بين يديه ، وعَرْض ذنوبه عليه ؛ فيمتنع عنْ الوقوع فى الصغائر قبل الكبائر .
- أمَّا الذين استتروا فى الدنيا عن الناس بِنِفاَقِهم ، وبأثواب الزُّور ، فهؤلاء يُفْضَحون يوم القيامة على رءوس الخلائق والعياذ بـ الله وتشهد عليهم الكَتَبَة ، والحَفَظَة .. بل وتشهد عليهم جوارحهم بما ارتكبوه فتكون الفضيحة الكبرى التى تعقبها اللعنة وهى الطرد من رحمة الله عزَّ وجلَّ .
- أمَّا الكافر فَيَودُّ يومئذ لو يَفْتَدى نَفْسَه بأُمه وأَبيه ، وصاحبته وبَنِيه ، ومَنْ فى الأرض جميعًا ثم يُنْجِيه بل لو كان له ما فى الأرض جميعًا ومِثْلَه معه لأفْتَدى به من عذاب يوم القيامة ويُبين النبى صلى الله عليه وسلم موقف الكافر فيقول :
- فإذا كان هذا موقف أَهْوَن أهل النَّار عذابًا فكيف يكون موقف أَشدُّهم عذابًا ؟! ويبيِّن الحديث أنَّ الله يُذكِّر هذا الإنسان بموقف قد نَسِيَهُ : ألا وهو مَوقف الإِقْرار فى عالم الذَّرِّ الذى يُشير إليه الحق تبارك وتعالى فى القرآن : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) ﴾ الأعراف .
- هكذا يتَّضِح أنَّ كَلِمَة التوحيد هى حَبْل النَّجاة .. من أجلها خُلِقَت السماوات والأرض ، ومِنْ أَجلها أُرْسِلَت الرُّسُل ، وأُنْزِلت الكتب .. وقد اقتضت رحمة المَولى عزَّ وجلَّ أن لا يُخَلَّد فى النار مُوحِّد .. فهو القائل : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا (48) ﴾ النساء .
- فكل من مَات لا يُشرك بـ الله شيئا فهو بين أمرين : إِما أن تُغْفَر له ذنوبُه وتزيد حسناته عن سيئاته ، وإِمَّا أنْ يَدخل النَّار استيفاء للحقوق ثم تتداركه الرحمة فيخرج منها ويدخل الجنَّة ، ولكنه لايُخَلَّد فى النار أبدًا .. ذلك بشرط أن تكون كلمة التوحيد إقرار باللسان ، واعتقاد بالجَنَانِ ، وأن يموت عليها إِذْ قد يُفْتَن عند الموت ، ولا ينطق بها لأن التثبيت من الله تبارك وتعالى القائل : ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27) ﴾ إبراهيم .
- وعليه فلا يجب أن يغترَّ المسلم بإسلامه دون أن يعمل به ؛ فقد يُسْتَدْرَج من حيث لا يَعْلَم .. وقد خرج أناس من الدنيا ولا حَسنَةً لهم يقولون : نُحْسِن الظن بـ الله .. وقد كذبوا .. فلو أَحْسَنوا الظن لأَحْسَنوا العمل .. ويُبشِّر النبى ﷺ الموحِّدين الذين ماتوا على كلمة التوحيد فكانت آخر ما نطقوا به فيقول صلى الله عليه وسلم :
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
المرجع/مجامع الكلم
للداعية الإسلامى/ياسين رشدى