من هدى النبى ﷺ | رِضَا الله لِمَنْ أرْضاه وصَبر على البَلاء كَفَاه الله النَّاس

 رِضَــا الله لِمَنْ أَرْضَــاه  


  • يجب على العبد أن يعلم أن الرضا بقسمة الله ، وقضائه الواقع عليه واجب شرعًا ، وعليه أن يصبر لحكم الله تبارك وتعالى ، وينظر فى حكمته ، ويستيقن أن الله سبحانه وتعالى ما وضع شيئًا غير موضع إلا وله حكمة من وراء ذلك ، وأن المؤمن مهما أصابه من مكروه عليه أن يدرك أن الصبر مفتاح التيسير والفرج ، وأنه يجلب له الخير الكثير ، ولا يستعجل حكمة الله من وراء هذا البلاء ، فقد يكون من وراء هذا البلاء منحة عظيمة للعبد وهو لا يدرى .
  • من أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية المشهورة يقول : " ماذا يصنع أعدائى بى ، أنا جنتى وبستانى فى صدرى ، أنَّى رحلت فهى معى لا تفارقنى ، أنا حبسى خلوة ، وقتلى شهادة ، وإخراجى من بلدى سياحة ". وعلى العبد أن يعلم أن الرزق بيد الله ، وأن السعادة تكون فى الرضا والقناعة .
  • أيها الأخ الكريم ، رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ما ترك خيرًا إلا دلنا عليه ، ولا شرًا إلا حذرنا منه ، وفى كلمات بسيطة ، واسلوب بليغ يبين لنا معاملة الناس ومعايشتهم حيث يقول النبى صلى الله عليه وسلم :
{1}  مَنْ  أَسْخَطَ  الله  فِى  رِضَا  النَّاسِ ، سَخِطَ  الله  عَلَيْهِ ، وَأَسْخَطَ  عَلَيْهِ  مَنْ أَرْضَاهُ  فِى  سَخَطِهِ ، وَمَنْ  أَرْضَى الله فِى  سَخَطِ  النَّاسِ ، رَضِىَ  الله عَنْهُ ، وَأَرْضَى عَنْهُ  مَنْ أَسْخَطَهُ  فِى  رِضَاهُ ؛ حتَّى  يُزَيِّنَهُ  وَيُزَيِّنَ  قَوْلَهُ  وَعَمَلَهُ  فِى  عَيْنَيْهِ .    رواه الطَّبرَانىُّ ذكره الحافظ المنذرى فى الترغيب والترهيب عن ابن عباس (رضى الله عنهما) .
  • هذا الحديث يُبيِّن الخيار الصعب عند بعض الناس .. وهو الخيار الذى يُخْطئ فيه الكثير منهم ؛ فيؤثرون رِضا الناس على رضا الله ، وهم غافلون عن أنَّ : رِضَاءَ الخَلْقِ مِنْ الأُمُورِ الَّتِى لا تُدْرَك ، وأنَّ حُبَّ النَّاسِ لَيْسَ عَلاَمَةً عَلَى حُبِّ الله ، وأَنَّ مَنْ أَحَبَّه كُلُّ النَّاسِ كَان مُنَافِقًا ، ومَنْ كَرِهَهُ كُلُّ النَّاسِ كَانَ فَاجِرًا .. ومَا مِنْ إنسانٍ إلا وله مُحِبٌ ومُبْغِضٌ .. فالصَّالِحُ يُحِبُّهُ الصّالِحُون ، ويُبْغِضُهُ الفاسِقُون ، والفَاسِقُ يُحِبُّه مَنْ هُمْ عَلَى شَاكِلَتِهِ ويَكْرَهُ فِعْلَهُ الطَّائِعُونَ .. 
  • لذلك نجد اهتمام الإنسان بإرضاء الناس أمر مطلوب ، بشرط : أن لا يتعارض ذلك مع رضا الله عزَّ وجلَّ .. فإن غفل الإنسان عن ذلك ، وجعل كل هَمِّه واهتمامه هو إرضاء الناس بِغضِّ النَّظر عمَّا إذا كان ذلك فى رضا الحق تبارك وتعالى أو سخطه ، فقد هلك وضاع وبَاءَ بِسخط الجبَّار ، الذى يُقَلِّبُ القلوب والأبصار ، وتخلَّى عنه الله وأَوْكَلَهُ إلى الناس الذين أرضاهم فى سخطه ، ولم يَظْفر بِرضا الناس بل بَاءَ بسخطهم واحتقارهم .. وصدق رسول الله  حيث يقول :

{2}  مَنْ  أَرْضَى  الله  بِسَـخِطِ  النَّاسِ  كَفَاهُ  الله  مَؤُونَةَ النَّاسِ ،  وَمَنْ  التَمَسَ  رِضَا  النَّاسِ  بِسَـخطِ  الله  وَكَلَهُ  الله  إلى النَّاسِ .    رواه ابن حِبَّان ، ذكره السيوطىُّ فى جامعه عن عَائِشَةَ (رضى الله عنها) . أمثلة على ذلك نراها كثيرة من حولنا
  1. فالعَالِم الذى لا يتكلّم بما يَجِبُ أنْ يُقَال ، وإنِّما بما يُحِبُّ أن يَسْمَعَهُ الناس .
  2. المرأة التى تخرج مُتَزيِّنَة عَارية كاسية كى تنال إِعجاب مَنْ يَراها .
  3. الذى يُطْلِق النِّكات ليُضْحِكَ جُلَسَاءَهُ .
  4. الذى يُجارى الناس فى اغتياب الآخرين .
  5. الذى يَتَملَّق الرُّؤساء والحُكَّام ويُداهِنهم ويُزَيِّنُ لهم أعمالهم .
  6. الذى يشهد زورًا ليجامل قريبًا أو صديقًا .

  • كل هؤلاء مُعرَّضون لِسخط الله وغَضبه .. وكذلك سخط مَنْ حاولوا إرضاءهم بإسخاط الله عزَّ وجلَّ .. والنَّبُّى   يُبين لنا طريق الحقِّ والصَّواب والفلاح .. فإن كان اهتمامك هو إرضاء الله عزَّ وجلَّ ـــ مهما سخط عليك الناس ـــ فُزْتَ بِرضَاه ، وأرضى هو عنك الناس الذين أَسخطهم فى رضاه ، وقَذَفَ حُبَّكَ فى قلوبهم ، وزَيَّنَ فى نظرهم عملك الذى أسخطهم ـــ فرأوه حسنًا جميلاً .. فهو سبحانه قادر على كل شىء ، وقلوب العباد بين إصبعيه يُقلِّبُها كيف يشاء ، ويقذف فيها ما يشاء .
  • ولعل فى قصة سيدنا مُوسى (عليه السلام) ما يُؤَكِّدُ أنَّ حُبَّ الناس وبُغضهم بِيَد الله عزَّ وجلَّ .. فقد كان فِرعَونُ يَخشى على مُلْكهِ من وليدٍ لبنى إسرائيل ، يزول مُلْكُه على يَدَيْهِ ، فَأَمر بقتل كل ذَكَرٍ يُولَدُ لهم ، ومع ذلك حين جاءوه بوليدٍ فى صندوقٍ وجدوه يطفو على الماء ، ووقع نظره عليه ، وكذلك نظر امرأته قالت : ﴿ .. قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ .. (9) ﴾ القصص  .. فاستكان فرعون لذلك ، بل الأَغرب من هذا أنَّه أمر بالتماس المراضع له ، ولم يَمل أو ييأس كُلَّما رفض الوَلِيدُ مرضعًا ، حتى وجد مَنْ يَقْبَلُها الرَّضيع .. ومن الطبيعى أنه فَرضَ لها أجرًا على ذلك ، وأكرمها ، وأطعمها ؛ وكساها كى تَهْتمَّ بالرضيع ، وتكون أهلا لإرضاعه .. 
  • دارت الأيام ، والوليد يَشُبُّ فى قصر فِرعون مُحاطًا بالرعاية والعناية بدليل قول فرعون له حين جاءه برسالة ربِّه كما يحكى القرآن : ﴿ .. أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) ﴾ الشعراء .. والسرُّ فى كل ذلك أنَّ الله تبارك وتعالى قد ألقى مَحَبَّة موسى (عليه السلام) فى كل قلب من يراه حيث قال له عزَّ وجلَّ : ﴿ .. وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي (39) ﴾ طه .. فكان كل مَنْ تقع عيناه عليه يُحِبُّه .. بدءًا ممن وجد الصُّندوق ، وانتهاءًا بفرعون الذى نَسِىَ حذره من وليد بنى إسرائيل ، وقرر أنْ يتَّخذه ولدًا .
  • هكذا نرى أنَّ حُبَّ الناس أو بُغْضَ الناس بِيَدِ الله تبارك وتعالى الذى إليه يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّه .. وأنَّ مَنْ أحبَّه الله أحبَّتْه الدنيا بأسْرِها بما فيها وما عليها ، بل وأَحبَّته ملائكة الرَّحمن فى الملأ الأعلى ، ومَنْ أَبْغَضهُ الله أَبغضه كل شىء فى الوجود ، وصَدَقَ رسول الله ﷺ حيث يؤكد ذلك بقوله

{3}  إِنَّ  الله  تَعَالَى  إِذَا  أَحَبَّ  عَبْدًا  دَعَا  جِبْرِيلَ  فَقَالَ : إِنِّى  أُحِبُّ  فُلانًا  فَأَحِبَّهُ ؛  فَيُحِبُّهُ  جِبْريلُ ، ثُم  يُنَادِى فِى السَّمَاءِ  فَيَقُولُ : إِنَّ  الله  يُحِبُّ  فُلانًا  فَأَحِبُّوهُ ؛  فَيُحِبُّهُ  أَهْلُ  السَّمَاءِ ؛  ثُمَّ  يُوضَعُ  لَهُ  القَبُولُ  فِى الأَرْضِ .. وَإِذَا  أَبْغَضَ  عَبْدًا  دَعَا  جِبْرِيلَ  فَقَالَ : إِنِّى  أُبْغِضُ  فُلانًا  فَأَبْغِضْهُ ؛  فَيُبْغِضُهُ  جِبْرِيلُ ،  ثُمَّ  يُنَادِى  فِى  أَهْلِ  السَّمَاءِ : إِنَّ  الله يُبْغِضُ فُلانًا  فَأَبْغِضُوهُ  ؛  فَيُبْغِضُونَهُ ؛ ثُمَّ  تُوضَعُ  لَهُ  البَغْضَاءُ  فِى الأَرْضِ رواه البخارىُّ ومُسْلِمٌ عن أبى هُرَيْرَة (رضى الله عنه) وانفرد مُسْلِمٌ بهذه الرواية .

                                ؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛