من هدى النبى ﷺ | فَضْل مجالس العِلْم والذِّكر لإحياء القُلوب وتَزْكية النفُوس
فَضـْـلُ مَجَـالِس العِلْمِ والذِّكْــرِ
- خَيْر أعمال المسلمين وأزكاها ، وأطهرها وأعلاها ، وأشرفها قدرًا عنده هو ذكر الله عزَّ وجلَّ ، فخير عمل يعمله المسلم وأزكاه أن يذكر ربه ومولاه ، فالذكر خير ما يكتسب من القربات ، وأولى ما ترفع به الدرجات ، وهو أفضل من الصدقات ، ويعدل الجهاد فى سبيل الله . لذلك كانت مجالس الذكر أفضل من بقية مجالس الناس ، فهى بحق رياض كرياض الجنَّة فى هذه الحياة ؛ كما روى عن النبى ﷺ أنه قال : " إِذَا مَررتُم بِرياض الجنَّة فارتعوا ، قالوا : ومَا رياض الجنَّة ؟ قال : حَلق الذِّكر ".
- مجالس ذكر الله فيها حياة القلوب ، وزيادة الإيمان ، وزكاة النفوس ، وسبيل السعادة والفلاح فى الدنيا والآخرة ، وهى مجالس تتنزل على أهلها السكينة ، وتغشاهم الرحمة ، وتحفهم الملائكة ، ويذكرهم الله فيمن عنده ، كما أنها مجالس يغفر الله لأهلها ذنوبهم ، ويعفوا عنهم ويتوب عليهم .
- ومن فضائل هذه المجالس الطيبة المباركة أن يبدل الله سيئات أصحابها ، تكرمًا منه عليهم ، وثوابًا منه لهم على حضورهم هذه المجالس وحلق الذكر فى المساجد ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :
{1} إِنَّ لله تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَلاَئِكةً سَيَّارَةً فُضَلاَءَ ، يَبْتَغُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ ، فَإذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتىَّ يَمْلأُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ ، فَإذَا تَفَرَّقُوا ؛ عَرَجُوا وَصَعَدوا إِلَى السَّمَاءِ ؛ فَيَسْأَلُهُمْ الله عَزَّوَجلَّ ــ وَهُوَ أَعْلَمُ ــ مِنْ أَيْنَ جِئْتُم ؟ فَيَقُولُون : جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادِكَ فِى الأَرْضِ يُسَـبِّحُونَك ، ويُكَبِّـرُونَكَ ، ويُهَلِّلُـونَكَ ، وَيَحْمَدُونَكَ ، وَيَسْأَلُونَكَ . قَالَ : فَمَا يَسْأَلُونِى ؟ قَالُوا : يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ .. قَالَ : وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِى ؟ قَالُوا : لا يَارَبِّ .. قَالَ : وَكَيْـفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِى ؟!. قَالُــوا : وَيَسْتَجِيرُونَكَ .. قَالَ : وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونِى ؟ قَالُوا : مِنْ نَارِكَ . قَالَ : وَهَلْ رَأَوْا نَارِى ؟ قَالُوا لاَ يَارَبِّ .. قَالُوا : وَيَسْتَغْفِرُونَكَ . فَيَقُولُ : قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ ، وَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا ، وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَــارُوا فَيَقُولُونَ : رَبِّ ، فِيهِمْ فُلاَنٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ .. فَيَقُولُ : وَلَهُ قَدْ غَفَْرتُ ؛ هُمُ القوْمُ لاَ يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُم . رواه البخارى ومسلم ك : الذكر والدعاء والتوبة والإستغفار عن أبى هُرَيرة (رضى الله عنه) .
- الحديث يتكلَّم عن مجالس الذكر التى أفاء الله تبارك وتعالى فيها على عباده الذاكرين الذين جلسوها بـ الله وفى الله ولله .. هذه المجالس هى من فضل الله عزَّ وجلَّ عليهم .. إذ هو الذى خلق المكان الذى يجلسون فيه ، وهو الذى أَلَّف بين قلوبهم وجمعهم لغير غرض إِلاَّ لِذِكْره .. فإذا جلس قوم يتدارسون القرآن ويحفظونه فهو ذكر .. وإن جلسوا يتدارسون حديث رسول الله ﷺ فهو مجلس ذكر ، وإن اجتمعوا للصلاة فهو ذكر لأن الله تبارك وتعالى يقول : ﴿ .. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) ﴾ طه .. وإذا اجتمعوا لدراسة الفِقه فهو ذكر .. وكل ذلك من فضل الله عليهم .. والفضل الأكبر والأعظم هو القبول .. ولكن كيف يأتى القبول ؟ ..
- لقد خلق الله تبارك وتعالى أنواعًا من الملائكة ذوى أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وثُلاث ورُباع ، ويزيد فى الخلق ما يشاء .. وخلق لهم واجبات : فمنهم حملةُ العرش ، ومنهم ملائكة الرحمة ، وملائكة العذاب ، ومنهم الحَفَظَة والكَتَبَة ، ومنهم ملائكة سَيَّارة مُهمتهم البحث عن مجالس الذكر ، وحضورها .. وهذه المجالس قد قدر الله أن يكون لها نور يُرَى فى السماء .. كما تُرَى النجوم فى الأرض .. فعندما ترى الملائكة السَّيَّارة هذا النور تعرف مكان المجلس فتتوجه إليه وتَتنزَّل على أهله ، ويحفُّ بعضهم بعضًا بأجنحتهم حتى يملأوا المسافة بين المجلس والسَّماء التى تبعد عنَّا بملايين السنين الضوئية ؛ مما يُشير إلى كثرة عددهم حول مجالس الذكر .
- تظل الملائكة على هذا الحال حتى يَنفضَّ المجلس ، فيعرجون إلى السماء ، فيسألهم رب العزة جلَّ وعلا ــ وهو أعلم بهم ــ أين كانوا ؟ فيخبرون بالمجلس وبأهله ، ويذكرون أسماءهم .. فتصبح هذه الأسماء مَعْرُوفة فى الملأ الأعلى وإنْ كانت مَجهولة فى الأرض .. وكأن الله تبارك وتعالى يريد أن يَمُنَّ عليهم ، ويتفضَّل عليهم ، ويُشهد الملأ الأعلى على ذلك العطاء ، فيسألهم عما يفعل هؤلاء الجالسون ، وماذا يريدون ؟ فتأتى الإجابة بأنهم يُريدُون الجنَّة .. رغم أنهم لم يروها ، ولكنهم آمنوا بها .. ويفعلون ما يفعلون من أجلها .. ويستجيرون من النَّار .. أى يلجأون إلى جوار رب العزة ليغيثهم من النَّار التى لم يروها ، ولكنهم صدَّقوا بوجودها .. ويستغفرون الله عزَّ وجلَّ من خطاياهم ، ومَعَاصِيهم ، وتقصيرهم .. فتأتى الإستجابة الفورية من الرحمن الرحيم ، ويُجيب قائلاً : " قد غَفَرْتُ لهم وأَعْطَيْتُهُمْ ما سَألُوا وأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا " ..
- كذلك يتضح من هذا الحديث أنَّ هذا العطاء الربَّانى يتحقق من مجرد مجلس واحد .. لأن الحق تبارك وتعالى إذا قَالَ صدق : ﴿ .. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122) ﴾ النساء .. فطالما قال : " قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ " فقد غَفَرَ ما كان ، وما يكون ، وأعطاهم ما سألوا ، وأجارهم مما استجاروا ، وهذا قرار أزلى ، وخبر من الله عزَّ وجلَّ لا يقبل النقض ولا الإختلاف .. ولكن هذا لا يعنى أنْ يقوم العبد من مجلس الذكر فيفعل ما بدا له فيغفر له .. وإِنَّما يعنى أن الله تبارك وتعالى سوف يَعصِمُه بلُطْفِهِ ، ويُبَاعد بينه وبين المَعاصى بفضل هذا المجلس وبركته .. ولإبراز فضل وبركة الذاكرين الله .
- كما يشير الحديث إلى أنَّ الملائكة تعود فتستدرك وتقول : ياربِّ ، فيهم فلان ــ ويذكرون اسمه أيضًا ــ عبد خطًّاء يقترف المعاصى ، ويقع فى الخطأ كثيرًا وقد جلس معهم مصادفة وعن غير قصد .. فيجيب الحق تبارك وتعالى بأنَّه قد غفر لهذا العبد أيضًا ببركة من جلس معهم .. فأى مقام لهؤلاء الذاكرين عند الله ؟! وأى فضل لذكر الله عزَّ وجلَّ ؟ ذلك الفضل الذى بسببه يُرْفع الشقاء عن الجالس معهم ، ويُغفر له .. ولو كان جلوسه هذا عن غير قصد !!!
- بالمقابل .. فكل مجلس لا يُذكر فيه الله عزَّ وجلَّ قد يُسأل عنه الجالسون ، ويصبح وِزْرًا ونَدَمًا ؛ لقول النبى صلى الله عليه وسلم :
{2} مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا الله تَعَالَى فِيهِ ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ ، إِلاَّ كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً ، فَإِن شَاءَ عَذَّبَهُمْ ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ . رواه الترمذى ك : الدعوات ، عن أبى هريرة (رضى الله عنه) .
- يشير الحديث إلى أن كل مجلس لا يُذكر فيه الله عزَّ وجلَّ يكون عُرْضَةً للمُؤَاخذة والعقاب ومثارًا للنَّدم والحسرة على الجالسين فيه ، ولو كان كلامهم فى المباح وليس المحذور .. فإن شاء الله غَفَرَ ، وإن شاء عاقب .. ولما كانت المجالس لا تخلو من مجلس مجاملة ، أو مجلس لَهْوٍ برىء ، أو مجلس عَمل ، أو مجلس تبحث فيه أمور الدنيا المباحة .. ولا يأتى فى هذه المجالس ذكر الله أو أمر بمعروف ، أو نهى عن منكر .. عَلَّمَنَا رسول الله ﷺ ــ رحمة بنا ــ كلمات إذا قِيلَتْ بعد انتهاء هذه المجالس غُفِرَ لقائلها ما كان من تقصير ، وَرُفِعَ عنه العِتَاب والمُؤاخذة .. حيث قالت السَّيِّدة عَائشة (رضى الله عنها) :
{3} كَانَ رسول الله ﷺ لا يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ إِلاَّ قَالَ : " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبِّى وَبَحَمْدِكَ ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ " ، وَقَالَ : لاَ يَقُولُهُنَّ أَحَدٌ حَيْثُ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ ، إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ مِنْهُ فِى ذَلِكَ المَجْلِسِ . رواه الحَاكِمُ عن عائشة (رضى الله عنها) والحديث صحيح كما ورد فى كتاب (صحيح الكلم الطيب للألبانى) . ولإستحباب الإجتماع على القراءة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
{4} ومَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِى بَيْتٍ مِنْ بُيوتِ الله يَتْلُونَ كِتَاب الله ، ويَتَدارسُونَهُ بَيْنَهُم ، إِلاَّ نَزَلتْ عليْهم السَّكَينَة ، وغَشِيَتهُمْ الرَّحْمَة ، وحَفَّتْهُم الملائِكَةُ ، وذَكَرهُم الله فِيمَن عِنْدَه . رواه مسلم عن أبى هريرة (رضى الله عنه) .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛