هل تعلم؟ | الغَـضَـــــــــبُ من أمراض القَـلْـب وهو شهوة محلها القلب

  الغَضَـــــــــــــــبُ 

{من أمراض القلب}

ماهو الغضب ؟
  • الغَضَبُ شهوة محلها القلب ، وهى تعنى غليان الدم فيه ، وحين تثور هذه الشهوة ويغلى الدم فى القلب ، ويندفع إلى العروق صاعدًا إلى أعالى البدن .. والسبب فى ذلك أن الغضب مخلوق من النار ، والنار شأنها التلظِّى والإستعار والإتجاه إلى أعلى .. وقد عُجِنَت هذه النار بالطين الذى هو أساس خلق الإنسان حتى يتمكن الجسم من احتمالها .. وعند اندفاع الدم إلى أعالى البدن يَحْمَرُّ الوجه ، وتنتفخ الأودَاج ، وتَحْمر العينان .. ونجد أن الإنسان إذا غضب وهو جالس قام ، وإذا غضب وهو قائم اندفع .. وهكذا .. 
  • وقد بين النبى  ذلك ، وشرح العلاج بقوله : " إِنَّ الغَضَبَ جَمْرَةٌ تَوَقَّدُ فِى القَلْبِ .. أَلَمْ تَرَوْا إلى انْتِفَاخِ أَوداجِهِ ، وحُمْرَةِ عَيْنَيْهِ ، فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيئًا : فَإِنْ كَانَ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ ، وإِنْ كَانَ جَالِسًا فَلْيَنَمْ فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ عَنْهُ الغَضَبُ فَلْيَتَوَضَّأْ بِالْمَاءِ البَارِدِ ، أَوْ يَغْتَسِل ؛ فَإِنَّ النَّارَ لا يُطْفِئُهَا إِلاَّ المَاءُ " ..  رواه الترمذى عن أبى سعيد (رضى الله عنه) ، والبيهقى فى الشُّعَب .
  • وقال الإمام الغزالى رحمه الله تعالى عن أسباب الغضب فى كتاب (إحياء علوم الدين)  " ومن أشد البواعث عليه عند أكثر الجهال : تسميتهم الغضب شجاعة ورجولية وعزة نفس وكبر همة " .
والغَضب لهُ ثلاث حالات :

  1. أنْ يكون الغضب على من هو دون الغاضب ، ويستطيع أن يُنفذ غضبه فيه .. وفى هذه الحالة ينبسط الدم ويتم توزيعه على سائر الأعضاء ، فتخف حُمرة العينين ، وتبدأ مظاهر الغضب فى الإنحسار والتلاشى . 
  2. أن يكون الغضب على من هو أعلى منه ، ولا يملك أو لا يستطيع أن ينتقم منه .. وفى هذه الحالة يأخذ الدم فى الإنقباض والإرتداد إلى القلب محدثًا فيه الكَمَدَ ، والحُزْن ، والغَيْظ ، وينقلب احمرار الوجه إلى اصفرار ، وترتعد الأطراف ، ويكسو الشفاه لون أزرق ، وقد يصاب القلب نتيجة لذلك بأضرار صحية جسيمة . 
  3. أن يكون الغضب على من هو نِد له أو مساو له .. وفى هذه الحالة يكون الغاضب فى شك من استطاعته الإنتصار ، أو انفاذ غضبه ، فيتردد الدم بين الانقباض والانبساط  فيحمر الوجه تارة ، ويصفر تارة أخرى .

درجات النَّاس فى قوة الغَضَبِ ثلاثة :
  • {الأولى} التَّفْـــرِيطويكون ذلك بأن تَضعف هذه الشهوة عن الحد المطلوب لها وتنكسر حدتها ، وذلك أمر محظور ؛ لأنه يؤدى إلى نتائج سلبية منها :

  1. انعدام الحِمْية والغِيرة مما يؤدى إلى اختلاط الأنساب وقد قال أحد الحكماء : كل أُمة ضَاع الغَضب من رجالها ضاعت الصيانة من نِسائها .. ويقول النبى  :  " إنَّ سَعْدًا لَغَيُّورٌ ، وَأَنَا أَغْيَرُ مِنْ سَعْدٍ ، وإِِنَّ الله أَغْيرُ مِنِّى"..   رواه مسلم (فتح البارى)
  2. انعدام الشعور بالغضب عند رُؤية المُنْكرفلا يكون هناك غضب لله ، ولا سعى لتغيير المنكر ، فينتشر الفساد فى الأرض ، ويستشرى المنكر حيث لا راد له ولا رادع .. والحق تبارك وتعالى يقول﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ .. (73)   التوبة .. ويقول فى مجال الثناء على المؤمنين﴿ .. أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ .. (29)  الفتح .. مما يعنى أن الغضب واجب فى حدود مُعينة ؛ ذلك أن الغِلْظَة والشِّدة من آثار قوة الحِمية التى هى الغضب .
  3. عدم إقامة حدود الله التى يبعث عليها الغضب من انتهاك حرماته ، والله تعالى يقول﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ .. (2)   النور . 
  4. يصبح الإنسان خسيسًا يرضى بالذل والضيم ولا يثور لكرامته ويجترئ عليه اللئام ، حيث يقول الإِمام الشَّافِعىُّ : مَنْ اسْتُغْضِبَ فلم يَغْضَبْ فهو حِمَار ، ومَنْ اسْتُرضِىَ فلم يرضَ فهو شيطان .
  5. تتحكم شهوة البطن وشهوة الفرج فى الإنسانذلك أن من وظائف شهوة الغضب أن يغضب الإنسان على نفسه إذا ارتكب محظورًا ؛ فيسلط شهوة الغضب على سائر الشهوات فتكبح جماحها .

  • {الثانية} الاعْتــِـدَالويكون ذلك بإخضاع شهوة الغضب للعقل والدين دون تجاوزبحيث تنبعث حين يكون الغضب مطلوبًا ، وبالقدر المطلوب له ، وتسكن حين يكون الحِلْمُ مطلوبًا .. أى تثور عند الحاجة وتسكن عند الضرورة ؛ فتؤدى المطلوب منها دون إفراط أو تفريط .

  • {الثالثة} الإِفْـــرَاطويكون ذلك بزيادتها عن حدها .. فتثور حيث لا يجب أن تثور ، أو تتجاوز حدها المرسوم لها ؛ فتخرج عن حد الاعتدال ، وتؤدى إلى الرعونة والتهور ، ويصعب السيطرة عليها ؛ فلا تخضع لعقل أو دين مما يفقد الإنسان معه بصيرته ؛ فتخرج أفعاله عن نطاق الترتيب والانتظام ، كما تخرج أقواله عن حدود الأدب واللياقة وما رسمه الإسلام من حدود للتخاطب والكلام .. وينطلق لسانه بالسبِّ ، والشَّتم ، واللعن ؛ فيقع فى محظورات اللسان .. وتندفع جوارحه للضرب ، والتمزيق ، والجرح ، والقتل عند التَّمَكُّن .. وقد يهرب المغضوب عليه ؛ فينقلب الغضب على صاحبه : فيمزق ثوبه ، ويلطم وجهه ، أو يكسر الأوانى .. ويمتلئ القلب بالحقد ، والغِلِّ  ، وإضمار السوء ، وغير ذلك .. 
عِـــلاَجُ الغَضَـــب :

  1. أن يعلم الإنسان أن وطنه القبر ، وأن مستقره الآخرة ، وأن الدنيا معبر  يعبر عليها فيتزود منها قدر الضرورة لأن ما وراء ذلك من متاعها وبال عليه ومحل سؤال .. إذ إن مِنْ مُحَرِّكَات شهوة الغضب وأسباب خروجها عن حد الاعتدال الحرمان مما يُحِبُّ ، والحيلولة بينه وبين ما يشتهى .. وكلما زادت محبوباته ومطلوباته من الدنيا عن الضرورات انحَطَّتْ رتْبتُه ، لأن الحاجة نقص ، والغنى الحقيقى هو الإستغناء عن الشىء وليس حيازته .. وعليه أن يتذكر قول الحق تبارك وتعالى﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)  آل عمران . 
  2. أن يرى الأشياء كلها بيد الله ، ومنه .. وأن ما يُصيبه على أيدى الغير هو ما قدره الله وقضى به من الأزل .. فهم مُسَخَّرون فى قبضته كالقلم فى يد الكاتب ؛ إذ لا يقع فى مُلْكه إلاَّ ما يريد ، وهو الفعَّال لما يُريد .. فلا يغضب لنفسه ، وإنَّمَا يغضب لله .
  3. أن يحسن الظن بـ الله .. ويعلم أن الخيرة فيما اختاره الله ، وأن الله لا يقضى له إلا بما فيه الخير .. فما من وَصَبٍ ولا نَصَبٍ يُصاب به المسلم حتى الشوكة يشاكها إلا ويُكَفِّر الله بها من سيئاته ، ويرفع من درجاته كما أخبرنا بذلك الصادق المصدوق  .. وعليه أن يتذكر سلوك الصالحين والسابقين فيقتدى بهم .. فقد ورد أن شتم رجلٌ " سلمان الفارسى " فرد عليه قائلاً : إنْ خَفَّتْ مَوازِينِى فأنا شَرٌّ مما تقول ، وإنْ ثَقُلَتْ مَوازِينِى لَم يَضَّرنى ما تقول ..  ورد أحد  الصالحين على من شتمهُ قائلاً : إنْ كُنْتَ صَادقًا فغفر الله  لى ، وإن كُنْتَ كَاذِبًا فغفر الله  لك .
  4. أن يتفكر فى عاقبة الغضب .. وأنه إذا أنفذ غضبه فى غيره .. أورث ذلك  العداوة  والبغضاء  والصراع  الذى لا تُؤْمَن عواقبه ، ولأن الغضب يؤول إلى التقاطع ومنع الرفق ويفسد كثيرًا من الدين ، كما أنه يكون سببًا فى كثير من الأمراض كالسكرى ، والضغط ، والقولون العصبى وغيرها .
  5. أن يتذكر قدرة الله عليه .. وقد سأل رجل رسول الله  قائلا : " كيف أتَّقِى غَضَبَ الله ؟" .. فأجابه قائلا : " لاَ تَغْضَبْ " ..     رواه البُخارىُّ عن أبى هريرة (رضى الله عنه)    نعم لأن الإنسان لو أنفذ غضبه فى غيره أنفذ الله غضبه فيه .
  6. أن يعلم أن ما أغضبه - وإن كان قد جاء على غير مراد الله .. فلا يصح له أن يفضل نفاذ مراده على نفاذ مراد الله
  7. أن يستحضر صورة الغاضب فى ذهنه ، وكيف تتغير هيئته ، ويختل تصرفه : فتحمر عيناه ، وتنتفخ أوداجه ، ويخرج الزَّبَد من أشداقه ، ويقارن ذلك بوقار العلماء والصالحين ، وهدوء نفوسهم وحسن سَمْتِهم . 
  8. أن يتذكر وصية الرسول  فى مقاومة الغضب .. فإن غضب وهو قائم فليجلس ، وإن غضب وهو جالس فليتكئ أو ليضطجع ، فإن لم يذهب غضبه توضأ أو اغتسل .
  9. أن يعلم أن الناس فى الغضب أربعة : بطىء الغضب ، بطىء الرضا : فهذه بتلك .. سريع الغضب ، سريع الرضا : فهذه بتلك .. سريع الغضب ، بطىء الرضا : وهذا شر الناس .. بطىء الغضب ، سريع الرضا : وهذا خير الناس .. انظر إلى ( أفضل الجهاد) .
  10. أنْ يتذكر فضل كَظْمِ الغَيْظ ، وفضل العَفْو والرفق .. لأن الطمع فى ثواب ذلك قد يكون مانعًا من البطش ، والانتقام وإنفاذ الغضب .. والحق تبارك وتعالى يقول﴿ .. وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)  آل عمران . 

وأقوال النبى  فى هذا المجال كثيرة نذكر منها  
  1. مَاجَرَعَ عَبْدٌ جَرْعَةً أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ جَرْعَةِ غَيْظٍ كَظَمَهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ الله "..  رواه ابن ماجه عن ابن عمر (رضى الله عنهما) .. 
  2. وَمَا ذَادَ الله عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلا عِزًّا "..   رواه مسلم عن أبى هريرة (رضى الله عنه) .. 
  3. مَنْ يُحْرَم الرِّفْقَ يُحْرَم الخَيْرَ كُلَّهُ " ..   رواه مسلم (فتح البارى) .. 
  4. عَلَيْكَ بِالرِّفْقِ .. فَإِنَّ الرِّفْقَ إِذَا كَانَ فِى أَمْرٍ زَانَهُ .. وإِذَا نُزِعَ مِنْهُ شَانَهُ " ..  رواه مسلم (فتح البارى) .. 
  5. إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ ، وَإِنَّمَا الحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ " ..  رواه الطبرانى والدارقطنى عن أبى الدرداء (رضى الله عنه) .
  6. مَنْ كَظَمَ غَيْظًا ــ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ ــ دَعَاهُ الله عَلَى رُءُوس الخَلائِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنَ الحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ ".
  7. لَيْسَ الشَّديد بِالصُّرَعة إِنَّما الشَّديد الذى يَمْلك نَفْسه عِنْد الغَضَب " ..  رواه البخارى ومسلم .

                     ؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛