دروس وعبر | إسْمَاعيلُ (عليه السلام) صَادِقَ الوَعْد وكَان رسولا نبيًّا

 إِسْمَاعِيلُ (عَليْه السَّلام) 


  • ذكر الله تعالى قصص أنبيائه ورسله فى القرآن الكريم ، لنأخذ منها العِبرة والعِظة ، ونستخلص منها الذكرى والموعظة ، فقال الحق سبحانه وتعالى﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)  يوسف . 
  • وقال الحق تبارك وتعالى فى شأن إسماعيل (عليه السلام)﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55)  مريم .. فقد جاء فى القرآن قصة ذبح إبراهيم (عليه السلام) لولده إسماعيل ، وهمه بذلك ، إلى أن نودى بالكف عن ذبحه ، وأنه فدى بكبش يُذبح عوضًا عنه .
  • أمر الله عزَّ وجلَّ إبراهيم (عليه السلام) أن يذهب بزوجته هاجر وولده إسماعيل إلى مكة ، فاستجاب إبراهيم لأمر ربه ، وسار بهما إلى جبال مكة عند موضع بناء الكعبة ، فى وادى لا زرع فيه ولا ماء ، ثم تركها وابنها الرضيع فى هذا المكان  ومعها جرابًا فيه تمر ، وسقاء فيه ماء وأراد العودة إلى الشام ، فلما رأته زوجته هاجر عائدا أسرعت خلفه ، وتعلقت بثيابه ، وقالت له : يا إبراهيم ، أين تذهب وتتركنا فى هذا الوادى الذى ليس فيه أنيس ولا شىء ؟! فقالت له ذلك مرارًا ، وجعل لا يلتفت إليها ، فقالت له : آلله أمرك بهذا ؟ قال : نعم ، قالت : إذًا لن يُضيعنا ، ثم رجعت .
  • انطلق إبراهيم (عليه السلام) حتى إذا كان عند الثُنية ، حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الكلمات ، فقال﴿ رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)  إبراهيم . 

  • جعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفذ ما فى السِّقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى فانطلقت كراهية أن تنظر إليه ، فوجدت الصفا أقرب جبل فى الأرض يليها ، فقامت عليه ، ثم استقبلت الوادى تنظر هل ترى احدًا ؟ فلم ترى أحدًا ، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادى سعت سعى الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادى . ثم أتت جبل المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا فلم ترى أحدًا ففعلت ذلك سبع مرات ، قال ابن عباس (رضى الله عنهما) قال النبى  : "فذلك سعى الناس بينهما " . 
  • فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت : صه ــ تريد نفسها ــ ثم تسمعت فسمعت أيضا . فقالت : قد أسمعت إن كان عندك غوث ؛ فإذا هى بالملك عند موضع زمزم فبحث بجناحه حتى ظهر الماء فجعلت تخوضه ، وتغرف من الماء فى سقائها وهو يفور بعد ما تغرف ، قال ابن عباس (رضى الله عنهما) قال النبى  : "يرحم الله أم اسماعيل لو تركت زمزم ــ أو قال : "لو لم تغرف من الماء ــ لكانت زمزم عينًا معينا" . وأرضعت ولدها وقال لها الملك لا تخافوا الضيعة فإن هاهنا بيت الله يبنى هذا الغلام وأبوه . وأن الله لا يضيع أهله . وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله .
  • مرت أيام قليلة حتى مرت بهم رفقة من جرهم ــ أو أهل بيت من جرهم مقبلين ، فنزلوا فى أسفل مكة فرأوا طائرا يطير فوق المكان ، فقالوا : لأن هذا الطائر ليدور على الماء ، لعهدنا بهذا الوادى وما فيه ماء ، فأرسلوا جريا أو جرين ، فإذا هم بالماء فرجعوا فأخبروهم بالماء . فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء فقالوا : أتأذنين لنا أن ننزل عندك ، فقالت : نعم ، ولكن لا حق لكم فى الماء ، قال ابن عباس قال النبى  : "فأَلِفَتْ ذلك أمُّ إسماعيل وهى تُحب الأُنس ، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم . 
  • لقد كانت المنامات عند الصالحين من عباد الله بمثابة الوحى والأمر المباشر ، وقد رأى إبراهيم (عليه السلام) فى منامه أنه أُمر أن يقدم ابنه قربانا لله ، كما تُقدم القرابين ، وقد بلغ إسماعيل مرحلة السعى أى كبر وترعرع وصار يذهب مع أبيه ويمشى معه ، أى أن إسماعيل فى سن بداية الشباب ثلاثة عشر عامًا تقريبًا ، ووالده قد قارب المائة عام وازداد ضعفه ، وبدأ إعتماده على ولده بصورة كبيرة ، ولكن إبراهيم (عليه السلام) صدع بذلك الأمر الصادر إليه فى المنام وعرض الأمر على ولده إسماعيل فتقبَّل القضاء بالرضا  : ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107)  الصافات . . إذ الإسلام هو الطاعة والإمتثال ، وهو دين الله فى الأولين والآخرين .
  • ساعدت مياه زمزم على سكنى المنطقة وتعميرها وكبر إسماعيل (عليه السلام) وشب بين قبيلة جرهم وتعلم العربية منهم ، وأعجبهم حين شب ، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم ، وماتت أم إسماعيل .
  • مرت الأيام وجاء إبراهيم (عليه السلام) بعد ما تزوج إسماعيل ، يطالع تركته فلم يجد إسماعيل ، فسأل امرأته عنه فقالت : خرج يبتغى لنا ، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت : نحن فى ضيق وشدة ؛ فشكت إليه . قال : فإذا جاء زوجك فاقرئى عليه السلام وقولى له يغير عتبة بابه ، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا فقال : هل جاءكم من أحد ؟ قالت : نعم جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنك فأخبرته ؛ وسألنى كيف عيشنا فأخبرته أنَّا فى جهد وشدة ، قال : فهل أوصاك بشئ ؟ قالت : نعم أمرنى أن أقرأ عليك السلام ويقول غير عتبة بابك ، قال : ذاك أبى ، وقد أمرنى أن أفارقك الحقى بأهلك . فطلقها وتزوج أخرى  .
  • فلبث عنهم إبراهيم (عليه السلام) ما شاء الله ثم أتاهم بعد فلم يجده ، فدخل على امرأته فسألها عنه ، فقالت : خرج يبتغى لنا ، قال : كيف أنتم ؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم ، فقالت : نحن بخير وسعة وأثنت على الله ، فقال ما طعامكم ؟ قالت : اللحم ، قال : فما شرابكم ؟ قالت : الماء ، قال : اللهم بارك لهم فى اللحم والماء ، وقال : فإذا جاء زوجك فاقرئى عليه السلام ــ ومريه يثبت عتبة بابه ، فلما جاء إسماعيل قال : هل أتاكم من أحد ؟ قالت : نعم ، أتانا شيخ حسن الهيئة ، وأثنت عليه ، فسألنى عنك فأخبرته ، فسألنى كيف عيشنا ، فأخبرته أنَّا بخير ، قال : فأوصاك بشئ ؟ قالت : نعم هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك ، قال : ذاك أبى وأنت العتبة ، أمرنى أن أمسكك .
  • ثم لبث عنهم ما شاء الله . ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبرى نبلا له قريبًا من زمزم ، فلما رآه قام إليه فصنع كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد ، ثم قال : يا إسماعيل ؛ إن الله أمرنى بأمر : قال : فاصنع ما أمرك ربك ، قال : وتعيننى ؟ قال : وأعينك ، قال : إن الله أمرنى أن أبنى هنا بيتا وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها ، قال : "فعندك ذلك" رفعا القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتى بالحجارة وإبراهيم يبنى ، حتى إذا ارتفع البناء جاء جبريل (عليه السلام) بحجر من الجنَّة ، وأعطاه لإبراهيم (عليه السلام) ليضعه فى الكعبة ، وهو ما يسمى بالحجر الأسود فوضعه له : فقام عليه وهو يبنى وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان﴿ .. رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)  البقرة .
  • لما تم بناء البيت أمر الله تعالى إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) أن يعلم الناس بأنه بنى بيتا لعبادة الله تعالى وأن عليهم أن يقصدوه للنُّسك ، وطلب إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) من الله تعالى أن يريهما المناسك .. والكعبة أول بيت وضع للناس لعبادة الله الواحد القهار .. فى حين أن بقية الشعوب والقبائل فى سائر أنحاء الأرض كانوا يبنون البيوت لعبادة الأصنام والتماثيل .
  • يقول الحق تبارك وتعالى فى سورة آل عمران﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)  آل عمران . 
  • وفى سورة البقرة﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)  البقرة . 
  • نتعلم  مما سبق اليقين بـ الله والإمتثال الكامل لله تبارك وتعالى . 
  1. إمتثال إبراهيم (عليه السلام) لأمر الله تعالى بترك ولده وزوجه فى وادى غير ذى ذرع ولا ماء ويرحل . 
  2. وهاجر تمتثل للأمر وتمتلك اليقين بأن الله لن يضيعهم . 
  3. وطاعة إسماعيل (عليه السلام) لوالده ، والحرص على اختيار الزوجة الصالحة .
  4. القناعة والرضا بالرزق الذى ييسره الله عزَّ وجلَّ للزوج من صفات المرأة الصالحة .
  5. وإمتثال إبراهيم (عليه السلام) لأمر الحق تبارك وتعالى فى التضحية بفلزة كبده .

                                   ؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛