عالم المعرفة | ابن سينا والطب السيناوى (محتويات القانون وأهميته فى علوم التشريح)

 ابن سينا والطب السيناوى

محتويات القانون وأهميته

للكاتب أ.د .أحمد فؤاد باشا

أستاذ الفيزيا وتاريخ وفلسفة العلوم

يقع كتاب القانون فى خمسة أجزاء ــ سمى كلاًّ منها كتابًا ــ تتناول علوم التشريح ووظائف الأعضاء وطبائع الأمراض والصحة والعلاج ، وينقسم كل جزء (أو كتاب) إلى أبواب أسماها ابن سينا فنونًا ، والفنون مقسمة إلى مقالات أو تعاليم ، والتعاليم مقسمة إلى جمل وفصول ، وقد أخذ البعض على المؤلف أنه لم يكن يهتم بنسبة الرأى إلى صاحبه ، فاختلطت أقواله بأقوال غيره ، وعاب " أوليرى " على هذا الكتاب كثرة التقسيمات والتفريعات ، لكن هذه المآخذ لم تمنع أن يشار إلى كتاب القانون لابن سينا على أنه نموذج رائد فى فن التأليف من ناحية التبويب وجودة العرض ومنطقية الترتيب ، وذلك بالمقارنة مع الكتب الطبية الحديثة .

وإن المرء لينبهر حقًا عندما يصنع لوحة كبيرة تبين البناء الداخلى للكتاب فى جملته ، ثم إذا هو أقبل على القراءة وجد نفسه أمام فيلسوف عالم كبير ، يفكر ، فـيـتـأمل الواقع ، ويحلل ويعلل ، على منهج العقل ، من غير أن يبعد عن التفسير الطبيعى للوقائع ، أو يترك أمرًا معلقًا غير مرتبط بمبدأ عام أو قانون كلى .

فالكتاب يبدأ بالتشريح ، ويثنّى بعلم وظائف الأعضاء ، ويتبع ذلك بعلم طبائع الأمراض ، أو الباثولوجيا ، وأخيرًا ينتهى بعلم العلاج ، ولقد عرض ابن سينا نفسه مضمون هذا المنهج ــ الذى قصده قصدًا ــ فى مقدمة كتاب القانون .

وشرح الطابع الفلسفى لهذا المنهج ومحاولة تطبيق الاعتبارات الفلسفية على الطب بقوله : " أن أتكلم أولاً فى الأمور العامة الكلية فى كلا قسمى الطب ، أعنى القسم النظرى والقسم العملى ، ثم بعد ذلك أتكلم فى كليات أحكام القوى المفردة للأدوية ، ثم جزئياتها ، ثم بعد ذلك فى الأمراض الواقعة بعضو عضو أبتدئ أولاً بتشريح ذلك العضو ومنفعته ، ثم إذا فرغت من ذلك ابتدأت فى أكثر المواضع بالدلالة على كيفية حفظ صحته ، ثم دللت بالقول المطلق على كليات أمراضه وأسبابها وطرق الإستدلال عليها وطرق معالجتها بالقول الكلى أيضًا .. فإذا فرغت من هذه الأمور أقبلت على الأمراض الجزئية ودللت أولاً فى أكثرها أيضًا على الحكم الكلى فى حده وأسبابه ودلائله ، ثم خلصت إلى الأحكام الجزئية ، ثم أعطيت القانون الكلى للمعالجة ، ثم نزلت إلى المعالجات الجزئية " .

والكتاب كله على هذا النسق يبدأ بدراسة الكليات ثم الجزئيات ، وهو يتناول الأمراض مرضًا مرضًا ، ويذكر أعراضها الكلية ، ثم يتناول تدبير علاجها ، ولعل هذا التنظيم المحكم من أكبر الأسباب فى شهرة كتاب القانون وكثرة تداوله ، وهو يعكس حقيقة أن شيئًا من الفلسفة ضرورى لتقدم الطب .

ويدل كلام المؤلف فى المقدمة على أنه قصد من كتابه ــ إلى جانب هدفه الأكاديمى ــ أن يكون لتعليم الطب وللعلاج فى وقت واحد ، ومما له دلالته فى هذا الصدد أنه يقسم فنون الكتب إلى " تعاليم " وأنه يرى فى محتويات الكتاب أنها تشتمل على أقل ما لا بد منه للطبيب الذى يَدعى معرفة صناعة الطب ، ويريد مزاولتها ليتكسَّب بها ، فلا يسعه " إلا أن يكون جلُّه معلومًا محفوظًا عنده ، وأما الزيادة عليه فأمر غير مضبوط " .

من ناحية أخرى ، يدل كلام ابن سينا فى مواضع عدة من كتاب القانون على إحساسه وإلمامه الواعى بالفرق بين التصورات الفلسفية ، وبين الممارسات العملية ودراسة الواقع الملموس ، ويريد من الطبيب من حيث هو طبيب ، ألا يدخل فى غير موضوع بحثه المحدد ، فهو مثلاً فى مناقشته لقضية " الأخلاط " وماقيل فيها من آراء يقول : " هذا ما نقوله فى الأخلاط وتولدها ، وأما مخاصمات المخالفين فى صوابها فإلى الحكماء دون الأطباء " يعنى أنها شأن الفلاسفة .

على أن المؤلف لم يَفُتهْ أن يُنبِّه إلى أن هناك معلومات يأخذها الطبيب مُسلَّمة من علوم أخرى ، وموضوعات عليه أن يبحثها بنفسه ، فالطبيب يأخذ من العلم الطبيعى موضوعات لا يحتاج إلى أن يبرهن عليها ، باعتبار أنها محققة عند غيره ، مثل : نظرية الأركان التى تحدد جملة العناصر الأربعة التى يتركب منها البدن فى الماء والهواء والتراب والنار ، ونظرية الأمزجة ــ أى الكيفيات التى تحصل من تركيب العناصر وتفاعلاتها فى البدن بوجه عام ، ونظرية الأخلاط ــ أى السوائل التى يتحول إليها الغذاء قبل هضمه وتمثيل البدن له ، ونظرية القوى والأرواح (أى الجواهر اللطيفة التى تتولد فى البدن) وعددها ومكانها ، وأنواع الأسباب فى أحوال الثبات والتغيير فى الصحة .

ويحدد ابن سينا منهجه فى العلاج عمومًا بأنه يتم من أشياء ثلاثة : " أحدها التدبير ، والآخر استعمال الأدوية ، والثالث استعمال اليد ، والتدبير عبارة عن التصرف فى الأسباب الضرورية المعدودة التى هى جارية فى العادة ، والغذاء من جملتها ، وأحكام التدبير من جهة كيفيتها مناسبة لأحكام الأدوية ، لكن للغذاء من جملتها أحكام تخصَّه .. " وعن المعالجة بالدواء يقول ابن سينا أن لها ثلاث قوانين : " أحدها قانون اختيار كيفيته ، أى اختياره حارًا أو باردًا أو رطبًا أو يابسًا ، والثانى قانون اختيار كميته ، وهذا القانون ينقسم إلى قانون تقدير وزنه ، وإلى قانون تقدير كيفيته ، أى درجة حرارته وبرودته وغير ذلك ، والثالث قانون تريب وقته " .

ثم يُفَصِّل ابن سينا الحديث عن كل واحد من هذه القوانين والقواعد الأساسية للمعالجة فيقول : " أمَّا قانون اختيار كيفية الدواء على الإطلاق ، فإنما يهتدى إليه بالوقوف على نوع المرض ، فإنه إذا عرف كيفية المرض وجب أن يختار من الدواء ما يضاده فى كيفيته ، فإن المرض يعالج بالضد ، والصحة تحفظ بالمشاكل ، وأما تقدير كميته فيعرف على سبيل الحدث الصناعى ــ أى الحدث الناشئ عن الخبرة العملية وممارسة المهنة ــ من طبيعة العضو ، ومن مقدار المرض ، ومن الأشياء التى تدل بموافقتها وملاءمتها ، التى هى الجنس والسن والعادة والفصل والبلد والصناعة والقوة والسحنة ، أما وقت المرض فيجب معرفة فى أى وقت هو من أوقاته : فإن كان الورم مثلا فى البداية استعمل الطبيب الدواء الرادع وحده ، وإن كان فى منتهاه استعمل الدواء المحلل وحده ، أما فيما بين ذلك فيخلط الدواءين .. وإن كان المرض مزمنًا لم يلطف فى الإبتداء تلطيف الانتهاء .

وفى باب معالجة الآلام بوجه عام يرى ابن سينا أن تسكين الوجع يكون " بمضادة الأسباب " ، أى بمقاومتها وإزالتها : إما بشئ يؤثر فى مزاج موضع الألم ، أى بنيته ، أو بشئ يحلل ، أى يذيب ، المادة التى تسبب الألم ، أو بشئ مخدر ، والمواد المرخية من جملة ما يحلل المادة برفق ، وكذلك المسهلات والمستفرغات وجميع ما ينضج الأورام أو يفجرها .

ويستطرد الفيلسوف الطبيب موضحًا عوامل أخرى تسكن الأوجاع ، فيقول : " ومن مسكنات الأوجاع المشى الرقيق الطويل الزمان ، لما فيه من الإرخاء Relaxation وكذلك الشحوم اللطيفة والأدهان التى ذكرنا ، والغناء الطيب ، خصوصًا إذا نُوم به ، والتشاغل بما يُفرح مسكن قوى للوجع " .

ولم يَفُتْ الشيخ الرئيس أن يضمن كتاب القانون قواعد وإرشادات دقيقة تتعلق بتدبير المولود منذ ساعة ولادته ، من الناحيتين البدنية والنفسية ، وبرعاية الصبى والفتى ، وبتدبير المشايخ ، كما لم يَفُته كطبيب فسيولوجى أن يهتم بدراسة القوى النفسية المدركة والمحركة ، الظاهرة والباطنة ، وأن يحدد مراكزها فى الدماغ .

واشتهر كتاب القانون فى أوروبا شهرة عظيمة لدرجة أن السير " ويليم أوسلر " قال عنه إنه كان الإنجيل الطبى لأطول فترة من الزمن ، فقد طبعت ترجمته كاملا إلى اللاتينية ست عشر مرة فى الثلث الأخير من القرن الخامس عشر الميلادى ، ثم أعيد طبعه عشرين مرة فى القرن السادس عشر الميلادى .

وكانت كليات الطب فى الغرب حتى أوائل القرن العشرين تنشر فى رسالتها أجزاء من كتاب القانون هذا ، بينما لم تنل مؤلفات اليونان الطبية إلا قدرًا ضئيلاً من الحظوة يتمثل فى الأقوال والحكم المأثورة عن أبقراط وجالينوس .

من مآثر ابن سينا الطبية فى كتاب القانون 

يُعتبر ابن سينا أول من اخترع المخدر قبل الجراحة وسماه " المُرقد " ، وكذلك اخترع أول محقن لحقن الأدوية فى الجسم وسماه " الزرَّاقة " ، وابتكر أول جراحة للأعصاب المقطوعة ، واكتشف مرض شلل عصب الوجه Facial Palsy وميز بينه وبين الشلل فى الدماغ .

  • اكتشف ابن سينا طفيلية الإنكلستوما وقدم وصفها التفصيلى لأول مرة فى الفصل الخامس الخاص بالديدان المعوية من كتاب " القانون فى الطب " وسماه " الدودة المستديرة "  وتحدث عن أعراض المرض الذى تسببه . 
  • وعن هذا الفتح الكبير فى عالم الطب كتب الأستاذ الدكتور محمد خليل عبد الخالق مقالاً فى مجلة الرسالة جاء فيه : ".. قد كان لى الشرف فى عام 1921 م أن قمت بفحص ما جاء فى كتاب القانون فى الطب ، وتبين لى أن الدودة المستديرة التى ذكرها ابن سينا هى ما نسميه الآن بالإنكلستوما ، وقد أعاد دوبينى " اكتشافها بإيطاليا عام 1838 م أى بعد اكتشاف ابن سينا لها بتسعة قرونًا تقريبًا ، ولقد أخذ جميع المؤلفين فى علم الطفيليات بهذا الرأى فى المؤلفات الحديثة ، كما أخذت به مؤسسة " روكفلر " الأمريكية التى تعنى بجميع كل ما يكتب عن هذا المرض .." .

  • درس ابن سينا النبض وحالاته دراسة وافية ، وبين أثر العوامل النفسية فى اضطرابه ، وتوسع فى دراسة الأمراض العصبية والاضطرابات النفسية وعالجها عن فهم ودراية وقال : " علينا أن نعلم أن أحسن العلاجات وأنجحها هى العلاجات التى تقوم على تقوية قوى المريض النفسانية والروحية ، وتشجيعه ليحسن مكافحة المرض ، وتجميل محيطه وأسماعه بما عذب من الموسيقى ، وجمعه بالناس الذين يحبهم " .
  • تكلم ابن سينا عن جراحات الأعصاب وعلاجها فقال : " إن كان العصب مكشوفًا وكان طولا فاجتهد أن تغطيه وتضع عليه الأدوية الوخزية التى ذكرناها وتشده بخرق عريضة شدًا ضامًا جامعًا ، وأما إن كان الجرح عرضًا فلا بد له من الخياطة " ويصف طرق إيقاف النزيف إما بربط أو بإدخال فتائل أو بالكى بالنار أو بدواء كاو ، وإما بضغط من اللحم حول العرق .
  • وصف ابن سينا فى علل المقعدة علاج البواسير والناصور الشرجى ، وتحدث عن حصاة الكلى ، وتكلم عن استعمال القساطر وطرق صناعتها .
  • فرق ابن سينا بوضوح بين قروح المرئ والمعدة والأمعاء ، وقال عن أحد مصادر قئ الدم أنه كثيرًا ما يكون عقب القئ الكثير ، وهو وصف لما يعرف اليوم باسم " لزمة مالورى وفايس " Mallory-Weiss Syndrome ، وفيها يبدأ القئ بلا دم من أى drome سبب كان ، ولكن ما يلبث المرئ أن ينقطع غشاؤه المخاطى من أسفل من شدة القئ ، فيأتى القئ بعد ذلك مخضبًا بالدم . 
  • وتحدث عن أمراض الكبد والطحال والإستسقاء موضحًا ما نعرفه اليوم عن مرض "بانتى" disease - Banti من أن تضخم الطحال قد يسبق مرض الكبد ويكون سببًا له .
  • عن التخدير الموضعى للأسنان وصف ابن سينا خصائص المادة المخدرة التى توضع على السنّ الوجعة ، كما تحدث عن التخدير بالبرودة قائلا : " ومن جملة ما يخدر من غير أذى ، الماء المبرد بالثلج تبريدًا بالغًا ، أخذا بعد أخذ حتى يخدر السن فيسكن الوجع البتة ، وإن كان ربما زاد فى الإبتداء " ، وأرجع ابن سينا أوجاع الأسنان إلى " وجع يكون فى جوهرها .. وقد يكون لسبب وجع فى العصبة التى فى أصلها ، وقد يكون لسبب يكون فى اللثة ، وقد تكون من الحميات " .
  • تناول ابن سينا فى " القانون " دراسة بعض الحيوانات والمعادن التى تستخلص منها عقاقير نافعة ، ودراسة النباتات التى تتخذ منها الأدوية ، شارحًا ما هيتها ، مع وصف دقيق لأجزائها الأساسية من أصل وجذور وزهر وثمر وورق ، ثم يتناول اختبار طبعها وخواصها .
  • نجح ابن سينا فى تغليف الأدوية بالذهب والفضة المفيدين للقلب ، مثلما نجح غيره من أطباء المسلمين ، مثل أبى بكر الرازى ، فى تغليف الأدوية المُرة بغلاف من السكر أو عصير الفاكهة لكى يستسيغها الأطفال . واتصالاً بهذا الإنجاز تقول المستشرقة الألمانية زيجريد هونكه " فى كتابها شمس العرب تسطع على الغرب " : " إن كل مستشفى ، مع ما فيه من ترتيبات  ومختبرات ، وكل صيدلية ومستودع أدوية فى أيامنا هذه ، إنما هى فى حقيقة الأمر نصب تذكارية للعبقرية العربية ، كما أن كل حبة من حبوب الدواء ، مذهّبة أو مسكّرة ، إنما هى كذلك تذكار صغير ظاهر يذكرنا بأثنين من أعظم أطباء العرب ومعلمى بلاد الغرب " ــ تقصد ابن سينا والرازى .
  • وفى الأيام الأخيرة من حياة ابن سينا علم أن قوته قد سقطت وأنها لا تفى بدفع المرض ، فأهمل مداواة نفسه ، وأخذ يقول : المدبّر الذى كان يدبر بدنى قد عجز عن التدبير ، والآن فلا تنفع المعالجة ، وتذكر مصادر المؤرخين أن الشيخ الرئيس لما يئس من العلاج اغتسل وتاب ، وتصدق بما بقى معه على الفقراء ، ورد المظالم إلى من عرفه من أربابها ، وأعتق غلمانه ، وكان يحفظ القرآن ويختمه كل ثلاثة أيام ، وظل على هذه الحال حتى مات فى الجمعة الأولى من شهر رمضان سنة ثمان وعشرين وأربعمائة ، ودفن فى همذان ، " تحد السور من جانب القبة " ، ثم شيد حول قبره بناء كبير يليق بذكرى معلم رائد من معلمى الإنسانية وبُناة مسيرتها الفكرية والعلمية . 🅪

؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛