عالم المعرفة | مصطفى صادق الرافعى (إمام البيان العربى الحديث)
مصطفى صادق الرافعى
إمام البيان العربى الحديث
أ.د. حلمى محمود القاعود
إن " الرافعى " يرى أن الإستقلال الحقيقى للأمة العربية من الناحية الإنسانية والحضارية ، لا يقوم إلا على أساس من الدين الإسلامى واللغة العربية ، وبذلك ينفتح الطريق إلى الوحدة العربية .. ويلاحظ أن " الرافعى " كانت له لمسة فى غاية الدقة حين أشار إلى أن الساسة فى الغرب ، قد ساعدوا فى توضيح صورتنا أمام أنفسنا ، وأننا ينبغى أن نفيد من مخططاتهم لإصلاح واقعنا ، ومواجهتهم بما يتلائم مع قدرنا ، وطبيعتنا وهويتنا ؛ "فإن نحن أخذنا من النظامات السياسية فلنأخذ ما يتفق مع الأصل الراسخ فى آدابنا من الشورى والحرية الإجتماعية عند الحد الذى لا يجور على أخلاق الأمة ولا يفسد مزاجها ولا يضعف قوتها" .
وعلى كل ، فإنه ينبغى ملاحظة أن " الرافعى " قد جعل " الدين الإسلامى " محور الحركة والتطور فى كتاباته السياسية ، وفى كتاباته عمومًا ، وهذا المحور هو الذى يفسر به الأحداث المختلفة داخل الوطن وخارجه ، ويطرح من خلاله العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، وبين المسلمين وغيرهم من دول الأرض ، مستعمرين وغير مستعمرين .
ومهما يكن من شىء فإن " الرافعى " بعاطفته الدينية القوية ، قد استطاع أن يؤكد على أكثر من حقيقة ، تقول بعظمة الإسلام وتفوقه ، من خلال كتابه الخالد وفضائله العظيمة ، وأفضاله الجمة ، وإنه ــ أى " الرافعى " ــ بكتاباته الإسلامية قد قدم المثل للكاتب حين يملك الوعى بأصول عقيدته وتراثه فيهب للدفاع واثقًا من نفسه ومن إيمانه .. ولعل هذا يغفر له بعض حدته التى تجاوزت أحيانًا ما هو مقبول فى قواعد النقاش والجدل .
وكان تناول " الرافعى " للقضايا الإجتماعية ، مثل تناوله للقضايا الإسلامية والسياسية ؛ يدور فى دائرة تصوره الإسلامى للمجتمع وقيمه وعاداته وتقاليده .. ومن ثم فقد كان حريصًا على أن يُبرز هذا التصور بوضوح وحَسْم فى كل قضية يتناولها أو يعالجها .
ويمكن القول : إن أهم القضايا الإجتماعية التى تناولها دارت حول الغَنى والفقير ، والزواج ، والطفولة ، وشئون المرأة والحجاب ، والصراع بين الحضارة الإسلامية والمدنية الغربية فى مرحلة النهضة الحديثة ، والصراع الإنسانى والتكالب على الحياة .
فإذا نظرنا إلى الغَنى والفقير مثلا ، سنجد قضية لها مدلولها المُهم فى مصر على عهد " الرافعى " ، وربما فى عصرنا أيضًا ، ولكنها فى أيامه كانت الشغل الشاغل لكثير من الكُتَّاب ، فالتفاوت الطبقى الرهيب ، وانتشار ثالوث الفقر والمرض والجهل جعل من قضية الغَنى والفقير ، مسألة حيوية بالنسبة للكتاب .. وقد تناولها " الرافعى " من زاوية التأمل الذى يرى الفقر وَصْمة على جبين الإنسانية عامة ، والأغنياء الشرهين خاصة ، وقد نجح " الرافعى " ــ لا سيما عندما يستخدم أسلوب الحكاية ــ فى إدانة هؤلاء الأغنياء الذين يُسَخِّرون الدنيا ــ ومنها الفقراء لخدمتهم والحدب عليهم والوقوف إلى جانبهم ولو كانوا على خطأ وضلالة .
ومن أنضج الأمثلة على ذلك مقالته القصصية .. " الطفولتان " التى تدور حول الطفل " عصمت " ابن أحد الأغنياء و " جعلص " الولد الفقير ، وإن كان الحوار الذى أجراه " الرافعى " بين الطفلين يفوق مستواهما العقلى ، ويحسن هنا إثبات بعض الحوار ، الذى تأتى أهميته فى مضمونه ، مع ملاحظة ما فيه من تورية وتصوير طريف :
قال " جعلص " : ما اسمك ؟
قال (أى عصمت) : أنا ابن المدير .. !
قال " جعلص " : لا تبك يا بن المدير تَعلَّم أن تكون جلدًا ، فإن الضرب ليس بذل ولا عار ، ولكن الدموع هى التى تجعله ذلاً وعارًا : إنَّ الدموع لتجعل الرجل أنثى . نحن يا بن المدير نعيش طول حياتنا إمَّا فى ضرب من الفقر أو ضرب من الناس ، هذا من هذا ، ولكنك غَنى يا بن المدير ، فأنت كالرغيف (الفينو) ضخم منتفخ ، ولكنه ينكسر بلمسة ، وحشوه مثل القطن .."
ويبدو أن " الرافعى " فى فلسفته للأمور ، كان يريد أن يذكر الطرف الظالم بأنه ناقص ويحتاج إلى الكمال الذى يتوفر عند الطرف المظلوم بالضرورة .
وهذا ما جعله يعقد لواء البطولة للفقراء : " وأنتم أيها الفقراء ، حسبكم البطولة ، فليس غنى بطل الحرب فى المال والنعيم ، ولكن بالجراح والمشقات فى جسمه وتاريخه ، بل إنه يرفع الفقر إلى درجة السمو حين يتحدث عن فقر الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم " .
وهو فى تناوله للقضايا المتعلقة بالغِنى والفَقر ، مثل البُخل والتشرد والبؤس والإنتحار . لا يشذ عن منهجه كثيرًا الذى يعتنى بناحية التأمل فى جوانب النقص والكمال لدى كافة الأطراف ، مع إدانته الصريحة والواضحة للخروج عن القواعد التى أرساها الإسلام فى هذا المجال .
لعلها سمة عامة عند " الرافعى " ، وهى تناوله للقضايا المختلفة ــ ومنها قضايا المجتمع ــ بنظرة تأملية ، تتجاوز الأحداث ووقائعها إلى مغزاها ومدلولها وتأثيرها .. ولعل هذا أيضًا ، ما جعل الرافعى لا يلح على مضمون قيم معينة ودلالات مخصوصة .
لقد كان يرى الحدث أو القضية ، فلا يتوقف عند سرده وتفاصيله كما يفعل غيره ، ولكنه كان يقدح زناد فكره ، ويغوص إلى أعماق الأمور . فيتناولها ويفلسفها ، ويعلق عليها ، ويربطها بحلقة متينة من القيم أو الأخلاق .
وقد اهتم " الرافعى " بصفة خاصة بموضوع الزواج وأفرد له عددًا من الصفحات تناول فيها مشكلات الزواج والمهر ، وعالج عزوف الشباب عن الزواج وأسبابه المختلفة على ضوء الواقع الجديد ، الذى أصبحت فيه المرأة متعلمة وعاملة وتخرج إلى ميدان العمل مثل الرجال ، وقد تناول هذه القضايا على هيئة حوار يعرض لوجهات النظر المختلفة .
كما حظيت الطفولة والمرأة بنصيب وافر فى كتابات " الرافعى " الإجتماعية ، وله فى الطفولة كلام عذب رقيق حيث يرى فيها كمال الإنسانية وبراءتها ، أما المرأة فقد شغلته بقضاياها التى سادت المجتمع آنئذ . خاصة مسألة الحجاب ، وقد كان الرافعى حريصًا على تناول المسألة بمنطق يعنى المرأة قبل أن يعنى الرجال ، وقد نجح منطقه نجاحًا ملحوظًا ، خاصة عندما يقول مثلا :
" وما هو الحجاب إلا حفظ روحانية المرأة للمرأة ، وإغلاء سعرها فى الاجتماع وصونها من التبذل الممقوت ، لضبطها فى حدود كحدود الربح من هذا القانون الصارم قانون العرض والطلب والارتفاع بها أن تكون سلعة بائرة ينادى عليها فى مدارج الطرق والأسواق : العيون الكحيلة ، الخدود الوردية ، الشفاة الياقوتية . الثغور اللؤلؤية . الأعطاف المرتجة ، النهود الـ ... أو ليس فتياتنا قد انتهين من الكساد بعد نبذ الحجاب إلى هذه الغاية ، وأصبحن إن لم ينادين على أنفسهن بمثل هذا فأنهن لا يظهرون فى الطرق إلا لتنادى أجسامهن بمثل هذا " .
وهذه الوقفة من الرافعى مظهر من مظاهر الاحتجاج ضد غزو المدنية الغربية ، بأخلاقها وعاداتها وتقاليدها وسلوكياتها ، وهى وقفة تحرص كل الحرص على خصائص الشخصية الإسلامية ومقوماتها فى مصر ، دون أن تتنكر لمعطيات المدنية الغربية فى جانبها المادى الخاص بالعلم وما يسمى فى هذه الأيام بالتكنولوجيا وقد أشار إلى ذلك " الرافعى " فى بعض مقالاته بوضوح .
وقد سجل الرافعى تطبيقا لهذه الوقفة فى موضوع " الربيطة " عن أولئك الذين تأثروا بالحياة الأوروبية وتشبعوا بها ، وأداروا ظهورهم لمجتمعهم المُسلم وقِيَمهُ ، فيخاطبهم قائلا :
"... ألا ليتكم جئتم للبلاد من أوروبا بالمحاريث ، بدلاً من هذه المواريث . ، وجئتم بالسماد بدلا من هذا الوساد (كناية عن الزوجة الأجنبية) ، وبالبهائم للسوانى (السواقى) لا بالحلائل والغوانى ، وببضائع الحوانيت لا ببضائع أنطوانيت ..."
وقد تناول الرافعى ظاهرة الصراع الإنسانى والتكالب على الحياة ــ جشعًا وطمعًا ــ بالتأمل الذهنى الذى يرى فى الحيوان أعقل وأشرف من الإنسان ، حيث أراح نفسه واكتفى بأن يأكل ويشرب دون صراع ، ثم يسلم أمره أخيرًا لله دون أسى على ما كان أو ما سيكون .
مؤلفات الرافعى
- تاريخ آداب العرب (ثلاثة أجزاء) ، صدرت طبعته الأولى فى جزأين عام 1329هجرية ، 1911 م . وصدر الجزء الثالث بعد وفاته بتحقيق محمد سعيد العريان ، وذلك عام 1359 هجرية الموافق لعام 1940 م .
- إعجاز القرآن الكريم والبلاغة النبوية (وهو الجزء الثانى من كتاب تاريخ آداب العرب) ، وقد صدرت طبعته الأولى باسم إعجاز القرآن والبلاغة النبوية عام 1928 م .
- كتاب المساكين ، صدرت طبعته الأولى عام 1917م
- السحاب الأحمر
- حديث القمر
- رسائل الرافعى ، وهى مجموعة خاصة كان يبعث بها إلى محمود أبو رية ، وقد اشتملت على كثير من آرائه فى الأدب والسياسة ورجالهما تحت راية القرآن ، مقالات الأدب العربى فى الجامعة .
- على السفود ، وهو رد على عباس محمود العقاد .
- وحى القلم ، (ثلاثة أجزاء) وهو مجموعة فصول ومقالات وقصص كتب المؤلف
- أوراق الورد
- رسائل الأحزان
- السمو الروحى الأعظم والجمال الفنى فى البلاغة النبوية ، وهو بحث نفيس أنشأه الرافعى إجابة لدعوة جمعية الهداية الإسلامية بالعراق ؛ لتنشره فى ذكرى المولد النبوى سنة 1352 هجرية .
- ديوان الرافعى (ثلاثة أجزاء) صدرت طبعته الأولى عام 1900 م .
- ديوان النظرات (شعر) صدرت طبعته الأولى عام 1908 م .
- ملكة الإنشاء 1905 م .
وفاتــــــــــه
فى اليوم السابق على رحيله ، قام " الرافعى " ببعض الزيارات الخاصة لأصدقائه ، وأداء بعض الواجبات الإجتماعية ، وفى فجر يوم الإثنين العاشر من مايو لعام 1937 م استيقظ فيلسوف القرآن لصلاة الفجر ، ثم جلس يتلو القرآن ، فشعر بحرقة فى معدته ، تناول لها دواء ، ثم عاد إلى مصلاه ، ومضت ساعة ، ثم نهض وسار ، فلما كان بالبهو سقط على الأرض ، ولما هب له أهل الدار ، وجدوه قد فاضت روحه الطيبة إلى بارئها ، وحُمل جثمانه ودُفن بعد صلاة الظهر إلى جوار أبيه فى مقبرة العائلة فى طنطا . ومات "مصطفى صادق الرافعى" عن عمر يناهز 57 عامًا ، رحم الله العالم وإمام البيان .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛