عالم المعرفة | القـلـب يـنـام والمخ ينام وكل شىء حى ينـام
القــلــب يــنــام
نعم .. ينام القلب والمخ وكل شىء حىّ ينام . ولكن ليس بالمعنى المفهوم للنوم
د. مصطفى ماهر عطرى
استشارى أمراض القلب والأوعية الدموية بجامعة حلب
يقول الكاتب : اتفقت مريضتى العجوز المُحبة للفكاهة ، مع مُمرضتى الحسناء المحبة للعلم ، والتى كانت ترعاها يوماً فى مركز موناكو للقلب ، على مداعبتى بالسؤال التالى : دكتور هل القلب ينام ؟ فأجبتها على الفور ودون تردد بالسطور السابقة .
فانقلب السؤال إلى حيرة التوضيح ، مع رجاء المعرفة المستفيضة ، وتركت لهما الوقت الكافى للتفكير والتدبير ، حتى نهاية رؤيتى لكل المرضى الموجودين فى المركز ، وأخيرًا كانت إجابتى :
إن القلب السليم يهدأ أثناء نوم صاحبه ، أى أن عمله المعتاد يقل بنسبة عشرة بالمائة ، وبذلك تقل نبضاته وتهدأ خلجاته ، وفى الحقيقة يرتاح القلب عند كل انبساط ، أى بعد جهد كل انقباض ، هذه هى طريقة نوم القلب المبسطة ، أما بالنسبة للمخ ، فإن موجات تردداته العالية تتغير إلى الموجات الأقل ترددًا أثناء النوم ، وكلما دخلنا فى النوم وزاد عمقه ، ظهرت موجات وسادت ، وانخفضت أخرى وخفتت ، ومع ذلك ، فلكل منطقة فى المخ موجاتها التى لا يشاركها فى طبيعتها منطقه سواها ، بل وهناك علاقة دائمة ومشتركة بين المخ والقلب ، ويسودها القلب ، ولا شك أننى على اقتناع تام بأن القلب هو ملك الجسم ، والمخ وزيره وباقى الأعضاء البشرية جنوده ، فإذا طاب الملك طابت جنوده ، وإذا مرض الملك مرضت جنوده ... !
ولا شك فإن كهربائية كيمياء النوم المؤثرة على القلب والمخ تختلف من تلك التى تنبعث وتنشط أثناء اليقظة .
نوم خفيف ... وعميق
هنالك مواد كيميائية ، بعضها معروف وأغلبها مازال مجهول الطابع ، تتحكم بالنوم لدى الإنسان وأهمها :
السيروتونين وهو مكلف بالنوم الخفيف ، والآخر هو النورأدرينالين ، وهو المسئول عن النوم العميق مع مشاركة الميلاتونين ، وتختلف فترات النوم التى نحتاج إليها فى يوم كامل من إنسان لآخر ، أو من وقت لآخر فى الإنسان نفسه ، ومع ذلك فإن متوسط فترات النوم لعدد من الناس ، ومن أعمار مختلفة يختلف اختلافًا واضحًا بين كبارهم وصغارهم ، فالطفل الحديث الولادة ينام فى المتوسط 18 ساعة متقطعة فى اليوم ، ثم تنقص هذه الفترة بالتدريج كلما تقدم الطفل فى العمر ، حتى إذا وصل سنه إلى خمس سنوات بلغت فترات نومه حوالى 12 ساعة ، وفى سن المراهقة تنقص إلى تسع ساعات ، وهى أكثر قليلا من فترات النوم التى يحتاج إليها الإنسان البالغ فى اليوم الواحد ، إذ تتراوح بين 7، 8 ساعات يوميًا ، أى أننا نقضى أكثر من ثلث عمرنا فى النوم ، أى أن الإنسان الذى عاش ستين عامًا ، ينام منها حوالى عشرين عامًا ، ورحم الله أهل الهف !
ولقد أثبتت الدراسات العلمية المقارنة بين الشعوب المختلفة ، والتى قام بها فريق من الباحثين اليابانيين على نوم الأطفال عندهم ، أن الطفل اليابانى ينام أقل من الطفل الأمريكى إذا تساوت أعمارهما ، وقد يرجع ذلك إلى عادات الشعوب فى تربية أطفالها ، وفى تهيئة الجو الملائم لنموها الجسمى والعقلى والاجتماعى ، لأن النوم من العوامل المهمة لذلك .
أما عند الشعوب العربية الحالية فلقد اختلط الحابل بالنابل فى حرية النوم ، وخاصة بعد انتشار الفضائيات التلفزيونية بصورة عشوائية بما فيها الإنترنت ، إذ غالبًا ما يترك الطفل على حريته ينام كما يجب ، ويستيقظ كما يحب ، ويلهو ما شاء له مزاجه أن يلهو ، ولهذا نرى أطفالنا يسهرون فى الشوارع وفى البيت ، ربما لما بعد منتصف الليل ، وخاصة فى فصل الصيف ، وربما نجاريهم ، بل فعلا سبقناهم فى ذلك ! .
فى حين أن الطفل الأوربى أو اليابانى أو الأمريكى يذهب إلى سريره فى فترة محددة ومعروفة وهى الثامنة مساء ، هذا وقد تمتد الطفولة عندهم حتى سن البلوغ . ومع الأسف ، فإن الطفل العربى أصبح عجوزًا منذ صغره فهو لا ينام إلا بعد منتصف الليل ، وفى الصباح الباكر يذهب إلى المدرسة بين النائم والحالم والمستيقظ ، وغالبا ما يكمل نومه وأحلامه على مقاعد الدراسة !
تعطلت السـاعـة
وبصراحة فإننا نعيش اليوم فى دوامة أضواء المدينة الحديثة الزائفة ، حيث تعطلت الساعة البيولوجية المنظمة للنوم ، فقديمًا كان أجدادنا القدامى يقبعون فى كهوفهم ، أو فى خيمهم أو حتى فى بيوتهم عندما تغرب الشمس ، ويقبل الليل ، ونرى الآن أحفادهم المعاصرين ، أى نحن والأجيال القادمة ، قد كسرت هذه القيود ، وكثيرًا ما يكون نهارهم ليلا وليلهم نهارًا ، تلبية لكثير من البرامج التلفزيونية المُتدنية ، أو تلبية لبعض الأفلام الإباحية الهابطة ، أو لبعض الأغانى التافهة ، والتى غالبًا لا تسر النظر ولا تطرب الأذن ، بل وقد فهم الأحفاد خطأ أغنية أم كلثوم : (ولا قصر فى الأعمار طول السهر) ؟ !!
ومع الأسف فإن الخلل المعاصر فى الدورة الطبيعية للنوم واليقظة ، جعل الإنسان الحضارى المعاصر كثير التوتر والقلق ، بل وأصبح هذان العاملان القاسم المشترك الأعظم فى أمراض المدنية المتهورة !
.. فى عصر نام فيه بعضهم على حقوق الإنسان لأخيه الإنسان ، فى عصر قد ذهب فيه بعضهم الآخر إلى تدمير مركب الأرض الزرقاء (مركب الحب والتسامح) ثم جاء الزلزال الأخير المدمر العاصف قبيل العام الجديد 2005 ، وكأنه يريد أن يقول للبشرية محذرًا من النوم على الحقوق والواجبات ؟ ! وتنبيهًا من غفلة القلوب المعاصرة ، بل وكان على ما أعتقد دعوة صريحة لإعادة التفكير والتأمل فى تحسين الأخلاق وتصفية النفوس البشرية ، وكأننى كنت أسمع أثناء رؤيتى أثار هذه العاصفة المدمرة ، صوتًا خفيًا من القلب يقول : ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) ﴾ سورة ق . 🅪
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛