طب وعلوم | سيكولوجية مرض السكرى وهو من الأمراض المزمنة

 سيكولوجية مرض السكرى


د. عبد الرحمن محمد العيسوى

يقال إن كثيرا من الشىء الجميل أمر مدهش ، ولكن هذه القاعدة لا تنطبق على معدلات الجلوكوز فى دم الإنسان glucose in the blood ولكن زيادة معدلاته فى الجسم لفترة طويلة من الزمن تؤدى إلى حالة مرضية تسمى hyperglycemia وهى من المؤشرات الدالة على الإصابة بداء السكرى

مرض السكرى أصبح واسع الانتشار فى معظم مجتمعات العالم ، وهو من الأمراض المزمنة chronic فهناك 7 ملايين فرد مصاب به فى الولايات المتحدة الأمريكية ، ويقدر بأن هناك نحو مثل هذا العدد مصابون به ، ولا كنهم لا يعلمون بالإصابة ، وبالتالى لم تشخص حالاتهم بعد ، الأمر الذى يدعو لضرورة الاهتمام بنشر الوعى الصحى وتوقيع الكشوف والفحوصات والتحاليل الطبية بصورة دورية لتحاشى تراكم أضراره الصحية .

وتزداد معدلات الإصابة به مع التقدم فى العمر عبر حياة الإنسان ، وإن كانت النسبة تزيد فى منتصف العمر ولدى كبار السن ، مقارنة بنسبته بين الأطفال والمراهقين . معدلات الإصابة آخذة فى الزيادة بين فئة منتصف العمر ، وتوجد زيادة ملحوظة بين إحصاءات عام (1965) وإحصاءات (1992) مشيرة إلى زيادة المعدلات فى السنوات الأخيرة . 

فما الذى طرأ على حياة الإنسان ، بحيث أصبح يعانى أكثر من ذى قبل من مرض السكرى ؟ ويبدو أنه أحد أمراض الحضارة وهو من الأمراض النفسية النشأة .

وتدل الإحصاءات الأمريكية على أن هناك نسبة عالية لاحتمالات الوفاة من جراء الإصابة بمرض السكرى بين النساء الأمريكيات من اصول إسبانية وإفريقية ، ومن السكان الأصليين لأمريكا . 

هذه الفئات فى حاجة إلى المزيد من الرعاية الصحية والحماية من خطر الأمراض المزمنة وخاصة مرض السكرى ، وفى حاجة إلى نشر الوعى الصحى والسلوكى بينهم ، وهنا يمكن أن تلعب أجهزة الإعلام دورًا مهما فى هذا المجال ، أى مجال التوعية الصحية . 

أنماط السكرى 

مرض السكرى ليس مرضًا واحدًا أو ليس نمطًا واحدًا ، ولكن هناك نوعين رئيسيين منه ، ويتطلب كل نمط نوعًا خاصًا من المعالجة ، وربما تختلف سباب الإصابة فى كل نمط .

النمط الأول من مرضى السكرى

يظهر هذا المرض فى مرحلة الطفولة أو فى مرحلة المراهقة ، ولا يمثل سوى نسبة بسيطة من أعداد المرضى تصل إلى 5 ـــ 10% من حالات السكرى ، ويطلق على هذا النوع الأول والذى يصيب الأطفال والمراهقين اصطلاح مرض السكرى المعتمد على الأنسولين IDDM ذلك لأن خلايا البنكرياس تلك التى تفرز هرمون الأنسولين تعجز عن إفرازه

وعلى ذلك فإن المرضى المصابين بهذا النمط من داء السكرى يحتاجون إلى حقن الأنسولين لعلاجهم وذلك لحماية المرضى من الآثار والتعقيدات الخطيرة ، وأكثر هذه التعقيدات الصحية والحادة والتى تنجم عن نقص الأنسولين فى الدم حالة تسمى Keto acidosis وهى حال تؤدى إلى وجود أحماض دهنية فى الدم تقود إلى تعطل وظائف الكلى وعلى ذلك تترسب الفضلات وتسبب تسمم الجسم ، وتبدأ أعراض هذه الحالة عند التعرض لحالة شديدة من العطش المزمن والتبول ، ويتبع ذلك حالات حادة من الدوخة أو الدوار والميل والقيىء مع شعور المريض ببعض الآلام فى البطن . ويجد المريض صعوبة فى التنفس . 

وإذا ترك المريض دون معالجة ، فإن هذه الحالة تقود إلى الإغماءة أو الوفاة فى غضون أيام أو أسابيع قلائل .

النمط الثانى من مرضى السكرى :

ويشكل الغالبية الساحقة من مرضى السكرى ، ويسمى هذا النمط من مرض السكرى ، السكرى الذى لا يعتمد على هرمون الانسولين niddm فى هذه الحالة يستمر البنكرياس فى إفراز الأنسولين قليلا .

معظم هؤلاء المرضى يستطيعون ضبط معدلات الجلوكوز فى أجسامهم دون تعاطى الأنسولين ، وذلك عن طريق اتباع أسلوب دقيق فى الغذاء أو الوجبات الغذائية ، مع تعاطى بعض الأدوية . ومن الممكن أن يظهر هذا النمط من داء السكرى فى أى سن ، ولكن فى الغالب يظهر هذا المرض بعد سن الأربعين . 

ولهذا النوع من داء السكرى نمطان فرعيان يتوقفان على وزن جسم المريض . معظم مرضى هذا النوع من السكرى من ثقيلى الوزن ، ويبدو أن أجسامهم تفرز كمية كافية من الأنسولين وفى بعض الأحيان تزيد معدلات هذا الإفراز عن الوضع الطبيعى ولكن ــ مع الأسف ــ تقوم أجسامهم بمقاومة فعل ضبط الجلوكوز بمعنى وجود الأنسولين مع تعطل وظيفته أو تعطل الجهاز الذى يضبط معدلاته فى الدم . 

أما مرضى هذا النمط من السكرى والذين لا تزيد أوزانهم عن الوضع الطبيعى ، فإن أجسامهم لا تفرز كمية كافية من الأنسولين . وفى الحالتين يصاب المريض بداء السكرى . 

ما الذى يجعل الجسم يقاوم تفعيل الأنسولين ؟ مسألة تحتاج إلى مزيد من الدراسة والبحث 

أثر الوراثـــــــة 

ما الذى يجعل البنكرياس يقلل من إفرازه من هرمون الأنسولين وما الأسباب التى تكمن وراء ذلك ؟ هذه الأسباب ليست معروفة على وجه الدقة واليقين . 

ولكن الدراسات التى أجريت على التوائم ، وهم أصحاب الاستعدادات الوراثية الواحدة عند الميلاد ، أوضحت أن هناك عاملا وراثيًا أو سببًا وراثيًا ginetic factor يكمن وراء انتقال المرض أو الإستعداد للإصابة به من الآباء والأجداد إلى الذرية . 

ونتاكد من ذلك من انتقال أحد التوأمين ليعيش فى بيئة بعيدة ومختلفة عن شقيقه ، ومع ذلك يصابان بالسكرى معًا على الرغم من اختلاف الظروف البيئية . 

فى معظم حالات داء السكرى يرث الإنسان نوعًا ما من القابلية للمؤثرات البيئية ، تلك التى تؤثر فى إنتاج أو إفراز الأنسولين ، فالمرض فى حد ذاته لا ينقل ، ولكن القابلية أو الإستعداد للإصابة به إذا ما توافرت الظروف البيئية التى تحركه . 

الوراثة تقدم الاستعداد أو التهيؤ أو الجذور أو الأصول أو البذور التى تجعلها البيئة تظهر أو لا تظهر . البيئة تقدم المادة الخام أو الاستعداد العام ويبقى دور الظروف البيئية .  

أثر الفيروسات 

من ذلك الإصابة بعدوى الفيروسات ، ذلك الفيروس الذى يثير جهاز المناعة فى الإنسان ليهاجم خلايا البنكرياس . وهناك حالات عدة قد تقود إلى الإصابة بالسكرى من ذلك ما يلى

  1. الوجبات الغذائية التى تحتوى على نسب عالية من السكر والدهون . 
  2. التعرض للضغوط النفسية أو الجسمية أو الإنفعالات كالقلق والضيق والخوف والحزن والفشل والإحباط . 
  3. زيادة إنتاج نوع من البروتين ، ذلك الذى يقوم بإعاقة هضم أو تمثيل السكر والمواد النشوية impairs the metabolism of sugers and carbohydrates ولكن لا تزال القابلية للمرض + البيئة معادلة أو علاقة ليست واضحة تماما أمام الباحثين حتى الآن . 

وتدل الإحصاءات على أن هناك نحو نصف مرضى السكرى لا يعرفون أنهم مصابون به . وهناك علامات أو مؤشرات تدل أو تنذر بوجود السكرى يكفى وجود ثلاث منها لمراجعة الطبيب المختص  : 

  1. تبول متكرر كثير جدًا . 
  2. إحساس شديد بالعطش . 
  3. الإحساس الدائم بالجوع حتى بعد تناول الطعام . 
  4. فقدان مفاجئ للوزن . 
  5. الشعور بالتعب بصورة مزمنة . 
  6. أحيانا رؤية ضبابية blurry vision .
  7. بطء التئام الجروح . 
  8. الإحساس بوجود تنميل فى القدم . 
  9. ارتفاع وزن الجسم بمعدل نصف الوزن الطبيعى . 

مناهج علاج مرضى السكرى 

يستهدف العلاج الطبى لمرضى السكرى مساعدة الجسم على الاداء السليم أو إثارة الأنشطة البيولوجية والحيوية السوية من أجل القيام بعملها والاحتفاظ بالمستوى الطبيعى من الجلوكوز فى الدم ، أى لتمكين الجسم من العمل والاحتفاظ بمستوى جلوكوز الدم فى حدود المستويات الطبيعية ، بمعنى عدم زيادة الجلوكوز ولا نقصه عن الحدود المطلوبة . يقاس مستوى الجلوكوز فى الدم بعد تناول المريض لطعامه بساعات . 

المعالجات تؤدى إلى تحسن الحالة تحسنًا كبيرًا ، والعلاج يستهدف تحقيق التوازن ، ويشمل تحديد الغذاء والدواء والتمرينات الرياضية المستمرة والتى تتم تحت الإشراف الطبى . 

أساليب علاج السكرى تشمل

  1. الدواء 
  2. الغذاء 
  3. التمرينات

ويستطيع مريض السكرى أن يبعد عن نفسه مخاطر السكرى عن طريق مواظبة العلاج ، وتحقيق التوازن فيما يتطلبه جسمه من السكر ، ولكن فى الحقيقة عدم الإلتزام بشروط المعالجة يمثل مشكلة كبيرة لمريض السكرى

ولقد أجريت بعض الدراسات ، وتم تحليل مقدار الالتزام بقواعد المعالجة الدقيقة لمرض السكرى ، وتبين منها عدم التزام الأغلبية بهذه القواعد من ذلك

  1. 80% من المرضى يتعاطون الأنسولين فى ظروف غير صحية .
  2. 58% يستخدمون الجرعات الخاطئة من الأنسولين .
  3. 77% يقيسون معدلات الجلوكوز بطريقة خاطئة أو يفسرون النتائج بطريقة خاطئة .
  4. 75% من هؤلاء المرضى لا يأكلون الطعام الموصوف لهم .
  5. 75% لا يأكلون بطريقة منتظمة .

فأكثر الأخطاء شيوعًا بين هؤلاء المرضى هى حالة تعاطى الأنسولين بصورة خاطئة أو غير صحية .

ولقد دلت متابعة مجموعات من مرضى السكرى من سن 12 حتى 60 عامًا ووجد أنهم يجدون صعوبات فى اتباع نظام الغذاء ، واتباع تعليمات التمرينات الرياضية ، وذلك مقارنة بالجوانب الطبية من المعالجة مثل قياس مستوى الجلوكوز فى الدم أو تعاطى الأنسولين فى موعده . 

العوامل النفسية والاجتماعية

تظهر الصعوبات النفسية والاجتماعية لمرض السكرى فى حالة ما يكون المرضى من المتخلفين عقليًا ، وفى حالة معيشتهم بمفردهم . 

لا يستطيع مريض السكرى المتخلف عقليًا mentally retarded أن يضبط نظام الطعام بنفسه diet . ولقد استطاعت ممرضة لواحدة من هؤلاء المرضى أن تكتب كرتًا لكل وجبة ، وعلى هذا الكرت وضعت صورًا للأطعمة وقائمة لشراء هذه الأطعمة ، حيث كان هناك كرت لطعام الإفطار والغداء والعشاء . وعلى المريض اختيار الوجبة التى يريدها ، ويذهب لشرائها . 

ولقد تبين نجاح هذه الطريقة فى ضبط وجبات طعام مرضى السكرى من المتخلفين عقليًا 

إن الالتزام بالقواعد الصحية يكفل تمتع الفرد بالصحة الجيدة . من بين عوامل الشفاء ما يلقاه المريض من الدعم الإجتماعى ، وما يتمتع به من الكفاءة الذاتية . ولقد كشفت بعض الدراسات الأمريكية عن أن المرضى إذا تلقوا العون الاجتماعى فإنهم يكونون أكثر التزامًا بقواعد العلاج . 

وكما هو متوقع فإن تعرض مريض السكرى للضغط النفسى يعوق تحكم المريض فى معدلات السكر فى دمه . وعندما يقع المريض تحت الضغط النفسى ، فإن الغدة الأدرينالية يزداد إفرازها . ويتعين توفير البرامج التى تكفل الوقاية من الإصابة بكل الأمراض وليس فقط علاج الحالات المصابة فعلا . كلما زادت المساعدة الاجتماعية أدى ذلك إلى تحسين الالتزام .

وقد يحدث أن يزداد وزن المريض بصورة مؤقتة عندما يضبط معدلات السكر فى دمه . ولكن هناك بعض النساء لا يرغبن فى زيادة الوزن ، وعلى ذلك لا يأخذن حقنة الأنسولين المطلوبة خوفا من السمنة . كذلك قد تظهر بعض المشكلات فى تحديد نوعية الغذاء إذا كان ذلك يتعارض مع عادات الغذاء التى تعَّود عليها المريض ، وخاصة لدى بعض أبناء السلالات العرقية الخاصة . 

وقد لا يستطيع المريض تناول الشاى أو القهوة فى البداية من دون سكر إطلاقًا . وقد تتأثر معدلات السكر فى الدم من جراء التعرض للضغط . وحيث أن مرض السكرى نفسه ليس مؤلمًا ، فقد يشعر المريض أن اتباع قواعد العلاج ليس أمرًا مهما . وهناك حالات يصعب فيها اتباع خطوات العلاج ، وذلك عندما يختلف هدف الطبيب عن هدف المريض نفسه . 

فقد يستهدف الطبيب علاج الطفل المصاب بالسكرى ومنع إصابته على المدى البعيد أى يرغب فى وقايته ، بينما قد يتطلب الآباء مجرد تحسن حالة الطفل فى الوقت الراهن ورؤية هذا التحسن يوميًا . 

التعامل مع الطفل المصاب 

معظم الأسر تستطيع أن تتوافق مع الطفل المريض بالسكرى ، ولكن هناك بعض الضغوط التى قد تستمر ، من ذلك أخذ الطفل لإجراء عدة فحوص طبية وإجراء اختبار الجلوكوز عليه ، وإعطاؤه الحقنة ، وترتيب ضبط وجباته الغذائية dietary adjustment عن طريق إعداد وجبات خاصة للطفل أو تعديل كل طعام الأسرة ، والآباء يشعرون بالقلق حول مستقبل صحة الإبن أكثر مما يشعر الطفل نفسه . الآباء يخشون عليه من تعديلات مرض السكرى . 

الأطفال الصغار حتى سن عشر سنوات لا يفهمون حالتهم الصحية ، وأنها عبارة عن مشكلة طويلة الأمد ، ولا يفهم الطفل كيف أن علاجه أمر ضرورى وحتمى . ولا يستطيع أن يرى نفسه مختلفا كثيرًا عن غيره من الأطفال . 

هؤلاء الاطفال لا يبدون مختلفين عن غيرهم خلافًا للمرضى بأمراض أخرى غير السكرى ، كذلك فإنهم لا يشعرون بالألم ، الأمر الذى يختلفون فيه عن بقية الأطفال هو القيود الموضوعة على غذائهم وأنواعه ، وحاجتهم إلى عمل توازن بين مدخلات السكر والتدريبات والتحكم فى معدلات السكر بصفة يومية وتعاطى حقن الأنسولين . وهى أمور يكرهها الأطفال . ومعظم هذه الإجراءات من الممكن القيام بها فى المنزل أو فى العيادات الخاصة . 

علاج أطفال السكرى مسئولية الآباء . ولكن متى يستطيع الطفل أن يتحمل قدرًا من إجراءات علاجه ؟ الطفل بعد الثامنة من العمر يستطيع أن يختار بنفسه غذاءه المناسب ، وأن يعطى لنفسه الحقنة فى سن التاسعة أو العاشرة ، وأن يجرى اختبار الجلوكوز فى سن 12 عاما . 

مريض السكرى أيا كان عمره ، يحتاج إلى تعلُّم ورعاية نفسه ويتضمن ذلك أربعة عناصر هى

  1. التحكم بنفسه فى مقدار الجلوكوز فى الدم .
  2. تعاطى الأنسولين أو غيره من المعالجات .
  3. التحكم فى نوعية وكمية الغذاء .
  4. ممارسة التمرينات الرياضية . 
يتعرف المريض على مقدار السكر عن طريق قياسه إما فى البول أو فى الدم أو فيهما معا ، ويتطلب الأمر إجراء هذا القياس يوميًا أو أربع مرات فى اليوم فى بعض الحالات . 


؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛