فتاوى | حلـــــق اللحـــــى وحكـم الشـرع

 فتاوى لها أحكام

حَلـْـــــق اللِّحــــــى

لفضيلة الإمام الشيخ / محمود شلتوت

ما حُكْم الشَّرع فى حَلْق اللِّحى ؟ 

آراء الفقهاء

تكلًّم الفـقـهـاء على حلق اللحى ، فرأى بعضهم أنه مُحرَّم ، ورأى آخرون أنَّه مكروه ، ومنهم من شدد فوصـفـه بأنه من " المنكرات " ، وبأنه " سفه وضلالة أو فسق وجهالة " . 

ونحن لا نشك فى أن إبقاءها وعدم حلقها كان شأن النبى  ، وأنه كان يأخذ من أطرافها وأعلاها بما يُحسنها ، ويجعلها متناسـبة مع تقاسيم وجهه الشريف ، وأنه كان يعنى بتنـظـيـفـهـا وتخليـلهـا بالماء ، عملا على كـمـال النظافة ، وكان الأصحاب رضوان الله عليهم يتابعونه فى كل ما يخـتـاره ويسـير عليه فى مظهره وهيئته ، حتى مشيته . 

من سُنن الفِطْـــرة 

وقد وردت عنه  أحـاديث ترغب فى تـوفـيـرها ضمن أمور تتصل كلها بالنظافة ، وتحسين الهيئة وإظهار الوقار ، وعُرِفت تلك الأحاديث عند العلـمـاء بأحاديث (خصال الفطرة أو سننها) والكلمة تعنى الآن الأشياء التى تتـفق وخلق الإنسـان فى أحسن ما شاء الله من الصـور ، وكان من هذه الخصال الواردة مع إعفاء اللحيــة فى تلك الأحاديث (السواك ، وقص الشارب والأظافر ، وغسل البراجم : وهى عقد الأصابع ومعاطفها واستنشاق الماء ، وإزالة شعر الإبط والعانة والختان) وقد أخذت هذه الخصال عند كثير من الفـقـهـاء الباحثين عن أحكام الشـريعـة حكم السُّنيـَّة أو الاستحبـاب ، وأخذت حكم الكراهة . وإعفاء اللحية واحدة من هذه الخصال لا يعدو حكمه حكمها وهى السنيـة والاستحباب . 

على أن كلمة سُنَّة أخذت فى دور الاجتهاد الفقـهى غير معناه فى زمن التشريع ، فهى عندهم ما يثاب المرؤ على فعله ولا يعـاقب على تركه . وقد كان معناها الطريقة العمليـة التى يستحسنها الناس ، ويرى فيها النبى  ما يرون فيها ، فيسير عليها ويُرغِّب أصحابه فيها .

عـــادة قديمـــة

وقد أرشدنا تاريخ العرب القديم وغيرهم إلى أن إعفاء اللحيـة كان عادة مستحسنة ، ولا يزال كذلك عند كثير من الأمم فى علمائها وفلاسفتها ، مع ما بينهم من اختلاف فى الدين والجنسية والإقليـم ، يرون فيها مظهرًا لجمال الهيئة ، وكمال الوقار والاحترام . 

والرسول عليه الصلاة والسلام من دأبه إرشاد أمته إلى ما يجعلهم فى مقدمات أرباب العادات المستحسنة ، التى توفر بحسب العرف مظاهر الوقار ، وجمال الهيئة ، ومن ذلك جاءت أحاديث الترغيب فى توفير اللحية . كما جاءت أحاديث الترغيب فى السواك وتنظيف عقد الأصابع ومعاطفها . 

الأَمْر بمخالفة المُشْركين 

نعم جاء فى أحاديث خاصة باللحية الأمر بالإعفاء والتوفير ؛ وعللت ذلك بمخالفة المجوس والمشركين ، ومن هنا فقط أخذ بعض العلماء أن حلق اللحية حرام أو منكر . 

والذى نعرفة فى كثير مما ورد عن الرسول  فى مثل هذه الخصال أن الأمر كما يكون للوجود لمجرد الإرشاد إلى ما هو الأفضل ، وأن مشابهة المخالفين فى الدين إنما تحرم فيما يقصد فيه التشبه من خصائصهم الدينية ، أما مجرد المشابهة فيما تجرى به العادات والأعراف العامة فإنه لا بأس بها ولا كراهة فيها ولا حُرمة . 

وقد قيل لأبى يوسف صاحب الإمام أبى حنيفة : ـ وقد رئى لابسًا نعلين مخصوفين بمسامير ـ إن فلانًا وفلانًا من العلماء كرها ذلك لأن فيه تشبهًا بالرهبان فقال : كان رسول الله  يلبس النعال التى لها شعر ، وإنها من لباس الرهبان

ونحن لو تمشينا مع التحريم لمجرد المشابهة فى كل ما عرف عنهم من العادات والمظاهر الزمنية لوجب علينا الآن تحريم إعفاء اللحى ؛ لأنه شأن الرهبان فى سائر الأمم التى تخالف فى الدين ، ولوجب الحكم بالحُرْمة على لبس القبعة ، وبذلك تعود مسألتها جذعة بعد أن طوى الزمن صفحتها ، وأخذت عند الناس مسلك الأعراف العامة التى لا تتصل بتدين ولا فسق ولا بإيمان وكفر

والحق أن أمر اللباس والهيئات الشخصية ومنه حلق اللحية من العادات التى ينبغى أن ينزل المرء فيها على استحسان البيئة ، فمن درجت بيئته على استحسان شىء منها كان عليه أن يساير بيئته ، وكان خروجه عمَّا ألف الناس فيها شذوذًا عن البيئة . 

والله الموافق للسداد . 🅪


؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛