التربية فى الإسلام | النظـافـة الصحية والطهارة
النَّظـَافـَة من الإِيمـان
الإسلام دين النظافة والطهارة ، والله عزَّ وجلَّ يحب المتطهرين ، فهو القائل فى كتابه الكريم : ﴿ .. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) ﴾ البقرة . والنظافة الصحية الجيدة لها أهمية كبيرة لمنع انتشار الأمراض المعدية ، والنظافة من الإيمان .. والنظافة خُلق يتخلق به المسلم ، حيث يتعود على النظافة فى صغره ، حتى تصبح خُلقًا ، وليس مجرد عادة .. فهى تكون فى : الملابس ، والأجساد ، والأماكن ، وتكون أيضًا فى السلوك ، والأخلاق .. ولو أمعنا النظر فى أمور الشرع الحنيف لوجدنا النظافة تحتل جزءًا كبيرًا .. فالوضوء ما هو إلا نظافة .. والوضوء من حيث اللغة : من الوضاءة ، وهى : الحُسْن والنظافة ، والوضوء غَسل لأعضاء غالبًا ما تكون مُعرَّضة للأتربة ، والتلوث ، والأمر بالوضوء للصلاة التى هى خمس مرات فى اليوم يبين أهمية النظافة المستمرة ، والنبى ﷺ يقول : "لولا أن أشُقَّ على أُمَّتى لأمرتُهم بالسِّواك عند كل وُضُوء ، وبالوُضُوء عند كل صلاة" .. رواه البخارى ، والترمذى .
ويؤكد العلماء والباحثون أن الحرص على النظافة اليومية لنظافة اليدين والأوانى والأماكن العامة وتعقيمها هو السبيل الوحيد لمحاصرة مجموعة من الأمراض الفيروسية والحد من خطورتها بنسبة كبيرة . ومع ازدياد فرص الإصابة بفيروس كرونا ، وهو أمر يمكن الوقاية منه بالاهتمام بمعايير النظافة المعروفة وفى مقدمتها غسل اليدين بشكل منتظم .
كما أن معايير الصحة والنظافة فى أماكن التجمعات كالمدارس والمستشفيات مهمة للغاية لمواجهة هذا الوباء الداهم .. ونحن نعلم أن اتباع ممارسات النظافة الجيدة بما فيها غسل اليدين بشكل متكرر بالماء والصابون ، وصحة الجهاز التنفسى والتى تشمل تغطية الفم والأنف معا وتطهير الأسطح بالمطهرات يساعد على الحد من انتشارات الفيروسات بشكل عام بما فيها فيروس كورونا .
يمر النبى ﷺ يومًا على أصحابه ، فيراهم يتعجلون فى وضوئهم ، ولا يُحْسنون غسل أقدامهم ليدركوا الصلاة فى وقتها ، وكانوا على سفر ، فينادى عليهم قائلا : "ويْلٌ للأعقابِ من النَّار .. ويلٌ للأعقاب من النار" . رواه البخارى عن أبى هريرة (رضى الله عنه ) وأخذ يُكررها حتى يُتْقنُوا غسل أقدامهم مهما ضاق الوقت على الصلاة .. وتأكيدًا لأهمية الوضوء يقول النبى ﷺ : "الوُضُوء نِصفُ الإيمان" .
ومن أوامر الإسلام الإستنجاء ، وإزالة النجاسة عن القُبُل والدُّبُر . وانتقاض الوضوء بخروج شىء من السبيليْن يجعل الإنسان يتأمل فى ذلك ، إذ إن الأعضاء المأمور بغسلها بعيدة عن مكان خروج الفضلات ، وقد كان من الممكن الاكتفاء بتطهير وتنظيف أماكن خروج النجاسة ، لكن أوامر الشرع لا تُؤْخذ بالعقل ، وإنما تُؤخذ بالنقل ، فالهدف هو الطاعة أولا ، والنظافة ثانيًا .. وتقول السيدة عائشة (رضى الله عنها) : كان الناس فى مَهْنةِ أنفُسهم : فكانوا يذهبون إلى المسجد ، فتكون لهم أرواحٌ ، فقيل لهم : هلاَّ اغْتَسلْتُم .. والقائل هو رسول الله ﷺ .
وقد أوصى النبى ﷺ باغتسال يوم الجمعة ولبس الثياب النظيفة قبل الذهاب إلى المسجد .. فقال ﷺ :"غُسلُ يَومِ الجُمعة واجبٌ على كُلِّ مُحْتلمٍ" .. رواه البخارى عن أبى سعيد الخدرى (رضى الله عنه) ويوصى بالاستحمام مرة فى كل جُمعة على الأقل ، كما يُنبِّه إلى قصّ الأظافر ، وتنظيف ما بين أصابع اليدين ، والقدمين ، وإزالة شعر الإِبط ، والعانة ، وهى أماكن تُشكِّل بيئة صالحة لنمو الميكروبات والجراثيم ، كما أثبت العلم ذلك حديثًا ، والله تبارك وتعالى يقول : ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ .. (31) ﴾ الأعراف .. والخطاب لكل من يريد الصلاة فى المساجد ، وقال بعض العلماء : بل لكل من يريد الصلاة فى المسجد أو فى البيت ..
وقد شرع الله تبارك وتعالى الاغتسال من الجنابة ، كما شرع الاغتسال من الحيض والنفاس للمرأة .. وأمر باعتزال النساء فى المحيض .. وكذلك سنَّ النبى ﷺ الاغتسال للإحرام بالحج ، أو العُمرة ، وكذلك الاغتسال للتحلل منهما بعد أداء المناسك .. والأمر بختان الصبيان ما هو إلا للنظافة وقد كان النبى ﷺ لا يفارقه فى سفره : المشط ، والمكحلة ، والطيب ، وكان يأمر بغسل شعر الرأس ، وتمشيطه ، وينصح الرجال بالتزيُّن لنسائهم ، كما يحبون أن تتزيَّن لهم نساؤهم .. وقد جاء رجل يومًا فرآه رث الثياب فسأله إن كان له مال ، وحين علم من الرجل أنه ذو مال قال له : "إنَّ الله يحبُّ أن يرى أثر نِعْمتهِ على عبده" .. ولو تأملنا فى كل ما حَكَمَ الإسلام بنجاسته ، لوجدنا أنه مُسْتقذرٌ أصلا : فالبول ، والبراز ، وروث البهائم ، والدم كلها نجسة ، وكلها مُسْتقذراتٌ بحكم العُرف .
وتتضح أهمية النظافة من قول الحق تبارك وتعالى : ﴿ .. وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) ﴾ البقرة .. كما كان الأمر بالنظافة من أول الأوامر التى أوصى الله بها نبيه ﷺ إذ يقول له : ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) ﴾ المدثر .
وقد أمر الإسلام بنظافة البدن ، والثياب ، والمكان ؛ إذ إن طهارة مكان الصلاة شرط لصِحَّة الصلاة .. وكان على عهد رسول الله ﷺ امرأة سوداء تُنظِّف المسجد ، متطوعة بذلك ، وهى امرأة مجهولة لم تذكر كتب السيرة اسمها ، ولم يكن أحد يهتم بها .. فافتقدها رسول الله ﷺ يومًا ، فسأل عنها فقيل له : إنِّها ماتت بالأمس ، ودُفنتْ .. فقال ﷺ : "هلاَّ آذْنتمُونى" .. قالوا : كانت ليلة شاتية (باردة) . فقال : "دُلُّونى على قَبْرها" فدلوه على قبرها ، فذهب إلى القبر ، وصَلىَّ عليها صلاة الجنازة .. مما يبين أهمية ما كانت تقوم به تلك المرأة من عمل ألا وهو تنظيف المسجد ، إذ إن نظافته أهم من نظافة أى مكان ؛ فهو بيت الله الذى يجب على كل مسلم مراعاة نظافته ، والحفاظ عليها ..
وقد كَرِه العلماء الأكل والنوم فى المساجد لغير المعتكف .. فإذا انتقلنا إلى الطرقات وجدنا أن نظافتها من الأمور المطلوبة ، والتى حَثَّ عليها الإسلام فيقول رسول الله ﷺ : "بينما رجلٌ يمشى فى طريقٍ ، فوجد غُصْن شَوْكٍ ، فأخَّرهُ ؛ فَشَكر الله له ؛ فَغفر لهُ" .. رواه الترمذى ، وأبو داود ، وابن ماجه . فإن كان الأمر كذلك فلابد وأن يؤاخذ إذا وضع غصن الشوك فى طريق الناس ؛ فبضدها تتميز الأشياء ..
ويقول النبى ﷺ : "منْ كان يُؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ فلا يُؤذِ جَارهُ" ولا شك أن القاذُورات والقمامة ــ التى يلقيها البعض فى الطريق العام .. وما يطرحوه من النَّوافذ والشُّرف فى مَنَاور البيوت ــ مما يُؤذى الناس فيتعرضون للمُؤاخذة والعقاب ، بالإضافة إلى انتشار الحشرات الناقلة للأمراض ، والأوبئة وقد أمر النبى ﷺ بتغطية الطعام والشراب فقال : "غَطُّوا الإناء ، وأوْكُوا السِّقَاء" .. كما سنَّ لنا النبى ﷺ غسل اليدين قبل الطعام وبعده .. وتنظيف الفم والأسنان .. والتطيُّب ، وإزالة الروائح الكريهة ، والمُحافظة على المظهر .. وأباح لنا التزيُّن وقال ﷺ : "كُل ما شِئْت ، والبس ما شئْت ، ما أخْطأتك خَصلتان : سرفٌ ، ومَخْيلةٌ" ، رواه البخارى عن ابن عباس (رضى الله عنها) .
وقد كان النبى ﷺ مثالا فى النظافة ، والطهارة ، وحسن المظهر ، وطيب الرائحة .. وكان ــ من حرصه على طيب رائحته ــ لا يأكل الثوم النَّيِّئ ، ولا البصل أبدًا ، حتى تبقى رائحة فمه طيبة ، وكان ينهى أصحابه عن الذهاب إلى المسجد إذا أكلوا من هذه الأصناف حتى لا يُؤذوا المصلين برائحة أفواههم ، وقد سار أصحابه (رضوان الله عليهم) على نهجه ، وكذلك التابعون حتى أصبح الإسلام عنوانًا للنظافة فى البلاد التى دخلها ، وكان من سِمات المسلمين المميزة نظافة أبدانهم ، وثيابهم ، وأماكن تواجدهم ، فعمرت البلاد ، وانتشرت الحضارة الإسلامية فى ربوع الأرض ، إذ إن النظافة من التمدين ، والتحضر ، والحفاظ على الصحة العامة ، وعلى ما بأيدينا من نِعَمٍ . ᮷
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
من كتاب أخلاقيات الإسلام
للشيخ / ياسين رشدى