هل تعلم؟ | الْكِــــــــــــــــبْرُ من أمراض القَـلْـب مَصْحُوب بإحتقار الناس
الْكِـــــــــــــــبْرُ
{من أمراض القلب}
ما هو الكِـــبْرُ ؟الكِبْر معناه لغةً : العَظَمَة والتَّجبُّر ؛ ومعناه اصطلاحًا : الإستهانة بالناس ، واستصغارهم والكِبْر هو شعور خادع بالإستعلاء مصحوب باحتقار الناس والترفع عليهم وإحساس الشخص بأن منزلته الدينية أو الدنيوية أعلى من منزلة غيره .. ثم يركن إلى هذا الإحساس ، ويعتقده بقلبه ، ويستريح إليه ؛ وتتعاظم نفسه فى عينيه فلا يرى سواها .. ويتأصل المرض فى قلبه .. ثم تظهر آثاره على الجوارح فيمشى مختالا فخورًا ، ويُصعِّر خده للناس .. ثم يظهر الأثر بعد ذلك على اللسان فيتفاخر : بِعلمه ، أو نَسَبِهِ ، أو بِعبادته .. ويقع فى محظورات لا عد لها ولا حصر . والكِبْر مذموم فى مواضع كثيرة من القرآن يهدد فيها أصحابه بسوء المصير .. يقول الحق تبارك وتعالى :
- ﴿ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72) ﴾ الزمر .
- ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا .. (146) ﴾ الأعراف .
- ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ۚ .. (40) ﴾ الأعراف .
- ﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36) ﴾ الأعراف .
- درجات الكِـــبْرُ :
{أولا}: أن يكون الكبر مرضًا مستبطنًا فى القلب ، ولا يظهر أثره على الجوارح أو اللسان ، ولا يشعر به الناس ، ومع ذلك يوصف صاحبه به ويحاسب عليه .. كما جاء فى قول الحق تبارك وتعالى : ﴿ .. إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ ۚ .. (56) ﴾ غافر .
ويقول النبى ﷺ : " لا يَدخلُ الجنَّةَ مَنْ كَانَ فى قَلْبِهِ مِثقالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ " .. رواه مسلم عن ابن مسعود (رضى الله عنه) .
ويقول صلى الله عليه وسلم : " يُحْشَرُ الجَبَّارون والمُتكبِّرون يَومَ القِيامةِ عَلَى صُورَة الذَّرِّ* يَطَؤُهُمُ النَّاسُ لِهَوَانِهمْ عَلَى الله .." رواه الترمذى من رواية عمرو بن شعيب . *الذر : النمل الأحمر البالغ الصغر .
{ثانيا}: أنْ يَظهر أَثر الكِبْر على الجوارح فيراه الناس ويشعروا به كأن يُصعِّر خده للناس ، أو يمشى بينهم مختالا فخورًا بنفسه ، أو يمشى فى الأرض مرحًا .. وقد جاءت هذه العلامات واضحة فى القرآن الكريم ، يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) ﴾ لقمان .
ويقول الرسول ﷺ : " بَينمَا رَجُلٌ يمشى مُخْتَالا فِى بُرْدَتِه فَخَسفَ الله بِهِ فَهُو يَتَجَلْجَلُ فِى الأَرْض حَتَّى تَقُوم السَّاعَةُ " من رواية ابن عمر (رضى الله عنهما) .
ويقول صلى الله عليه وسلم : " مَنْ جَرَّ ثَوبَه خُيَلاَءَ لا يَنْظر الله إليه يومَ القيامة " رواه مسلم عن ابن عمر (رضى الله عنهما) .
ويقول صلى الله عليه وسلم : " مَنْ تَعَظَّمَ فِى نَفْسهِ واخْتَال فِى مَشْيتِهِ لقى الله وهو عليه غَضْبَان " . رواه أحمد والطبرانى والحاكم وصححه .
{ثالثا}: أنْ يَظهر أَثر الكِبْر على اللسان فيتفاخر : بِنفسهِ ، أو بعملهِ ، أو بقوتهِ ، أو بعلمهِ ، أو بعبادتهِ .. ويتعالى على الناس بذلك .
- أنواع الكــبر ثلاثة :
[الأول] التكبُّر على الله : وهذا هو أفحش أنواع الكِبْر ، ولا يُصيب إلا الطغاة والجبَّارين كفرعون ، وهامان ، والنمروذ ومن كان على شاكلتهم .. وهذا الصنف من الناس يستنكف أن يكون عبدًا لله .. ونعرض مثالين من القرآن الكريم يبين هذا النوع من التكبُّر :
المثل الأول : (فرعون) إذ يحكى القرآن عنه قوله : ﴿.. يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي .. (38) ﴾ القصص . وقوله : ﴿ فَحَشَرَ فَنَادَىٰ (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ (24) ﴾ النازعات . وقوله : ﴿ .. أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) ﴾ الزخرف . هذه الأقوال تدل على استنكافه أن يكون عبدًا لله أو أن يكون للناس إله غيره .. فهو لم يستكبر على سيدنا "موسى" ــ كما فعل قومه ــ ولكنه نفى وجود إله غيره ، ورأى أنه الإله الأوحد المستحق للعبادة والطاعة ، واستنكف أن يكون عبدا بعد ما كان إلها ..
والمثل الثانى : (النمروذ) الذى يحكى عنه القرآن : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ .. (258) ﴾ البقرة .. وهذا المُتكبِّر على الله قد صار مثلا لكل مُتكبِّر فى الأرض ؛ حيث يطلق الناس على أمثاله كلمة (نمرود) .. وبالمقابل لو نظرنا إلى ما يجب أن يكون عليه العباد الذين أضاء الله قلوبهم بنور معرفته لوجدنا الحق تبارك وتعالى يقول فى شأنهم : ﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) ﴾ النساء .
[الثانى] التكبُّرُ على الرُّسُل : المصابون بهذا الداء يحكى القرآن أمثلة كثيرة عنهم منها :
- ﴿ فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47) ﴾ المؤمنون .
- ﴿ قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَٰنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15) ﴾ يس .
- ﴿ .. قَالُوا مَا هَٰذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ .. (43) ﴾ سبأ .
- ﴿ وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ (34) ﴾ المؤمنون .
- ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) ﴾الزُّخرف .
هؤلاء جميعا لم يستكبروا على الله تبارك وتعالى ، فقد اعترفوا بوجوده ولم ينكروه ، ولكنهم استكبروا على رسلهم . هذان الصنفان من الناس : المتكبرون على الله والمتكبرون على الرسل تكمن خطورة مرضهم عليهم فى أنهم يَصمُّون آذانهم عن سماع الحق فلا يهتدون إليه .. وهم فى ذلك ينقسمون إلى قسمين :
قسم يَمْتنع عن السماع أصلا : وهؤلاء هم الضَّالون ، وفيهم يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) ﴾ فصلت . ويقول : ﴿ وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ﴾ نوح .
قسم يستمع ويتبين له الحق فلا يتبعه استكبارًا : هؤلاء هم المغضوب عليهم ، وفيهم يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ .. (14) ﴾ النمل . ويقول : ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) ﴾ البقرة .
فهؤلاء القسم من الناس عرفوا الحق وتيقنوا منه ، منعهم الكِبْرُ من اتِّباعه .. فالكِبْر : إمَّا يمنع من الإستماع أصلاً فيؤدى إلى الضلال .. وإما يمنع من الإنقياد بعد السماع ، فيؤدى ــ والعياذ بـ الله ــ إلى غضب الله .. من أجل ذلك استحقوا ما قضاه الله عليهم بقوله : ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146) ﴾ الأعراف .
[الثالث] التَكبُّر عَلى النَّاس : المصابون بهذا الداء يتكبرون على أقرانهم ، فضلاً عمن هم أقل منهم شأنًا ، ويُحْرمُون بذلك من أخلاق المؤمنين مثل : التواضع ، وكظم الغيظ ، والعفو ، وبسط الوجه ، ويدعوهم الكِبْرُ إلى المراء والجدال لإفحام الخِصْم ، وازدراء واحتقار غيرهم ، والسخرية منهم .. والنبى ﷺ يقول : " بِحَسْبِ امْرئ مِن الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ " .. وقد غفل هذا الصنف من الناس عن أن منازل الناس عند الله لا يعلمها سواه ، وأن درجاتهم فى الدنيا قد قسمها الله .. كما أنهم وقعوا فى خطر داهم وشر ماحق ؛ إذ نازعوا الله حقه ، وشاركوه سُلطانه .. فهو المتكبِّر بحق ، القائل فى حديثه القدسى : ﴿ الكِبْريَاءُ رِدَائى ، والعَظَمَةُ إِزَارِى .. مَنْ نَازَعَنِى فِيهِما قَصَمْتُهُ ﴾ . رواه أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه عن أبى هريرة (رضى الله عنه) .
- [ مَا يَكونُ بهِ التكــبُّر] : نجد من المُتَكبرين من يتكبَّر بعلمه ، ومنهم من يتكبر بعبادته ، ومنهم من يتكبَّر بالحَسَب والنَّسب ، ومنهم من يتكبَّر بالجَمَال ، ومنهم من يتكبَّر بالمال ، ومنهم من يتكبَّر بالقوَّة ، ومنهم من يتكبَّر بكثرة الأتباع ، وإليك بيان كل منهم :
أولا : التَكــبُّرُ بالعِــلْم :
ويكون ذلك بأن ينظر المُتعلم إلى الناس من عُلُوٍّ ، ويرى لنفسه منزلة أعلى منهم : فإذا وَعَظَ عَنَّفَ .. ويغضب إذا رده أحد ، ويثور إذا انتقده آخر .. ويحفظ ما ورد عن النبى ﷺ فى فضل العلماء ، ولا يَمل من ترديده على مسامع الآخرين مثل : " فَضْلُ العَالِم عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِى عَلَى أَدْنَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابى " .. و " بَيْنَ العَالِم والعَابِدِ كَمَا بَيْن السَّماء والأَرْضِ " يقول ذلك للإفتخار بعلمهِ على الناس ليعظموه ويوقروه . وأسباب الإصابة بهذا المرض الخطير تتلخص فى الآتى :
أن يكون قد نال من العلم قشوره ، ولم يصل إلى حقيقة العلم ؛ فلو وصل لحقيقة العِلم لَعَلِم أن أشرف العلوم على الإطلاق هو العلم بـ الله .. ولو كان عالمًا بـ الله وبصفاته لعلم أنه هو ــ سبحانه وتعالى ــ المُتكبِّر بحق .. ولعلم أنه مهما نال من علوم فهو من فضل الله عليه : ﴿ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ﴾ العلق .. ولو عرف الإنسان نفسه على حقيقتها لعلم أن أوَّله نطفة مذرة ، وآخره جيفة قذرة ، وهو بينهما يحمل العذرة .. لذلك كان جهله بنفسه وبِرَبِّه سببًا فى إصابته بمرض الكِبْر ، ويعلم أن العِلم من فضل الله وكذلك الفِهم مِنْحة من الله تبارك وتعالى ، ويبين ذلك قوله : ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ .. (79) ﴾ الأنبياء .
أن يكون قد تعلَّم العِلمَ قبل أن يُهذِّب نفسه ويزكيها .. فلم يُعلِّمَهُ عالم ، ولم يُؤدِّبَه شيخ ، ولم يُرَبِّ هو نفسه ؛ إذ أن الأَدب يسبق العلم .. فكما ينزل الماء من السماء عذبًا صافيًا فتشرب منه الأشجار بجذورها وعروقها فتحوله على قدر طعومها : فيزداد الحلو حلاوة ، ويزداد المُرُّ مرارة .. فكذلك العِلم ينزل من السماء نورًا صافيًا لأنه من الله بدليل قول الحق تبارك وتعالى : ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا .. (31) ﴾ البقرة . ﴿ .. وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114) ﴾ طه . ﴿ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ﴾ العلق . ﴿ .. وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ .. (113) ﴾ النساء .
فالعِلْم كالغيث ينزل على قلوب الرِّجال صافيًا فتحوله القلوب على مقدار نقائها وسلامتها ، أو مرضها وخبثها .. فيزداد المُتكبِّر كِبْرا ، ويزداد المُتواضع تواضُعًا .. ويزداد الأصيل أصالة ، ويزداد الدنىء دناءةً .. فمن تلقى العلم قبل أن يُزكِّى نفسه ، ويُطَهِّرها ، ويُنظِّف قلبه ، ويداويه ــ نزل العلم على قلبه وهو خبيث مُظلم فزاده خُبثًا على خبث ، وظلامًا على ظلام . من أجل ذلك وجب على من أراد طريق العِلْم والعلماء أن يتأدب أولا ، ويُطهر قلبه من كل ما هو خبيث ، ومن كل مرض قد يكون مصابًا به : كالرِّيَاء ، والحقد ، والنِّفَاق ، والعُجْب ، والكِبْر ، وما إلى ذلك .
ثانيا : التَكـبُّرُ بالعِبَـادَةِ :
ويكون ذلك بأن ينظر العبد إلى عمله ، ويُعجب به ، ويظن أنه قد عمل ما لم يعمله سواه ، وينسب ذلك لنفسه ، فيُصاب قلبه بداء الكِبْر فيحبط عمله ويهلك ؛ لأن الله تبارك وتعالى هو الموفق للعمل الصالح .. بل هو المانح للصحة والفراغ لأداء هذه الأعمال ، ولو شاء الله لشغله بهموم لا قبل له بها ، ولشتت قلبه ، أو لأصابه بأمراض وأسقام تمنعه من أداء الفرائض فضلا عن النوافل .
والأخطر من ذلك أن ينظر المُتكبِّر ــ بعبادته ــ إلى الناس باعتبارهم هلكى لأنهم عُصاة ، أما هو فناج لأنه عابد .. وقد غفل عن قول النبى ﷺ : " لن يُدخل أَحدَكُم الجنَّة عَمَلُهُ .. قالوا : ولا أَنتَ يا رسول الله ؟! قال : ولا أنا ، إِلاَّ أنْ يَتَغمَّدنِى الله بِرَحْمَتِهِ .. قالوا : فَفيمَ العَمَلُ يا رسول الله ؟! .. قال تَدْخُلُونَ الجنَّة بِرَحْمةِ الله وتَقْتَسمُونها بِأَعْمَالِكُمْ " متفق عليه عن أبى هريرة (رضى الله عنه) . ويشير القرآن الكريم إلى أنه ما من نبى إلاَّ ونجا برحمة الله وليس بعمله أو بفضله .. كما جاء فى قول الحق تبارك وتعالى :
- ﴿ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا .. (72) ﴾ الأعراف .
- ﴿ وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا .. (58) ﴾ هود .
- ﴿ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا .. (66) ﴾ هود .
- ﴿ وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا .. (94) ﴾ هود .
هذا بالإضافة إلى أن الطاعات بحسب ظواهرها شىء ، وبحسب حقيقتها شىء آخر .. فرب معصية أورثت ذلاً وانكسارًا خير من طاعة أورثت عِزًّا واستكبارًا .. ولعل عاصيًا ندم على معصيته فندمه يُنْجيه ، ولعل طائعًا وتكبُّره بطاعته يرديه ، ونبين ذلك بمثالين : المثل الأول ـ قصة الرَّجلين من بنى إسرائيل اللذين كان أحدهما عابدًا والآخر عاصيًا ، فتكبر العابد على العاصى وعنَّفه وحكم عليه بأنه لن يدخل الجنَّة .. فدخل العابد النار ، ودخل العاصى الجنَّة .. والمثل الثانى ـ قصة الرَّجل الذى أمر أبناءه بحرق جُثَّته بعد موته خوفًا من الله ؛ فأدخله الله الجنَّة .. هذه الأمثلة قصها النبى ﷺ على أصحابه ليؤدبهم ويُعلِّمهم أن العمل غير مضمون ، وأن العِبْرة بالخواتيم .. وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء .
ثالثا : التكبُّرُ بالحَسَب والنَّسَبِ :
ويكون ذلك بالتعالى على الناس ــ ولو كانوا أرفع منه عِلْمًا وعملاً ــ بمنزلة الآباء وعلو شأنهم فى الدين أو فى الدنيا .. وقد حدث فى عهد النبى ﷺ أن قال أبو ذَر الغفارى (رضى الله عنه) لرجل آخر : يابن السوداء ، فقال صلى الله عليه وسلم : " يا أبا ذَرٍّ ، طَفَّ الصَّاعُ .. طَفَّ الصَّاعُ .. ليس لابْنِ البيْضَاءعَلَى ابْن السَّودَاء فَضْلٌ " فاضطجع أبو ذَرٍّ على الأرض ، ولصق وجهه بالتراب ، وقال لصاحبه : قُمْ فَطَأْ عَلَى خَدِّى .. وقال أحد الشيوخ لرجل افتخر بأصله : أنا أعلمُ بأصلِكَ وفَصْلِكَ .. أما أَصْلُكَ : فَيُدَاسُ بالأقدامِ .. وأما فصلك : فتغسل مِنْهُ الأبدانُ .. مشيرًا إلى أن الأصل : هو التُّراب الذى يداس بالأقدام ، والفصل : هو المَنِى الذى تغسل منه الأبدان ، فهذا هو الإنسان : خُلق من تراب ، ثم من نطفة .
رابعا : التَكــبُّرُ بالْجَــمَالِ :
وهذا المرض يكون فى النساء أكثر وأظهر منه فى الرِّجال .. فمن طبيعة المرأة أن تعجب بجمالها ، وتختال به على من هى دونها ، وليس جمال الجميل بفعله فيحمد عليه .. ولا قبح القبيح بذنبه فَيُلام عليه .. وإنَّما الخالق هو الله تبارك وتعالى حيث يقول : ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ .. (6) ﴾ آل عمران .
خامسا : التَكــبُّرُ بالمَــالِ :
ويكون بسبب جهل صاحبه بأن المال ليس بصفة ذاتية : كالقوة البدنية ، أو الجمال ، أو العلم .. وإنما هو صفة عارضة يأتى ويذهب وقد يزول فى لحظة .. ونذكر ثلاثة أمثلة من القرآن :
المثال الأول : يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا ۚ وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) ﴾ الكهف .. فهذا رجل آتاه الله من المال أطيبه ، ووسع عليه ، وبدلا من أن يشكر نعمة الله تَكبَّر بماله على من لا مال له .. فكان عاقبة كِبْره أن أفقده الله ماأعطاه فى لحظة ، كما يحكى القرآن : ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) ﴾ الكهف .
المثال الثانى : حكاه القرآن عن أصحاب البساتين الذين اختالوا بالنعمة ، واعْتَبَروا أنهم مستحقون لها ، ولم يُخرجوا حق الفقراء فيها ، بل وقرروا أن يحصدوها سِرًّا حتى لا يراهم أحد فيسألهم مما أعطاهم الله ، فكانت نتيجة ذلك أن فقدوها فى ليلة واحدة : ﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) ﴾ القلم .
المثال الثالث : ما حدث لقارون حين تَكبَّر بماله وخرج على قومه فى زينته مختالا فخورًا : ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ (81) ﴾ القصص .
سادسا : التَكــبُّرُ بالقُــوَّة :
ويكون بقوة الجسد أو ضخامته ، إذ يتكبر الإنسان بصفة سبقته إليها البهائم : فالثور أقوى منه ، والبغل أضخم منه .. كما أنه لا يأمن استمرار قوته فهى معرَّضة للزوال !! والإنسان بصفة عامة ــ معرض للأمراض والأسقام ، والعجز ، والشيخوخة ، ثم إن هذا المتكبر بقوته البدنية إذا ما دخلت نملة فى أذنه أهلكته ، وإن أصابت قدمه شوكة أعجزته .
سابعا : التَكـبُّرُ بالأتبـاع والجنود :
يكون ذلك فى زعماء الدول الذين يجعلون من أفراد شعوبهم وقودًا لنيران حروبهم تكبرًا بما لديهم من كثرة العَدَد ، أو تطور العُدَد وهو ما يؤدى بهم وبأممهم إلى الدمار والخراب .. وهذا تكبر بشىء غير ذاتى وغير مضمون ، إذ هم معرضون لأن تتخلى عنهم شعوبهم فى أقل من ثوانى .
- [عـِــلاج الكِــــبْر] :
علاج الكِبْر يكون بأمر واحد ألا وهو : أن يعرف الإنسان نفسه ؛ لانه إذا عرف نفسه عرف ربَّهُ وعلم أنه هو ــ عزَّ وجلَّ المتكبر بحق .. وأن الكِبْر لا يليق بالمخلوق الذى لا يملك من أمر نفسه شيئًا ، بل يجب أن يتفكر كيف نشأ ؟! وكيف تكون النهاية ، وما يعقبها من بعث وحساب وجزاء ؟! يقول الحق تبارك وتعالى :
- ﴿ هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا (1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) ﴾ الإنسان .
- ﴿ قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ (22) ﴾ عبس .
- ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78) ﴾ النحل .
- ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ .. (54) ﴾ الروم .
لذلك نجد أن وجود الإنسان غير مستمد من ذاته : فهو محتاج إلى الطعام ، والشراب ، والهواء ، والدواء ، والنوم ، وهو فى هذا الوجود مُعرَّض للأمراض ، والأسقام ، والأوجاع .. بالإضافة إلى أنه يريد أن يتذكر الشىء فينساه ، ويريد أن ينسى الشىء فيذكره .. وذلك اضطرارًا وليس اختيارًا .. يحب الشىء وفيه هلاكه ، ويكره الشىء وفيه حياته .. يتلذذ بالأطعمة وهى تتلفه .. وبعد انتهاء أجله يهال عليه التراب ، ويسمع خفق نعال مُشيعيه ، وتأتيه الملائكة للسؤال فى قبره .. وليس هناك من يجيب عنه ، أو يعينه ، أو يأخذ بيده .. بل يكون وحيدًا ، ويتحدد مصيره بإجابته : فإما روضة من رياض الجنَّة ، وإما حفرة من حفر النار .. وماهى إلاَّ أيام قليلة ويتحول جسده إلى روث فى جوف الديدان ، وإلى جيفة يستقذرها الإنسان ، ويُعافها الحيوان .. لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا .. فكيف يتكبر منْ هذا حَالُه ؟! ألا يجب عليه أن ينظر إلى قلبه ليداويه ويعالجه من الآفات ويُزكِّيه ؟!.
- وفيما يلى علاج لكل نوع من أنواع الكِبْر :
أولا : علاج المتكبِّر بِعلْمِهِ :
عليه أن يتذكر قول رسول الله ﷺ : " يُؤْتَى بِالعَالِم يومَ القِيامَةِ فَيُلْقَى فى النارِ فتندَلِق أَقْتابُهُ* فيدُورُ بها كما يَدُورُ الحِمَارُ بالرَّحَى فيطيف به أهلُ النار يقولون لهُ : مالَك يافُلان ، ألم تَكنْ تأمُرُنا بالمعروف وتَنْهَانا عَن المنْكَر ؟!.. فيقولُ : كُنتُ آمرُ بالخيرِ ولا آتِيهِ ، وكُنتُ أنهَى عَنْ الشَّرِّ وآتِيهِ " .. متفق عليه البخارى ، ومسلم . * أقتابه : أمعاؤه .
فأى عالم على ظهر الأرض لم يقع منه ذلك ولو مرة واحدة ؟!.. وليعلم أن حجة الله تبارك وتعالى عليه بالغة .. فما يقع من الجاهل لا يقبل وقوعه من العالم .. وليتذكر فى ذلك قول الحق تبارك وتعالى : ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ .. (5) ﴾ الجمعة .. فـ الله تبارك وتعالى يشبه حامل العلم الذى لا يعمل به بالحِمَار .. وكذلك يشبهه بالكلب فى قوله : ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ .. (176) ﴾ الاعراف .. فهل للمتكبر بعلمه ضمان أن لا يكون مثل هؤلاء ؟!.. وهل خلا من الذنوب ، أوسَلِمَ من العيوب ؟!.. والحق تبارك وتعالى يقول : ﴿ .. فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99) ﴾ الأعراف .
ثانيا : علاج المُتَكـبِّر بعبـادته :
يجب أن يتذكر قول النبى ﷺ : " لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُم الجَنَّة عَمَلُهُ .. " فالعمل رزق ، والتوفيق إلى الطاعة كرامة من الله وفضل .. والجوارح والأعضاء التى تؤدى العبادة منحة من الله ونعمة ، ولو شاء لسلبها .. فكيف ــ والأمر كذلك ــ يتكبر العابد بعبادته ؟!.. كما أنه لا يعرف أعمال من يتكبَّر عليهم .. فالناس صنفان : صنف مستور لا تظهر طاعته ولا معصيته . وصنف مكشوف قد تظهر بعض معاصيه ، ويكون له من الأعمال الخيرية الخفية ما يكفر الله بها عن معاصيه ..
مثال على ذلك : ما حكاه النبى ﷺ عن الرَّجُل الذى سقى كلبا شربة ماء فشكر الله له ؛ فغفر له .. وكذلك ما حكاه النبى ﷺ عن : بَغِىٍّ (امرأة زانية) من بنى إسرائيل مرَّت على بئر فنزلت ، وملأت خُفَّها ، ثم رقت فسقت كلبًا يلهث من العطش ؛ فغفر الله لها .. كما قد يكون للمُتكَبِّر بعبادته من ذنوب القلب وآثامه ما يحبط عمله وعبادته .. فليتق الله ، وليتواضع بعبادته لله ، ولا يتطاول بها على أحد من خلقه .
ثالثا : علاج المُتَكبِّر بِحَسَبِهِ ونسبهِ :
عليه أن يتذكر قول الحق تبارك وتعالى : ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) ﴾ عبس . وقوله : ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101) ﴾ المؤمنون . ويتذكر قول النبى ﷺ لابنته فاطمة : " يافَاطِمَةُ ، اعْمَلِى فإنى لا أُغْنِى عَنْكِ مِن الله شيئا " فعلى هذا المتكبر أن يتذكر أصله وفصله ، وأن أصله يداس بالأقدام ، وفصله تغسل منه الأبدان !!.
رابعا : علاج المُتَكـبِّر بِجـماله :
عليه أن يتذكر أن الجمال ليس للجميل فضل فيه فَيُحْمَد عليه .. وأن القُبْح ليس للقبيح ذنب فيه فيُلام عليه ، وأن الجَمَال نِعْمَة لا تدوم .. وأن القُبْح فتنة وابتلاء .. وأن الله هو الذى يصورنا فى الأرحام كيف يشاء .. ولو نظر المتكبِّر بجماله لنفسه بشىء من التعقل والتعمق لوجد نفسه وعاء لكل ما هو مستقذر : فالرجيع فى أمعائه .. والبول فى مثانته .. والدم فى عروقه .. والمُخَاط فى أنفه .. والصديد فى أذنه .. ولو ترك جسده يوما واحدًا لم يتعهده بالتنظيف لصار أنتن وأقذر من الكلاب الضالة .. فسبحان من ستر القبيح بلطفه وأظهر الجميل بفضله .
خامسا : علاج المتكبر بماله :
عليه أن يتذكر أنه مُتكبِّر بشىء خارج عن ذاته ، فالمال ليس صفة ذاتية .. وهذا من أقبح أنواع الكِبْر ؛ فهو يتكبر بشىء لا يدوم ، ولو زال عنه لعاد ذليلاً .. كما أن المال فِتْنة فى الدنيا ، وفى الآخرة محل سؤال ، وقد يكون وبالاً على صاحبه .. يشقى بجمعهِ فى الدنيا ويشقى بشؤمه فى الآخرة .. فليتق الله ربَّهُ ، وليعمل فى ماله بطاعة الله فينجيه ، ولا يستكبر به فيرديه .
سادسا : علاج المُتكـبِّر بقـوَّتهِ :
عليه أن يتذكر أنه مهما بلغت قوته فمن البهائم والحيوانات ما هو أقوى منه وأشد ؛ فكيف يتكبر بصفة البهائم .. كما أن هذه القوة لا تدوم ؛ فهو مُعرَّض للأسقام والأمراض ، ومُعرَّض للحوادث ، ومع مرور الأيام ينقص من قوته ، ويزيد من ضعفه : فيكبر سِنُّه ، ويهن عظمه ، وترتعش أطرافه ، وينحنى ظهره ، ويضعف بصره .. فعليه أن ينتبه لكل ذلك ، ويتذكر قول الحق تبارك وتعالى : ﴿ وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ ۖ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (68) ﴾ يس .
سابعا : علاج المُتكبِّر بالأتباع والجنود :
عليه أن يتذكر قول الحق تبارك وتعالى : ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) ﴾ البُرُوج .. وقوله : ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) ﴾ الفيل .. وعليه أن يتيقَّن أن أتباعه وجنوده يتركونه عند قبره .. ولا يحمل أحد منهم عنه وِزْرَه .. وأن ولاءهم غير دائم .. فلو أنهم وجدوا من هو أكثر منه نفعا لانفضُّوا من حوله .. وإخلاصهم غير مضمون فقد تأتيه الطعنة من أقربهم إليه .. وصدق الله العظيم حيث يقول : ﴿ .. وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46) ﴾ الكهف .
- فيجب على كل مسلم أن يكون عاملا على علاج نفسه .. محاسبًا لها .. وصدق الله العظيم حيث يقول : ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10) ﴾ الشمس .. وصدق رسول الله ﷺ حيث يقول : " الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسهُ ، وعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوتِ " .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛