هل تعلم؟ | الغُـــــــرُورُ من أمراض القَـلْـب وهو مرض نفسى مَنْبع المُهْلكات

  الغُـــــــــرُورُ 

{من أمراض القلب}

ما هو الغُــرُور ؟
الغُرُور ما هو إلا مرض نفسى ، وهو ركون النفس إلى ما يوافق الهوى ، ويميل إلى الطبع نتيجة خِداع الشيطان للإنسان ..  وهو مفتاح الشقاوات ، ومنبع المُهْلكَات . والغُرور فى اللغة : الخِدَاع ..  فالمَغْرُور مخدوع يرى الشىء ويعتقد فيه على خلاف ما هو عليه من غير سَندٍ أو دليل .. فكل من يعتقد أنه على خير أو صائر إلى خير فى العاجل أو فى الآجل نتيجة شبهة فاسدة أو خداع الشيطان فهو مَغْرُور . 

وهو من أعظم المفاسد الأخلاقية التى يتعرض لها الأفراد والمجتمعات ، ذلك الداء الخطير الذى يدل على نقصان الفطنة ، وطمس نور العقل والبصيرة ، فينخدع العبد بما آتاه الله من أسباب القوة والجمال وحُطام الدنيا الفانى ؛ فيتعالى على الناس ويتكبَّر ، ثم يتكبر على خالقه ، ولا يقوم بواجب العبودية ، بل يسير وراء شهواته ونزواته ، وغير مكترث بالناس من حوله ، وينتج عن هذا الغرور العديد من المشكلات الإجتماعية المختلفة والتى تتمثل فى الحقد ، والكراهية ، والحسد .

والغرور مرض من أمراض الحياة ، وصفه عدد من المتخصصين بأنه يعتبر ضمن الأمراض المختلفة التى قد تصيب الإنسان ، وصَنَّفَ الغرور من الأمراض النَّفسِية التى تصيب الأشخاص أصحاب العقول الضعيفة ، فقد يصيب أشخاص من جميع الفئات المختلفة فيصيب الإنسان الموظف البسيط ، أو العامل ، أو الإنسان المُثقَّف الذى له مركز متقدم فى المجتمع مثل : الطبيب ، والمهندس ، والمحامى ، والإنسان المغرور يعتبر من الأشخاص الغير محببون ، ويبتعد عنهم الكثيرون .

  • والغُــرُور نوعــان :
غرور بـ الله .. كما جاء فى قول الحق تبارك وتعالى﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۖ وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5) ﴾  فاطر . ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) ﴾  الإنفطار . ﴿ .. وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14) ﴾  الحديد .

غرور بالدنيا .. كما جاء فى قول الحق تبارك وتعالى﴿ .. وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)   آل عمران . وقد وصف الله تبارك وتعالى الغرور بالدنيا بقوله﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20)   الحديد ..

وأوضح سبحانه هذا الغرور ــ وهو الرضا بالدنيا والإطمئنان بها والركون إليها ــ بقوله﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7)   يونس . كما أوضح سبحانه وتعالى علامة الغرور بـ الله ، وهى عدم الخوف من الموت بقوله﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (6) ﴾  الجمعة . 

ومن الطبيعى أنَّ الإنسان يخاف الموت .. فمن كان خوفه من الموت يرجع إلى أنه سيحرمه من ماله وجاهه ــ أى من مُتع الدنيا عمومًا سواء أكانت مباحة أم ممنوعة ــ فذلك الذى غرته الدنيا .. ومن كان خوفه من الموت يرجع إلى إحساسه بعدم كمال عمله وبالتقصير فيه ، فذلك ليس بمغرور ، وهو إحساس الصالحين .. ومن كان لا يرهب الموت ولا يخافه ، فذلك : إما كافر بالبعث ، وإما مغرور بـ الله  تمنى على الله الأمانى ، وخدعته نفسه ، وظنَّ أنه من الصالحين المقبولين ، وغاب عنه أن الله لا يجب عليه شىء .. 

فمن الناس من يعتقد أنه على علاقة طيبة بـ الله ، دليله على ذلك أن الله تبارك وتعالى يمنحه ما يريد ويُعطيه ما يطلب ، ويرتكن على ذلك فيفرط فى الطاعات ، والدليل على فساد ذلك الإعتقاد قول الحق تبارك وتعالى لأمثال هؤلاء﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ (56) ﴾ المؤمنون ...

وقوله تعالى﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (44)  الأنعام . ويؤكد ذلك قوله﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (178)  آل عمران . وقوله تعالى﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183)  الأعراف . 

وعليه .. إذا رأيت الله مُنْعِمًا على عبد ، وهو مقيم على معصيته ؛ فاعلم أن ذلك استدراج منه سبحانه .. وقد كان السابقون إذا أقبلت الدنيا على أحدهم خاف وارتعد وبكى ، وقال : ذنب عُجِّلَت عقوبتُه .. وإذا انصرفت عنه الدنيا قال : مرحبًا بِشِعَار الصالحين .. أما المَغْرُور فإذا أقبلت عليه الدنيا ظنَّ أنها كرامة له من الله ، وإذا صرفت عنه ظنَّ أنه هوان  كما حكى القرآن الكريم﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16)  الفجر . 

ويقول الرسول  مُنبهًا : " أشَدُّ النَّاس بلاءً الأَنْبيَاءُ ثم الأَمْثَلُ فالأَمْثلُ ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِه ، فَإِن كَان فِى دِينه صُلْبًا اشْتدَّ بَلاؤُهُ ، وإنْ كَانَ فِى دِينِه رِقَّةٌ ابْتُلِىَ عَلَى قَدْرِ دِينه ، فما يَبْرحُ البَلاَءُ بالْعَبْدِ حتَّى يَتْرُكَهُ يمشى عَلَى الأَرْضِ ومَا عَلَيْهِ خَطِيئةٌ "     رواه البخارى ، والنسائى ، وابن ماجه ، وأحمد عن سعد (رضى الله عنه) ..

فالذى يركن إلى أن الله تبارك وتعالى يبسط  له الرزق ، أو يعطيه ما يطلب ، فيعتقد بذلك أن علاقته بـ الله طيبة ، وأنه صائر إلى خير ــ مخدوع ، ومغرور بـ الله ؛  فـ الله تبارك وتعالى يُعطى الدنيا لمن يُحب ولمن لا يُحب ، ولكنه لا يُعْطى الدِّين إلا لمن أحبَّ .. فمن أعطاه الله الدِّين فقد أحبَّه .. وعلامة ذلك : التوفيق للطاعات ، مع الخوف من عدم القبول لعدم تمامها ، أو لعدم كمالها .. مع ملازمة ذلك حتى الموت . 
  • علاج الغرور
لكل منا طريق أو باب  يوصله إلى الله تبارك وتعالى ، والسعيد من يعرف بابه ؛ فيدخل منه ؛ وينجوا بفضل الله وتوفيقه .. وكلما أضاء القلب بنور الإيمان وسَلِمَ من الأمراض كانت معرفة الباب سهلة ميسرة فـ الله تبارك وتعالى يقول﴿ .. وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ .. (11)  التغابن .. فنجد الحَاكمُ : بابه العدل بين الرعية .. والقاضى : بابه الفَصْل بين الناس بالحق .. والغَنىُّ : بابه الإِنْفاق فى وجوه الخير .. وصَاحبُ الجَاه : بابه إيصال صوت المَظلومين الضُّعفاء لأسماع المسئولين ، والتَّوسُّطُ فى قَضاء حوائجهم . 

كذلك لعلاج الغرور الإنشغال بعبادة الله والتوبة المستمرة والأعمال الصالحة على سبيل المثال الصدقة والإنفاق فى سبيل الله  ، فكلما قرب العبد من الله كان فى سعادة فى دنياه  وأخراه . وكثرة العلم تُذْهِب هذا المرض فكلما كثر عِلْم المرء عرف قيمة الدنيا وعَلِمَ أنها لا تساوى عند الله جناح بعوضة ، وبالتالى يتخلق بالأخلاق الحميدة ، ويتأدب بالآداب التى يأخذها من علمه ، كما أن التواضع سبب العزة والرفعة والسيادة ، فعن أبى هريرة (رضى الله عنه) ، أن النبى  قال : " ومَا تَوَاضَع أحدٌ لله إلا رَفَعَهُ الله " .
  • وفيما يلى نعرض أمثلة على أبواب الغرور 
  1. الحاكم الذى يقضى ليله ونهاره فى العبادة ، وهو غافل عن أحوال الرعية .. فلا تنفعه عبادته .
  2. القاضى الذى يشغل نفسه بقراءة القرآن والذهاب إلى المساجد فى غير أوقات الفرائض ، وقد أهمل القضايا فلا يدرسها أو يبحثها كما يجب ، فيقضى بغير علم ، أو يؤجلها المرة تلو المرة فيتأخر حصول صاحب الحق على حقه .
  3. الغنى الذى يبنى القصور ويملؤها بأفخر الأثاث ، والتحف مكتفيًا بإخراج زكاة ماله ، ثم يحج بيت الله الحرام عامًا بعد عام ، وقد أحيط  قصره  بالجياع والذين لا يجدون ما يسترهم ، أو يقيهم برد الشتاء .
  4. صاحب الجاه والحظوة الذى يستغل جاهه فى الحصول على مطالبه ومطالب أولاده ، ولا يعود بجاهه على الضعفاء والمقهورين ، ولا ينفعهم به ، ويكتفى بمصاحبة العلماء والشيوخ ليستكمل جاه الدنيا بجاه الدِّين ..
والنبى  يقول مُنَبِّهًا : " مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ ؛ فَلْيَعُد بِهِ عَلَى مَنْ لا ظَهْر لَهُ ، ومَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ زَادٍ ؛ فَلْيعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا زَادَ لَهُ " .. ويقول صلى الله عليه وسلم : " كُلُّكُم رَاعٍ وكُلُّكُم مَسْئُول عَنْ رَعِيَّتِهِ " .

                                      ؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛