قراءة فى | هل يؤثر العنف التربوى فى دماغ الطفـل ؟

 هل يؤثر العنف التربوى 

فى دماغ الطفـل ؟ 


تبين الدراسات الجارية فى مجال نمو الدماغ اليوم أن العنف التربوى 

يؤثر بقوة فى عملية نمو الدماغ واستقراره ، وقد يصل هذا التأثير 

إلى مستوى تدمير الدماغ وشلّ القدرة العقلية لدى الأطفال ضحايا 

العنف التربوى ، وهذا يتوقف بالتالى على درجة العنف التى 

يتعرض لها الطفل

فالطفل يتميز بعجزه الفطرى المطلق بعد ولادته مباشرة ، ولا يمكنه الاستمرار فى الوجود من غير العناية والرعاية اللتين يوفرهما له الكبار ، كما أنه يحتاج إلى زمن طويل من التربية والتغذية والإهتمام ليتمكن فى النهاية من الامتلاك التدريجى للقدرة على التكيف فى أدنى مستوياته . 

فى البداية يبدأ الطفل بتمييز الوجوه التى تحيط به ولا سيما وجه الأم وصورتها ، وهذا التمييز يسمح له بالتعرف اللاحق على وجوه جميع أفراد الأسرة الذين يحيطون به . 

وقد بينت الدراسات العلمية فى هذا المجال أن عملية اتصال الطفل بوسطه الأُسرى تشكل عاملاً حيويًا وأساسيًا فى تكوينه الزهنى ، وأن دماغ الطفل يتشكل فى دائرة الاتصال المتزامن للطفولة مع الكبار فى وسطه العائلى . 

فالعصبونات الدماغية الكامنة فى دماغ الطفل تأخذ استطالاتها وتنمو شبكاتها وتفاعلاتها الكهرومغناطيسية منذ الولادة ، وتتعاظم إلى مليارات الشعيرات والعصبونات والدقائق ، وهذا التسارع فى النمو يؤدى إلى نمو مزهل فى حجم دماغ الطفل الذى يتعاظم نموه فى مرحلة الطفولة الأولى حيث يصل تضاعف هذا النمو إلى 50% من حجمه خلال الأشهر الستة الأولى ويصل إلى 95% من حجمه فى السنة السادسة من عمر الطفل . 

وتبين الدراسات الجارية فى مجال علم بيولوجيا الأعصاب La Neurbiologie أن نمو العصبونات الدماغية الداخلية وتفاعلها النظمى فى الدماغ يتعلق بوضعيات الإتصال التى يقيمها الطفل مع وسطه والمحيطين به ، وهذا يعنى أن التفاعل الإجتماعى التربوى للطفل ، وتواصله مع أفراد أسرته ولا سيما مع أمه يشكل المنطلق الأساسى لتنمية دماغه وقدراته العقلية . 

وتلك هى الحقيقة التى يصارحنا بها عالم الأعصاب الأمريكى " بيزيل فان " حيث يقول : " إن تطور الكائن الإنسانى يكمن فى تطور الجبهة الأمامية للدماغ كما يتوقف على نمو القشرة الدماغية لديه " ، وتأسيسًا على هذه الحقيقة فإن أسلوب تعامل الآباء والأمهات فى التربية يشكل أحد العوامل الأساسية فى تطور دماغ الطفل ونموه . 

وفى دائرة هذا التواصل يمكن القول إن الآباء والأمهات عندما يغدقون محبتهم على الطفل ، عندما يقرؤون له حكاياته المفضلة ، ويأخذونه بين أيديهم ويلعبون معه ، ويتواصلون معه بمختلف الصيغ والأشكال التواصلية الإنسانية الخلاقة فإنهم يساهمون فى عملية تنمية دماغ الطفل وعقله بصورة إيجابية وصحيحة ، وعلى خلاف ذلك إذا كانت هذه العلاقة تقوم على التخويف والقمع والإرهاب والإهمال وغير ذلك من أشكال الاتصال السلبية فإن عقل دماغ الطفل يتباطأ فى عملية نموه ، وبالتالى فإن نمو دماغه سيكون فى الحدود الدنيا للنمو الحقيقى ، قد يؤدى ذلك إلى عملية تدمير للإمكانات الذهنية والعقلية للطفل فى المستقبل . 

تعطيل النمو الذهنى والدماغى 

يرى كثير من الباحثين أن بعض الصدمات الخفيفة قد تكون قادرة على تعطيل النمو الذهنى والدماغى عند الطفل . وفى هذا الأمر يعلن عالم الأعصاب أنطونيو داماسيو Antonio Damasio  " أن اضطرابات النظام الدماغى يمكنها أن تؤدى إلى عطالة وظيفية فى طبيعة الدماغ ولا سيما فى الدورة المجهرية للعصبونات الدقيقة " . ويتابع داماسيو قوله : " حتى أن بعض الاضطرابات الخفيفة فى النظام العصبى للمخ قد تؤدى إلى اضطرابات كبيرة وخطرة فى مستوى الحياة الذهنية عند الطفل " . 

وفى هذا الصدد يعلن جوزيف لودو Joseph Le Doux وهو أحد علماء الأعصاب الدماغية " إن أى تغيرات مهما تكن بسيطة فى ترابطات الخلايا الدماغية ، أو أى تغيرات طفيفة جدًا فى طبيعة التحولات الكهرومغناطيسية بين العصبونات الدماغية ، قد تؤدى إلى اختلاف كبير فى طبيعة سلوك الكائن الإنسانى " . 

وتبين الدراسات الجارية فى هذا المضمار أن المراكز الدماغية الخاصة بالذاكرة ، وهى مناطق فى غاية الأهمية من حيث توجيه السلوك ، تتميز بهشاشتها وقابليتها الكبيرة للتصدع والضرر .  

عندما يتعرض الطفل للعدوان من قبل مصدر أمنه 

يمكننا أن نجد فى المثل الشعبى " حاميها حراميها " صورة للتهكم من المفارقات المنطقية فى وظائف الأشياء . فالأب والأم يشكلان من حيث الجوهر حماة الطفل ومصدر استقراره وأمنه وملاذه الوجودى ، وعندما يتعرض الطفل للعدوان والاعتداء والتسلط من جهات خارجية فإن الأثر الممكن قد يكون ضئيلا جدًا بالمقارنة مع التسلط الذى قد يتعرض له من قبل أبويه مصدر أمنه . 

فعندما يتعرض الطفل للعنف من قبل الأبوين أو أحدهما ، فهذا يعنى أن الطفل قد خسر آخر معاقله الوجودية ، وهذا يعنى أن آثار القمع والتسلط الداخلى الذى يصدر عن الأبوين قد يشكل مقتلاً نفسيًا للطفل ، ويؤدى إلى تدميره أخلاقيًا وذهنيًا فى مراحل لاحقة من حياته . 

فالأب والأم يمثلان فى حقيقة الأمر المصدر الأمنى الوجودى للطفل وهما يشكلان الحصن الحصين الذى يوفر للطفل الأمن العاطفى والانفعالى ويمكنه بالإضافة إلى ذلك من امتلاك القدرة على مواجهة تحديات الحياة وصعوباتها . فعندما يتعرض الطفل للاعتداء من قبل أي كان فإنه سرعان ما ينادى أبويه أو أحدهما طلبًا للحماية والأمن ، وعندما يكون كبيرًا فإنه سرعان ما يجرى بحثًا عن أحد أبويه ليرتمى فى أحضانه طلبًا لأمنه الإنسانى . 

ولكن الطفل عندما يتعرض لعقاب من قبل الأم أو الأب مهما كان هذا العقاب خفيفًا فإنه سرعان ما يمتلكه شعور مؤلم بأنه قد أصبح وحيدًا فى مواجهة العالم وأنه يواجه خطرًا وجوديًا ، وكأن كل قطعة من جسده تقول له إنه أصبح وحيدًا طريدًا وإنه لن يستطيع الاستمرار فى هذا الكون خارج حصنه الأمنى ومتراسه الوجودى . 

فالعلاقة العاطفية التى تربطه بأبويه تمثل عاملاً حيويًا ووجوديًا فى تكوينه وفى قدرته على الاستمرار . وبالتالى فإن تعرضه لعدوانية من يفترض بهم تقديم العون والحماية سيكون كارثة إنسانية ووجودية بالنسبة للطفل وغالبًا ما يرتد الطفل فى هذه الحالة إلى وضعية القلق النفسى والتوتر الوجودى ، وهذا التوتر النفسى والقلق السيكولوجى يكون فى الغالب ردة الفعل الطبيعية لسلوك الطفل إزاء غياب الأمن الداخلى . 

العنف يولد الخضوع والعنف

غالبًا ما نعتقد بأن صفعة خفيفة للطفل ، أو متواضعة على قفاه ، أو شدة إذن عابرة ، تمكننا من توجيه سلوك الطفل وتربيته بصورة صحيحة . ولكن فى حقيقة الأمر فإن الأثر الذى تتركه هذه الصفعات الخفيفة والضربات البريئة قد تكون مؤثرة ومدمرة . ولأننا نشكل النوذج التربوى لأطفالنا فإن الصفع والضرب والإعتداء الذى نقوم به يحمل رسائل مهمة ودلالات خطرة فى تربية الطفل تتمثل فى تكثيف وغرس البعد غير الأخلاقى فى سلوك الطفل نفسه . فالعنف يُعلِّم الأطفال ما لا نتمناه لهم ويأخذهم إلى ممارسة غير تربوية وغير أخلاقية فى المستقبل ، إنه يعلمهم

ــ عندما تصبح كبيرًا وقويًا لك الحق فى أن تضرب الصغار والضعفاء وتصفعهم .

ــ عندما يضربك شخص آخر ويصفعك ويهددك يجب أن تخضع له . 

ــ العنف شر ولكنه فى الوقت نفسه أمر جيد لأن من مصلحة الطفل أن نضربه

ومثل هذه المعايير السلوكية يمكنها أن تشوه البوصلة الداخلية للطفل وتجعله غير قادر على التمييز بين الحق والخطأ ، بين الخير والشر ، كما أنه تفقده القدرة على مواجهة تأثير العنف الثقافى المتمثل فى الدعاية والإشاعة والإعلان ، كما تفقده القدرة على مقاومة الإغراءات التعصبية المضللة التى تتعلق بالإرهاب والعنف فى المستقبل . 

الغيرة ومحبة الآخر 

يتأصل فى الإنسان قانون فطرى قوامه التعاطف مع الآخرين ومحبته ، وهذه القانونية الفطرية تسمح لنا بأن نتواصل مع الآخر ونفهمه ونقدره . وتلك هى القاعدة الانفعالية والعاطفية لمبدأ الغيرة . وهناك منظومة من الإشارات والتجارب التى تدل على حضور هذه القاعدة الأخلاقية ، حيث بينت بعض التجارب أن القرود برهنت أنها قد تحرم نفسها من الطعام إذا اقتضى الأمر فى سبيل مساعدة بعض أبناء جنسها . 

وهذه القاعدة الفطرية قاعدة أخلاقية ذهبية ومفادها : " أحبب لغيرك ما تحب لنفسك واكره له ما تكره لها ، ولا تظلم كما لا تحب أن تُظلم " . فهذه القاعدة كامنة فى فطرتنا وموجودة فى أعماقنا إذا لم تدمرها التربية نفسها ، وهذا يعنى أن تربية التسلط تدمر فطرتنا وتشوه قوانينها الداخلية الرائعة

فالطفل الذى يعانى من قهر والديه وتسلطهما يتعين عليه أن يتبلد كليًا ويفقد مشاعره الإنسانية كى يستطيع الاستمرار فى الحياة والوجود ، وهذا يعنى أنه يدمر فى ذاته مختلف أحاسيسه الإنسانية الطبيعية ، ولاسيما محبة الآخر والشعور بآلامه والتعاطف مع قضاياه . وهنا وعندما يتم تدمير هذه الحاسة الإنسانية والحس الأخلاقى فإن كل أخلاق العالم والدين لا تجدى نفعًا ولا تقدم ولا تؤخر فى إحياء هذه الأحاسيس الإنسانية المدمرة . 

والأسوأ أن هؤلاء الأطفال المحرومين قد يصبحون مادة رخيصة للأيديولوجيات النارية المدمرة التى تدعو إلى الإرهاب وسفك الدماء ، أليس من المستغرب أن يقع شعب أوربى متحضر ومتدين كالشعب الألمانى تحت سيطرة رجل متسلط مثل " هتلر"  حيث قاد شعبه والإنسانية إلى مقاصل الموت والعدم ، ألم يكن " هتلر" مثالا للطفل الذى تلقى فى طفولته تربية تسلطية رهيبة مُذلة فهيأته لدور إجرامى كاد يودى بالحضارة الإنسانية برمتها

هذا ما أعلنته " أليس ميللر" فى أبحاثها حول طفولة الطغاة فى القرن العشرين ، حيث بينت أنهم جميعًا كانوا ضحايا للعنف التربوى فى مرحلة الطفولة

وفى الخاتمة يمكننا القول إنه عندما يأخذ المرء علما بالتناقضات والآثار المدمرة للعنف على شخصية الطفل ودماغه فإنه يستطيع أن يواجه هذا التحدى ويعمل على خفض مستويات العنف الموجهة إلى الطفل بأقصى درجة ممكنة ، وهذا يعنى أن الامتناع عن ممارسة أى صيغة من صيغ العنف يمكن أن تساعد على تنمية عقول الأطفال وأدمغتهم وحياتهم العاطفية فى المستقبل ، وهذا بدوره يؤدى إلى تقليص حدود العنف وممارساته فى العملية التربوية . 

وهذا المنع من استخدام العنف يشكل اليوم برنامج عمل لعدد كبير من المنظمات الدولية الاجتماعية والتربوية ، حيث تعمل منظمة اليونسكو ، ومنظمة الصحة العالمية ، والمجلس الأوربى مجتمعين لإيجاد صيغة دولية يتم فيها منع استخدام العنف التربوى فى مختلف البلدان والمجتمعات الإنسانية المعاصرة . 🅪


؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛