قراءة فى | حال المجتمع العربى والإسلامى
حال المجتمع العربى والإسلامى
يقول كاتب هذا المقال :
قال لى مُحَدِّثى : لا أمل ، وأردف قوله بما يؤكده من قول الشاعر :
متى يبلغ البنيان يومًا تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم ؟ !
وعَذرتُ مُحَدثى لأنه لا يعلم من حقائق الأمور ما أعلم ، وإنما يحكم على ما يراه من ظواهر الأشياء . لكنى رأيت من واجبى أن أرفع عنه هذا الإحساس القاتل وهذا الفهم الخطير .
وقلت له : من أين جاءك هذا الشعور بعدم الجدوى ، وغياب الأمل فقال : مما أراه من إصرار وسائل الإعلام وأجهزة الثقافة وحتى مناهج التعليم . فكل ما يتوجه إلى كيان الإنسان ليربيه ويقويه ويُنميه لا يستهدف فيه شيئًا من مقومات الروح ، ولا يغرس فى كيانه شيئًا من قيم التضحية والفداء ، بل على العكس من ذلك فغالبية ما يبث من برامج ، وما يعقد من حوارات ومناقشات يدور كله حول إعلاء قيم غريبة عن مجتمعنا وديننا ، أو يوجه فى غالبه إلى حوارات تافهة وفارغة عن بعض الفنانين واللاعبين والمطربين ، وكأنما أزمة الأمة الخانقة هى أزمة فى عدد المغنيين أو الممثلين ، أمَّا هموم الأمة الحقيقية من إعلاء القيم الإنسانية وتعميق المعانى الروحية والحفاظ على الهوية الإسلامية فذلك كله مُغيَّب ، بل لا أبالغ إذا قلت إنه من المحظورات .
وبرغم ما رأيته لدى مُحدثى من سوداوية وتشاؤم ، فإننى لم أستطع أن أنكر عليه شيئًا مما قال ؛ لأن ما قاله حق كله ، وما أشار إليه صدق كله ، وربما خفى عنه كثير ، مما لو علمه لكان أكثر تشاؤمًا واكتئابًا ، لكنى مع ذلك لم أوافقه على ما ذهب إليه من هذا الشعور ، وعرفت أن سبب ما يعانيه الرجل هو أنه بنى نظرته على ما يؤمل فى أجهزة التربية والإعلام والثقافة وما يعتقده من وسائل الترفيه ، فإذا لم ير وسائل الإعلام والتعليم والثقافة تنهض أمامه بهذا الدور امتلأ تشاؤمًا ويأسًا .
أمَّا أنا فإن رؤيتى وتصورى للأمور لم تقم على هذا النحو ، وإنما تقوم على سياسة التغيير وإعادة البناء ، فكان أول الطريق إلى الأمل هو اليأس الكامل من تلك الأجهزة ونفض الأيدى من أى أمل فى الإصلاح يأتى على أيديهم ثقة منى
بقول ربى سبحانه وتعالى : ﴿.. إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) ﴾ يونس .
ومن قول الحكماء : إنك لا تجنى من الشوك العنب ، وقولهم فى القواعد العقلية : " إن فاقد الشىء لا يعطيه " .
وهذا الشعور باليأس من أن يأتى الإصلاح على أيدى المفسدين ؛ كان هو البداية الحقة لكل عمل إصلاحى إيجابى منتج .
وقلت لمحدثى : هب أن كل أبناء الأمة جاهلون ضالون ، هل يكونون فى حال أسوأ من حالهم عند قدوم رسول الله ﷺ عندما جاء إلى قومه وهم من فساد عقيدتهم يسجدون للأصنام ، ومن فساد سياستهم يفتقدون الاستقلال ويباهون بتبعيتهم للفرس والروم ، ومن فساد أخلاقهم يمارسون الزنا والربا ويشربون الخمر ويلعبون الميسر ويتعبدون للأهواء ؟ !
ومع ذلك لم ييأس رسول الله ﷺ ؛ لأنه خطط ودبَّر وبدأ معهم من الطريق الصحيح ، وهو طريق إعادة بناء الشخصية المسلمة على أسس عقائدية صحيحة ، وإذن فليعج المجتمع بما شاء من سفاهات وليمارس ما شاء من ضلالات ، وليعكف على ما شاء من ألوان العبادات ، فإن الشىء من معدنه لا يُستغرب ، ولنبدأ بانتقاء أفراد يقومون فى هذا المجتمع بدور الأنبياء وأولئك المصلحين ، بأن يصبروا على تربية طائفة من الناس على أصول الفهم الإسلامى الصحيح فإذا ما أحسنت الفهم وأدركت الحقيقة الإيمانية عن وعى وشمول ، فلتقم هذه الجماعة إلى أهل الأرض كى تتولى فيهم مهمة التربية على هذه الأسس وطبقًا لمعايير هذا الفهم الصحيح ، وغير عابئة بما تقوم به أجهزة الدولة من تضليل وتجهيل ؛ لأنها مهما فعلت لن تفعل بالقوم أكثر مما هم فيه ، فلنعتبر أن الكم كله معهم أفرادًا ننبهم فينتبهوا ، ونوقظهم فيستيقظوا ، ونعلمهم فيحسنوا التعليم ، ونفقههم بأحكام هذا الدين ، فإذا استوى فهم الواحد منهم كان مطالبًا بأن ينتقل فهمه إلى غيره فترى أثره فى أهل بيته أو ذوى رحمه وفى قرابته وجيرانه ، أو مع من هم تحت ولايته فى بيته أو عمله ، وعند ذلك سترى ولادات جديدة وعقائد سليمة وعبادات صحيحة ، وسترى وقتها أن الكم الغثائى سينقص بمقدار من يهتدى منهم وأن الكم الإيمانى سيزداد بمقدار من ينضم إليه .
وإذا علمت أن كل من يضاف إلى صف المصلحين هو رجل ذو عقيدة صحيحة وعبادة سليمة وإرادة قوية وعزيمة لا تقبل الخمول ؛ أدركت أننا أمام كيان يتمرد ويزيد على حساب كيان ينقص ويقل ، والأطباء يقولون : إذا رأيت المريض ينتقل من ضعف إلى قوة ، ومن ذبول إلى نضرة ؛ فثق بأنه يؤذن بالشفاء ، وإذا رأيته ينتقل من قوة إلى ضعف ، ومن نضرة إلى ذبول وضمور ؛ فثق بأنه مؤذن بالأفول والموت .
وحالنا الذى صورناه هو حال مجتمعنا المصرى ، بل هو حال مجتمعنا العربى والإسلامى ، إنه أمام جماعة من العقلاء أخذوا على عاتقهم تربية الأمة تربية إيمانية نبوية على منهاج رسول الله ﷺ ، وهم رجال أقوياء فى إرادتهم ، ثابتون فى عقيدتهم ، مصرون على تحقيق أهدافهم التى من أهمها لديهم يقول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92) ﴾ الأنبياء .
ومن هنا تباينت وجهات النظر بين من لا يرى أمامه إلا ما تفعله أجهزة الإعلام والتعليم والثقافة من هدم وتخريب وتضليل وتجهيل ، وبين من يرى ويدرك حقيقة ما يتم فى أرض الله من قيام فئة مؤمنة واثقة طاهرة تقوم بالعمل المخلص الصادق الدءوب ، هذا العمل الذى أنتج مئات الآلاف ، بل عشرات الملايين يقفون فى تحدّ شامخ أمام صناديق الانتخابات التى باتت تشهد بعمق ما يتم فى الخفاء ، وصدق ما يبذله هؤلاء الدعاة من تربية وتزكية وتأديب وتهذيب ، أثمرت هذا التحول الحقيقى فى قيم المجتمع ووضوح تصوراته ، وأشارت إلى طبيعة اختياره ، وأنه اختار الإسلام هوية وعقيدة ومنهج حياة .
ونظرت فى وجه محدثى فرأيت انفراجة بشوشة ، وتهللا واضحًا أشعرنى بعمق ارتياحه لما سمع ، ودهشته لما أقول لكنه بادرنى قائلا : وإلى متى سيظل الإسلام مختبئًا ، والعمل له جريمة ، واعتناق مبادئه تهمة تستحق العقاب ؟ !
وشعرت فى سؤاله بنغمة التعجب والدهشة ، فأيقنت أن محدثى صار يتحدث بلسانى ، ويتبنى قضيتى ، ويشعر مثلى بالغرابة والدهشة لما يقع بالمسلمين فى بلادهم وعلى أيدى إخوانهم الذين يزعمون أنهم يحملون معهم نفس العقيدة وذات المنهج ، لكن الفرق كبير من ينتسب إلى الإسلام وراثة أو عادة ، وبين من يُضحى بنفسه ويبذل دمه حتى يتمكن الإسلام ويعلو فى الأرض . وقديما قالوا : " ليست النائحة الثكلى كالمستأجرة " .
وعند ذلك قلت له : " إن الأمر لن يطول كثيرًا ، فقد انتقل الإسلام من حال الاختباء والاختفاء إلى حال الإعلان عن نفسه والتقدم إلى أهل الأرض بطوق النجاة ، وها أنت الآن تشهد هذا المد الإيمانى الجارف ، وترى مظاهره فى امتلاء المساجد بالشباب والعودة الصادقة إلى تعاليم هذا الدين سلوكًا وأخلاقًا ومنهاج حياة ، فالنساء محجبات فاهمات واعيات ، والشباب مثقفون معتقدون مغيرون ، والدعاة صادقون مهمومون غيورون ، والناس يشهدون بركة هذا المد المقدس فى القنوات الفضائية والبرامج الثقافية والثورات الإسلامية التى تبشر بخلافة راشدة على منهاج النبوة وفى الانتصارات الميدانية فى فلسطين وفى العراق وفى لبنان وفى أفغانستان ، وفى الألوف الذين يتحولون إلى الإسلام فى العواصم الأوروبية كل يوم .
فإذا علمت مع ذلك أنه لا يوجد على وجه الأرض اليوم وحى مقدس إلهى مصون من التحريف سوى القرآن ؛ أدركت أى مستقبل ينتظر هذا الدين العظيم .
وإذا علمت أن غالبية المسلمين فى جميع أقطار العالم ما زالوا يحلمون بأيام الإسلام العظيمة وقيمه النبيلة وحضارته الزاهرة ، ويحنون إلى هذا الماضى الجميل ؛ أدركت أن العودة إلى الإسلام ستكون أسرع مما نتوقع وأقرب مما نظن ،
يقول الله تعالى : ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) ﴾ النور .
ومن قول نبينا محمد ﷺ : عن تميم الدارى (رضى الله عنه) قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول : " ليبـلغنَّ هذا الأمـر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعـز عـزيز أو بذل ذلـيل عـزًا يعـز الله به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر " .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛