قضايا عامة | حقوق الإنسان فى الشريعة الإسلامية (الحرية المدنية)

 حقوق الإنسان فى الشريعة الإسلامية

الحرية المدنية

الأستاذ الدكتور/ محمد المختار المهدى

هذا الاصطلاح الحديث يعنى فى العرف الدولى صفة الرشد التى تجعل الشخص أهلاً لأن يتحمل الالتزامات ، ويعقد باسمه مختلف العقود المشروعة من بيع وشراء وهبة ورهن ووصية ، وما إلى ذلك ، ويقابل هذه الحرية حالة الرِّق التى تحكم على الشخص بالقصور والعجز عن مباشرة هذه الحقوق ، وعن تحمل هذه الالتزامات .

قضية الرِّق

أُلغى الرِّق حديثًا باتفاق دولى ، وبعد هذا الإلغاء المحدث كثر الكلام واتسع النقد للإسلام .. يعنى أنه إذا كان الإسلام يهدف إلى الحرية والمساواة بين الناس فى جميع الحقوق ، فلماذا لم يلغ الرق من أول الأمر حتى يتم له هذا الهدف ؟ 

وحتى نستطيع تصور الملابسات التى اتصلت بهذا الموضوع ينبغى لنا أن نعرف أنه ليس هناك دين ولا قانون سبق الإسلام فى تحريم هذا الرِّق ، أى أن الشريعة اليهودية لم تُحرِّمه ، بل قسَّمت البشر إلى قسمين : بنو إسرائيل قسم ، وسائر البشر قسم آخر ، وأباحت استرقاق غير الإسرائيليين إلى الأبد ، لأنهم سلالات كتب عليها الذلة من الأزل ، أمَّا المسيحية فلم يرد فيها نص واحد يستنكره أو يحرمه ، بل إن رسائل الرسل كانت توصى بإخلاص العبيد فى خدمة سادتهم . 

أما الدول قبل الإسلام فقد كانت معاملاتها قائمة على اعتبار رعايا الدول الأخرى غنيمة تستولى عليهم متى استطاعت ، تسترق من تشاء ، وتبيع من تشاء . 

ويروى فى هذا أن " أفلاطون " الفيلسوف اليونانى قد جرى عليه الرق فى إحدى رحلاته ، وأن " عمر بن الخطاب " (رضى الله عنه) قد استرقه قبل الإسلام شخص فى إحدى رحلاته إلى الشام ، فاستسلم له " عمر" ابتداء حتى تمكن من الإنفراد به فقتله . 

ولقد كان يحيط بالعرب دولتان كبيرتان لهما حضارة ، وفيهما علم وفى إحداهما ميراث زاخر من الفلسفة والحكمة وهما دولتا الروم والفرس ، ولقد كان قانون الرومان ــ الذى مازالت بعض قوانينه مقدسة عند أوروبا حتى الآن ــ يعطى للأشراف الرومان حقوقًا ليست لغيرهم ممن هم فى ظل الحكم الرومانى ، فالعبيد لا يعاملون معاملة الآدميين ، فليس على السيد مسئولية فيما يفعل مع عبده ، حتى إن قتله فلا تبعة عليه ، وجريمة العبد تضاعف لها العقوبة ، وجريمة الرومانى يخفف فيها العقاب ، والدائنون لهم حق استرقاق المدينين إن عجزوا عن الوفاء . 

والخلاصة 

أن الإسلام قد ظهر فى عصر كان نظام الرِّق فيه شرعًا سائدًا ، وعُرفًا دوليًا قائمًا ، وكانت منابعه كثيرة ، ومنافذه قليلة ، وكانت أهم روافده سبعة

  1. الحرب بجميع أنواعها .
  2. الخطف والسبى . 
  3. ارتكاب بعض الجرائم كالقتل والسرقة .
  4. عجز المدينين عن السداد . 
  5. سلطة الوالد على أولاده ، فله أن يبيع من يشاء بيع الأرقاء . 
  6. سلطة الشخص على نفسه ، فله أن يتنازل عن حريته لقاء ثمن معين . 
  7. تناسل الأرقاء . 

فلما جاء الإسلام حرَّم كل هذه الروافد ، ولم يبق منها سوى رافدين اثنين هما : رق الوراثة ، ورق الحرب ، بل إنه قد وضع على هذين الرافدين من القيود ما يكفل نضوب نوعيهما : 

فقيد النوع الأول : بأن لا يكون تناسل بين جارية وسيدها .

وقيد النوع الثانى : بأن تكون الحرب شرعية غير أهلية ، والحرب الشرعية حدودها ضيقة ، كما أجاز الإسلام فى أرقائها المنَّ والفداء ، بل إن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة جاء فيهما عشرات الأوامر بالعتق والإحسان والمنَّ والفداء ، قال الحق تبارك وتعالى﴿ .. فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً .. (4)  محمد .

وقال تعالى﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13)  البلد .

ووصى بالإحسان إلى الأسرى فقال عزَّ وجلَّ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)  الإنسان . 

وقال صلى الله عليه وسلم فى حديث قدسى عن الله عزَّ وجلَّ : " ثلاثة أنا خصيمهم يوم القيامة ، رجلٌ أعطى بى ثم غدر ، ورجلٌ باع حرًا فأكل ثمنه ، ورجلٌ استأجر أجيرًا فاستوفى منه ، ولم يعط أجره "   أخرجه البخارى . وقال صلى الله عليه وسلم : " أطْعِمُوا الجائع ، وعودوا المريض ، وفكوا العانى "   أخرجه البخارى . 

وتاريخ الرسول  فى غزواته يشهد بهذه الروح التى تهدف إلى حرية العبيد ، ففى (موقعة بدر) قبل المسلمون الفداء ، وفى (فتح مكة) عفا عن أهل مكة وهو قادر على الانتقام منهم ، وفى (بنى المصطلق) تزوج النبى  أسيرة من هذا الحى ليرفع مكانته (أى الحى) ، فتَحرَّج المسلمون من استرقاق الأصهار الجدد . 

 والقاعدة الفقهية المشهورة : " الشرع يتشوف (أى يتطلع) إلى الحرية " ، وقد بلغت حدًا من المحافظة عليها لدرجة جعلت بعض الفقهاء يحكم بنسب الولد إلى أب كافر حر ويرفض الحكم عليه بأنه عبد مسلم . 

فماذا ينتظر أعداء الإسلام منه أن يفعل أكثر من ذلك ؟ هل كانوا يريدون منه ألا يسترق أعداءه على حين أنهم يسترقون أبناءه ؟ ! 

منافذ الشرع لتحرير العبيد 

إن الإسلام لم يلغ الرِّق ، لأن أعداءه لا يستجيبون لذلك فكانت المعاملة بالمثل .. ومع هذا فقد وضع فى تشريعاته منافذ كثيرة لو سارت فى طريقها الصحيح عبر التاريخ لانتهى الرق من زمن بعيد ، منها أن العتق يلزم باللفظ ولو مزاحًا ، كذلك التدبير ، ومنه أن السيد إذا أتى من جاريته بولد عتقت عليه ، ومنها نظام المكاتبة الذى يبيح فيه السيد لعبده أن يتاجر ويعمل حتى يوفيه ثمنه ، وقد حث الإسلام على مساعدته ، بل جعل له نصيبًا من مصاريف الزكاة فى كل عام ، قال الحق تبارك وتعالى﴿.. وَفِي الرِّقَابِ .. (60)  التوبة .

ومنها نظام الكفارات ، فالقاتل خطأ عليه أن يعتق رقبة ، والحانث فى يمينه عليه أن يعتق رقبة ، والمظاهر من زوجته عليه أن يعتق رقبة ، هذه كفارات مفروضة

وهناك عتق مرغوب فيه تطوعًا بلا إيجاب من الشرع .. قال صلى الله عليه وسلم : " من أعْتقَ رقبة مسلمة ، أعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النار"   أخرجه البخارى . وفضلا عن كل ذلك فإن الإسلام قد ضمن لهم معاملة كريمة مع سادتهم .. وقال صلى الله عليه وسلم : " من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه "  أخرجه أبو داود . وكان من آخر وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله : " اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم "   أخرجه أبو داود . 

ومن توجيهاته النبوية ألا يقول السيد لمملوكه : يا عبدى ، ولا : يا أمتى ، بل يقول : يا فتاى ويا فتاتى . ومن مآثره  أنه جعل العبيد إخوة لسادتهم ، فقال : " إن إخوانكم خولكم (أى خدمكم) جعلهم الله تحت أيديكم ، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ، وليلبسه مما يلبس "   أخرجه البخارى . 

ولقد طبق صحابة رسول الله  مع عبيدهم مبدأ هذا الإخاء ، فلقد وعى سمع التاريخ وهو مطأطئ الرأس إكبارًا عن سيدنا " عمر بن الخطاب " (رضى الله عنه) وهو ذاهب إلى الشام لعقد المعاهدة مع أهل بيت المقدس بعد انتصار المسلمين أنه كان معه غلامه ولم يكن معهما سوى ناقة واحدة ، وتنفيذًا لمبدأ الإخاء كان أمير المؤمنين المنتصر يتعاقب الركوب مع غلامه على الناقة .. وأراد الله إظهار تلك الأخوة والعدالة والمساواة فجاء الدور حين دخول المدينة للغلام فما استنكف " عمر" أن يدخل المدينة ماشيًا وغلامه راكب . 

إنها عظمة الإسلام تتجلى على رءوس الأشهاد تدمغ أباطيل الحاقدين وأكاذيب الناقمين . 

عن المعرور بن سويد قال : دخلنا على أبى ذر بالربذة فإذا عليه برد وعلى غلامه مثله فقلنا : يا أبا ذر لو أخذت برد غلامك إلى بردك فكانت حلة وكسوته ثوبًا غيره ؟ قال : سمعت رسول الله  يقول : " إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليكسه مما يلبس ولا يكلفه ما يغلبه فإن كلفه ما يغلبه فليعنه " أخرجه أبو داود . 

بل إن الإسلام قد بلغ الذروة فى إبراز كيان الرقيق فأباح لهم أن يكونوا أسرة بالمعنى القانونى السليم ، بل إن حق القود والقصاص قد أعطاه لهم الإسلام ، ولو كان مع حر بل ولو كان مع رسول الله  . [القود : هو قتل القاتل مقابل قتيله]

عن أم سلمة قالت : كان رسول الله  فى بيتى ، وكان بيده سواك ، فدعا وصيفة لى فلم ترد عليه حتى استبان الغضب فى وجهه ، فخرجت إلى الحجرات فوجدتها تلعب ، فقلت : أراك تلعبين ورسول الله  يدعوك ! فقالت : لا والذى بعثه بالحق ، فقال الرسول  : " لولا خشية القود لأوجعتك بهذا السواك "   أخرجه البخارى . 🅪

؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛