قراءة فى | أدب الدعـوة والإصلاح وأثر الكلمة الطيبة
أدب الدَّعـوة والإِصلاَح
يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) ﴾ إبراهيم .
يقول كاتب هذا المقال :
إن هذه الأية الكريمة بنصها وفصها معجزة كاملة ، وكل كلمة فيها معجزة فى مكانها ، لا بديل لها ولا عوض ، وما يمكن أن يكون تصوير للكلام البليغ الدعوى ، والأدب المؤثر الهادف ، ليس المغير للتفكير بل المغير للسير والمصير ، ولقدرة نفوذه فى القلوب والنفوس والعقول ولاحتوائه على أكبر مساحة مكانية وعلى أكبر مساحة زمانية فى التأثير والنفع من هذه الآية ، فـ الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿ .. ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) ﴾ إبراهيم .
الشرط الأول : أن تكون الكلمة طيبة فلا قيمة لكلمة عند الله وعند رسوله وعند من شرح الله صدره للحقيقة إذا لم تكن طيبة فلا قيمة لها عند الله وعند رسوله ﷺ وعند العارفين بالحقيقة ، إن تاريخ الأدب العالمى والشعر فى مختلف اللغات والأزمنة والبلاد يدل على إهمال اتصاف الكلمة الأدبية والبيانية بالطيبة بصفة عامة ، يبرهن على ذلك تاريخ الأقطار الثقافى التى سلمت لها الزعامة فى الأدب والفلسفة والعلوم الرياضية ، كاليونان وإيران ، وبلاد الغرب ، والهند ، قبل أن يصل إليها الإسلام .
فالشرط الأول تكون الكلمة كلمة طيبة ، يقول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ .. (24) ﴾ إبراهيم . كانت هناك أشياء كثيرة ، كان يمكن أن تشبه الكلمة الطيبة بها ، كالمعادن الكريمة والجواهر الغالية وبالآلات ، وبالقوى ، وبالطاقات السياسية وغير السياسية ، والمادية والعسكرية ، ولكن الله اختار للتشبيه شجرة طيبة ، ففى هذا الوجود المادى ، وفى هذا الكون الواسع والعالم الفسيح ، أشبه شىء بالكلمة الطيبة لا بد أن يكون لها أصل راسخ قى الأرض ، أصل راسخ فى القلب ، ، والشجرة لا تنمو ، ولا تثمر ، ولا تبقى ، ولا تزدهر إلا إذا كان لها أصل ثابت ، كلاهما لابد أن يكون لهما أصل ترجعان إليه ، وتعتمدان عليه ، وكما أن الشجرة الطيبة إذا نبتت ونمت ، فإنها تمتد فروعها إلى مكان قد لا يتصور الغارس نفسه أن هذه الشجرة الصغيرة تمتد إلى هذا المكان العالى وإلى هذا المرتفع وتملأ هذا المكان الفسيح ، كذلك الكلمة الطيبة تبتدئ من بداية لا ترى حتى بالمكبرة ، ولكنها إذا نمت وترعرعت ، وإذا ازدهرت وأثمرت فإنها تمتد فروعها إلى آفاق السماء وأرجاء الأرض .
ثم إن الله سبحانه وتعالى قد ذكر فى هذه الآية الكريمة المعجزة الخالدة ، أن إثمار هذه الشجرة لا يتقيد بزمان دون زمان ، وبقرن دون قرن ، وبيئة دون بيئة ، وبفترة زمانية تاريخية دون فترة زمانية تاريخية ، بل إنها تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها ، فمتى كان ظهور الإسلام ؟ ، ومتى كانت البعثة المحمدية ؟ ، وإلى هذا الوقت لا تزال آثارها ملموسة ، ملحوظة موقرة محترمة ، وهى التى لم تزل تسيطر على العقول والنفوس أكثر مما تسيطر عليها الحكومات والمنظمات ، فتؤتى أكلها كل حين بإذن ربها ، وكان من غرسها المجتمعات المؤمنة الصالحة الفاضلة ، والعلوم النافعة ، والمدارس الفكرية السليمة البناءة والمكتبات الغنية الزاخرة ، وعمليات إنقاذ البشرية والتقدم بها ، والقضاء على المظالم والاتجاهات الفاسدة ورسوم الجاهلية ، والله إنها لمعجزة لو آمن إنسان بسماع هذه الآية فقط كان مصيبًا ومحقًا .
واستطرد الكاتب يقول :
أيها السادة ! إن الدعوة لها أركان ثلاثة فى نظرى ودراساتى القاصرة ، " ودراستى لتاريخ الدعوات والنبوات والرسالات " ، تحتاج أولا إلى حسن النية ، والإخلاص ، ثم إنها تحتاج إلى لغة مفهومة لبقة لائقة بمستوى المستمعين ، ولائقة بالزمان والمكان ، ومؤثرة تشق طريقها إلى أعماق النفوس ، وما يكفى أن تكون كلمات مركبة ومجموعة كلمات لبقة ، بل يكون فيها سحر وجاذبية نفسية وقلبية ، والشىء الثالث أن يرافق هذه الدعوة شىء من التألم والرقة والإشفاق على مصير المستمعين .
وأحكى لكم حكاية حضرتنى الآن ، وهى أن أحد أبناء ملوك التتار الذين هاجموا الشرق العربى الإسلامى ، ودمروا بغداد كما تعرفون ، ودمروا كل المملكات الإسلامية ، حتى كان الناس يتصورون أن الإسلام يلفظ نفسه الأخير ، وأنه لا مستقبل له فى هذا العالم ، فتوزع هؤلاء المهاجمون فى عدة فروع ، فرع كان يحكم تركستان وإيران ، وكان ولى العهد فى ذلك الزمان الذى كان سيتوج فى عهد قريب ، هو " تغلق تيمور" ، حكى البروفسير " آرنلد " فى كتابه " الدعوة الإسلامية " هذه القصة ، والقصة كما حكتها المصادر الفارسية والتركية تختلف قليلا ، فالذى يحكيه " آرنلد" :
هو أن " تغلق تيمور" خرج للقنص ، وعند القناصين كما تعرفون توهمات وبالأصح تشاؤمات وكان عندهم أنه إذا وقع نظرهم على إيرانى ــ كانوا يحتقرون الإيرانى إلى آخر نقطة إلى آخر المدى ــ فإذا وقع نظر أحدهم على إيرانى فمعنى ذلك أنه لا يوجد الصيد ، والتشاؤم لا أصل له شرعاً ، ولكن هو أراد شيئًا ، والله أراد شيئا آخر ، أراد أن لا يدخل إيرانى ولا يقع نظره على إيرانى ، والله أراد أن لا يدخل إيرانى فقط ، بل يدخل بنفسه ويدخل ولى العهد فى الإسلام بل يدخل فرع بتمامه فى الإسلام ، وذلك تقدير العزيز العليم .
فصادف أن " الشيخ جمال الدين " وكان صاحب قلب حى وصاحب ضمير وشعور ، وصلة بـ الله قوية وعميقة ، دخل على غفلة منه ، فقبض عليه الشرطى وجره إلى ولى العهد ، فاستشاط غضبًا ، وجن جنونًا ، وما وجد شيئًا يعيره به ويهينه ، إلا أنه كان عنده كلب ، فقال : من منكما أفضل ؟ كلبى ؟ ونسبه إلى نفسه قصدًا ، فليس كل كلب ككلب الملوك والأمراء المدلل ، كلبى أفضل أم أنت ؟ ، فسكت قليلا ، قال : لماذا لا تجيب ؟
فالذى يحكيه " آرنلد " أنه قال : إذا لم يكرمنا الله بالإسلام فكان ذلك الكلب أفضل ، أما إذا أكرمنا بالإسلام ، فأنا أفضل ، فقال : ما هو الإسلام والإيمان ؟ فبدأ يشرح الإيمان بمقدار مناسب وجرعة يسيغها الأمير فى ذلك الوقت القصير والفكر المشغول بالقنص واللهو ، وبلباقة لم يطنب ولم يقتصر ، فوقع كلامه فى أعماق قلبه ، وحرك شعوره ، قال : طيب .
ومن هنا كان الإسلام قد شق طريق إلى قلبه ، فقال : يا سيدى إذا سمعت أن " تغلق تيمور" تم تتويجه ، فلا بد أن تشرفوه بالزيارة ، قال : طيب إن شاء الله ــ تعالى ــ وبدأ ينتظر بما كان عنده من حرص على إسلام التتار الفاتحين الغزاة الذين دوخوا العالم الإسلامى من أقصاه إلى أقصاه حتى كان من الأمثال السائرة ــ إذا قيل لك إن التتر انهزموا فلا تصدق ــ فكان يعد الأيام عدًا ، ولكن الله أراد أن يسوق هذه الكرامة إلى ابنه ، فلما حضرته الوفاة قال : يا ابنى لعل الله قد ادخر هذه الكرامة لك ، فإذا سمعت أن " تغلق تيمور" قد تم تتويجه ، فلا بد أن تزوره ، فزاره .
أما المصادر التركية والفارسية فهى تقول : إنه لما سأله الملك أيكما أفضل ، كلبى أم أنت ؟ قال : والله لا أستطيع أن أرد على هذا السؤال الآن ، قال : لماذا ؟ السؤال بسيط ، والجواب بسيط ، إما أن تقول : كلب ابن الملك أو نفسى ، قال : لا ، هذا يحتاج إلى انتظار ، قال الأمير : أى انتظار ؟ تعرف الكلب وتعرف نفسك ، قال : لا ، إذا ختم لى بالحسنى ، ومت على الإيمان ، وعلى كلمة الشهادة ، فأنا أفضل ، وأما إذا لم يختم لى على كلمة الشهادة والإيمان ، فالكلب أفضل ، هذا كلام له سحر وأى سحر ، والله إن مكتبة كاملة لا تستطيع أن تقابل هذه الكلمة الواحدة فإن الذى يخرج من القلب يدخل فى القلب ، قال ولى العهد : طيّب ، وأَذِن له بالإنصراف ، فذهب ، فلما حضرته الوفاة دعا ابنه وقال : يا ابنى لعل الله ادخر لك هذه الكرامة ، إذا سمعت أن " تغلق تيمور" قد تم تتويجه فلا بد أن تزوره ، وتُذكِّرهُ بالقصة .
فلما بلغه نبأ تتويجه ذهب يزوره لكنه لم يسمح له بالدخول فى البلاط ، فرمى سجادته بعيدًا عن القصر ، وصار يصلى ويؤذن ، وفى غير الصبح ما كان الصوت يصل إلى القصر ، ولكن فى يوم من الأيام طرق أذنه صوت الأذان ، قال : ما هذا الصوت العجيب ؟ وفى غير أوانه ، كأن الرجل شبه مجنون ينادى هكذا ، ادعوه لى ، فدعاه ، فقال : من أنت ؟ ، ماذا تفعل ؟ ماذا تصرخ وتقول ؟ فقال : يا جلالة الملك ، لعلك تذكر أنك كنت فى قنص وفاجأ دخول شيخ من العلماء اسمه " جمال الدين الإيرانى " ، فتشاءمت بذلك ووجهت إليه سؤالًا ، أيكما أفضل ، الكلب أم أنت فقال : لا أستطيع أن أجيب على هذا السؤال الآن ، قال : فماذا تقول ؟ قال : أنا أشهد بأنه ختم له بالحسنى ، وأنه مات وهو يلفظ بكلمة الإسلام ، وهى : " أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله " ، فأسلم ابن الملك التتارى ودعا رئيس الوزراء ، وقال : أنت وشأنك ، قرر ماذا يكون مصيرك ، أما أنا فقد اعتنقت الإسلام ، وآمنت بـ الله وبرسوله ، فقال : والله يا جلالة الملك ، أنا كنت قد أسلمت قديمًا ، ولكنى كنت أخفى إسلامى ، فدعا رجال البلاط وقادة العسكر ورجال الحاشية ، فكلهم أسلموا .
فلا بد أيها السادة ! أن يرافق الدعوة كل ما يجب أن تتصف به الدعوة من قوة إفهام وإقناع ، ودلائل علمية وبلاغة بيانية وشىء من الألم النفسى وشىء من الشعور الدافق الذى ملك القلب .
ويجب أن يكون هذا الداعى صاحب بيان ولسان ، يخاطب العلماء والمثقفين فى إسلوبهم والعامة فى أسلوبها ، ويجب أن يكون صاحب نفس زكية ، وهمة قوية مؤثرة ، وعلى جانب عظيم من الزهد والقناعة والعزوف عن الشهوات وكبر النفس ، يجد ضعاف الإيمان وضعاف النفوس فى مجالسة قوة اليقين ، وحرارة الإيمان ، ويجد أهل الشك والارتياب السكينة والإذعان ، ويجد أصحاب النفوس القلقة والقلوب الجريحة المنكسرة الهدوء ، والعزاء والسلوان ، ويجد هواة الحقائق والمعارف وأصحاب الدراسات للعلوم الدقيقة والنكت اللطيفة ، ويجد أصحاب البطالة والعطلة وأصحاب القلوب الخامدة ما يملؤهم حماسة وإيمانًا ، وما يحفزهم إلى العمل والجهاد ، ويجد عباد اللذات والشهوات والمترفون فى الحياة الذين تجرأوا على المعاصى والمحارم ما يبعث فيهم الإقلاع والندامة والتوبة والإنابة ، وبالجملة يجد كل أحد فى مجالسه غناءه ودواءه وغذاءه وشفاءه ، ويقف كمنارة عالية من الإيمان والعلم فى بحر من الظلمات والجاهلية ، يأوى إليها الغرقى ويهتدى بها الحائرون ، ويخلف الأنبياء فى دعاء الخلق إلى الله ، ودعوة الناس إلى دار السلام وإخراجهم من الظلمات إلى النور ، ويخلفون الأنبياء فى تهذيب النفوس ، وتجديد الصلة بـ الله تعالى ، والتذكير بالآخرة ، وإيثارها على الدنيا ، وتجريد التوحيد ، وإخلاص الدين لله ــ تعالى ــ وذلك كله من أهم مقاصد بعثة الأنبياء ومن أعظم أهدافهم ، ولا يمكن أن يبقى الإسلام كدين ونظام خلقى ، وأسلوب للحياة ودعوة مؤثرة حتى يكون له دعاة مجددون من هذا الطراز .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛