أمهاتُ المُؤمنين | السَّيِّدةُ خَديجةُ بنتُ خُويْلد (بُشْرَى جِبْرِيل)
السَّـيِّدة خَديجَة بِنْت خُويْلد
(رضى الله عنها)
- فمن هى ؟
- هى سيدة عربية قرشية من أوسط نساء قريش نسباً ، ولدت بمكة قبل عام الفيل بخمسة عشر عاما تقريبا ، ونشأت فى بيت من أعرق بيوت قريش نسبًا وحسبًا وشرفًا ، فكان أبوها زعيم بنى أسد بن عبد العزى ، وشقيق عبد مناف ، وإليه ينتهى الفضل والكرم والسيادة بين قومه وعشيرته ، وقد نشأت على التخلُّق بالأخلاق الحميدة ، وكان من صِفاتها الحزم والعقل والعفة . فكانت أَعظمهن شرفاً ، وأكثرهن أموالاً ، وكانت متزوجة من هند بن النَّبَّاش ابن زرارة ، وقد أنجبت منه هند وهالة ، وبعد وفاته تزوجها عتيق بن عائذ أو بن عابد كما ورد فى بعض الكتب .
- بوفاة الزوج الثانى أصبحت السَّيدة خَديجة أيماً ، وكانت تاجرة تستأجر الرجال فتضاربهم على شىء من مالها .. فأرسلت إلى محمد بن عبد الله الصادق الأمين تستأجره على مالها ، وسار فى تجارتها إلى الشام ، وأرسلت معه غلامها ميسرة كى يخدمه ، ويكون لها عيناً عليه .
- عند عودته ﷺ من رحلة الشام أرسل ميسرة إليها يُبشرها بعودة تجارتها سالمة رابحة ، فلما سألته عنه ، قال لها : أنه لم يصادف فى معاملاته صادقاً كهذا الصادق ، أو أميناً كهذا الأمين ، أو شريفاً كهذا الشريف ، وأنه نزل تحت شجرة إلى جوار راهب ، وأن هذا الراهب سأل عنه وقال : مانزل تحت هذه الشجرة إلا نَبِىٌّ .. ثم أضاف ميسرة : أنه ﷺ كان يُظَلَّلُ بالغمام حيثما حل أو إرتحل .
- انتظرت السيدة خديجة (رضى الله عنها) مَقْدِم مُحمد بن عبد الله ، وأرسلت إليه تَخطبه لنفسها قائلة : إنِّى رَغِبْتُ فِيكَ لقَرَابتكَ مِنِّى ، وشَرَفِكَ فى قَومِكَ ، وأَمَانَتِكَ عندهم ، وحُسْن خُلُقِكَ ، وصِدْقِ حَدِيثك .. فلمَّا عَرَضَ الأمر على أعمامه دخل السرور على قلوبهم ، وذهب معه عَمَّه حمزة بن عبد المطلب إلى عم خَديجة عَمْرو بن أسد ، وفى بعض الروايات إلى أبيها خويلد بن أسد لخطبتها فقبل وقال : كريم طلب الكريم ، وتزوجها ﷺ وأصدقها بأربعة نوق ، وكان عمرها فى ذلك الوقت أربعين سنة بينما كان عمره ﷺ خمساً وعشرين سنة ، ولم يسبق له الزواج .
- عاش النبىﷺ معها (رضى الله عنها) قبل الرسالة خمسة عشر عاماً حيث جاءته الرسالة وهو فى سن الأربعين ، فكانت (رضى الله عنها) نعم الزَّوجة ، ونعم الأم ، ونعم الرفيق ، فحين جاءته الرسالة ، وفاجأه الوحى وهو يَتعبَّد فى الغار ، وعاد إلى بيته يرتجف ، ويقول : "زَمِّلُونى زَمِّلُونى" ، استقبلته وهدَّأته قائلة له : "والله لَنْ يُخْزِيَك الله أبَداً ، فإنَّك تصْدُقُ الحَدِيثَ ، وتَصلُ الرَّحِمَ ، وتقْرِى الضَّيف ، وتَكْسِب المَعدُوم ، وتُعينُ عَلَى نَوائبِ الدَّهْرِ" .
- وانطلقت به السَّيدة خديجة (رضى الله عنها) حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العُزَّى ابن عمِّ السَّيدة خديجة وكان امرأً تنصَّر فى الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العِبْرَانى ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب ، وكان شيخًا كبيرًا قد عَمِىَ ، فقالت له السَّيدة خديجة : يا ابن عمِّ ، اسمع من ابن أخيك ، فقال له ورقة : يا ابن أخى ماذَا ترَى ؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى ، فقال له ورقة : هذا النَّاموس الذى نزَّل الله على موسى ، يا ليتنى فيها جدعًا (أى شابا) ، ليتنى أكون حيًا إذ يُخرجُك قومك ، فقال رسول الله ﷺ : "أو مُخْرِجىَّ هُمْ ؟" قال : نَعم ، لم يَأْت رَجلٌ قط بِمثْل مَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِى ، وإنْ يُدْركْنى يومُك أنْصركَ نصرا مؤزَّرا . ثم لم يَنْشَبْ ورقة أن تُوفِى ، وفَتَر الوَحْى .
- كانت (رضى الله عنها) قد أُوتيت من الحكمة ما لم يُؤت أحد من الرِّجال ، فحين رأى الرسول ﷺ جبريل على هيئته الحقيقية ساداً بعظم خَلْقِه ما بين السماء والأرض ، وله ستمائة جناح كاد يُغشى عليه وعاد إلى بيته مرتجفاً خائفاً يقول : "دَثِّرُونى دَثِّرُونى" فإذا بها تسأله أن يُخبرها حين يراه ، وكان وحده الذى يراه - فلما أخبرها رفعت غطاء رأسها وأسدلت شعرها وسألته عما إذا كان ما زال يراه ، فأجابها أنه انصرف ، فقالت له : "والله مَا هذا بِشيْطَان ، إِنْ هُو إلا مَلك كَريم" .
- أَنجب الرسول ﷺ من السَّيدة خَديجة قبل البعثة كلا من السيدة زينب ، والسيدة أم كلثوم ، والسيدة رقية ، والسيدة فاطمة .. وقيل أنه أنجب أربعة أولاد هم : القاسم ، والطيب ، والطاهر ، وعبد الله ، وقد مات الأولاد الذكور جميعاً وهم صغار ، أما البنات فقد عشن جميعاً إلى ما بعد البعثة ، والهجرة ، ولكنهن مُتْنَ جميعاً قبله ﷺ ، ولم تبقى إلا السَّيدة فاطمة التى لحقت به بعد ستة أشهر من وفاته ﷺ .
- تقول السيدة عائشة عن حب النَّبى ﷺ للسَّيدة خَديجة : ما غِرْتُ على أحد غَيْرتى عَلى خَديجةَ ، ومابى أنْ أَكُون أَدْركتها وذلك لكَثرة ذِكْر النبى ﷺ لها فَقَلَّما كان يخرجُ مِنْ عِنْدى إلا ويذكُرُها فيُحْسنُ الثَّناء عَليْها ، فَذَكرها يَوماً من الأيَّام فأَدْركَتْنى الغِيرةُ ، فَقلتُ : هل كانت إلا عَجُوزًا ؟ فقد أبْدلك الله خيرًا مِنْها .. فَغَضِب النبى ﷺ غضباً شديداً حتى اهتز مقدم شعره وقال : لا والله مَا أَبْدلنى الله خَيْراً مِنْها ، فَقد آمَنتْ بى إِذ كَفَر النَّاسُ ، وصَدَّقَتنى وكَذَّبنى النَّاسُ ، وَواسَتْنى فى مَالِهَا إذْ حَرَمَنى النَّاسُ ، ورزقَنى الله تَباركَ وتَعالى مِنْها أَولاداً إِذ حَرمَنى أَوْلاد النِّسَاء ، وخرج مغضباً ، فقلت فى نفسى : لا أذكرها بِسيِّئةٍ أبدا .
- جاء الأجل للسَّيدة خَديجة بعد موت أبى طالب بأيام حيث ماتت قبل الهجرة بثلاثة أعوام .. وسُمىَّ العام الذى ماتت فيه بعام الحزن ، فقد حزن النبى ﷺ عليها حزناً شديداً ، فقد كانت (رضى الله عنها) تخفف عنه ، وتهون عليه أمر الناس ، وكانت تُثبته وتُصدِّقه ، فقد اشتد أذى الناس للنبى ﷺ بعد موتها وبعد موت أبى طالب ، فقد كان ﷺ يكثر من ذكرها بعد موتها بالثناء عليها والمدح لها وما يسرها فى حياتها حيث يصل من يودها ، ولما مرضت مرض الموت دخل عليها النبى ﷺ وبَشَّرها بِبيْت فِى الجَنَّة من قَصَبٍ ، لا صَخَبَ فَيه ولا نَصَب .
- قال فيها النبى ﷺ : "أَفْضل نِسَاء أهل الجَنَّة : خَديجة بِنْت خُويلد ، وفَاطِمَةُ بِنتُ مُحمد ، ومَريم بِنْتُ عِمْرَان ، وآسيةُ إمرأة فِرْعَوْن" ، فقد ماتت (رضى الله عنها ) قبل أن تُفرض الصلاة ، فلم تصلى الصلاة المفروضة ، ولم تحظى من أركان الإسلام إلا بركن واحد وهو : "لا إله إلا الله " حيث فرضت الأركان الأربعة الأخرى بعد ذلك ، فقد بلغت هذا المقام ، والدرجة العالية ، والمنزلة الرفيعة .. وما ذلك إلا لحسن معاشرتها للنبى ﷺ ووقوفها إلى جواره فى رحلة الدعوة إلى الله ومواساتها له بنفسها ، ومالها ، ويقينها بصدقه ، وحنانها الدافق عليه (رضى الله عنها وأرضاها) .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
المرجع : كتاب نساء مؤمنات
للمرحوم الشيخ / ياسين رشدى
للمرحوم الشيخ / ياسين رشدى