نساء مؤمنات | بناتُ الرَّسُول صلى الله عليه وسلم

 بَنَاتُ الرَّسُول صَلى الله عَليْه وسَلَّم 



  • وُلِد للنبى  أربع بنات ، كُلهن من أم المؤمنين السَّيدة خديجة (رضى الله عنها) وقد ولدن جميعا فى مكة ، الكبرى السَّيدة زينب ، ثم السَّيدة رقية ، ثم السَّيدة أم كلثوم ، وأصغرهن السَّيدة فاطمة (رضى الله عنهن) ، وفيما يلى الحديث عن كل واحدة منهن :

(1) السَّيِّدَةُ زَيْنَب بِنْت رَسُول الله 

قِلادةُ الذِّكريَاتِ 

(رضى الله عنها)
فمن هى ؟
  • هى كبرى بنات الرسول  من السَّيِّدة خديجة (رضى الله عنها)  ..وقد أنجبتها والنبى  فى الثلاثين من عُمْرِه ، وحين كَبُرت زَيْنب زوَّجها النبى  من أبى العاص بن الربيع ابن السَّيدة هالة بنت خويلد أخت السيدة خديجة وكان ذلك قبل البعثة .. وحين بُعث النبى  وجهر بدعوته أراد كفار مكة النكاية به ، فذهب ملأ من قريش لأبى العاص بن الربيع يطلبون منه طلاق زينب بنت مُحمد على أن يُزوِّجوه بمن شاء من بنات قريش ، فأبى ، وقال لهم : والله ما أُطلِّقُها ، وما أفارقها أبداً مهما عرضتم علىَّ من بنات العَرَبَ . فقد كان شديد الحب لها كما كانت شديدة الحب له ، ولقد أسلمت (رضى الله عنها) فى بدء الإسلام ولكن زوجها بقى على شركه .
  • دارت الأيام وجاءت غزوة (بدر) ووقع أبو العاص بن الربيع أسيراً فى أيدى المسلمين ، وحين تقرر فداء الأسرى أرسل أهل مكة بالأموال لفدائهم ، وأرسلت الزوجة المُسلمة الوفيَّة ما قدرت عليه لفداء زوجها المشرك ، وكان من بين ما أرسلته قلادة كانت أُمها أهدتها لها بمناسبة زواجها ، وحين وُضِعَت تلك الأموال أمام النبى  رأى تلك القلادة فحرَّكت أشجانه وهَيَّجَتْ ذكراه ، ورقَّ لها رقة شديدة فهى قلادة السَّيدة خديجة (رضى الله عنها) ، ورأى الأصحاب ذلك فى وجهه   فَقَرَّروا إطلاق الأسير بغير فداء ..وأعادوا له الأموال التى أرسلتها زوجته ومن بينها تلك القلادة ؛ .
  • انطلق الزوج المشرك عائداً إلى مكة بعد أن وعد بالسماح لزوجته المسلمة بالهجرة إلى المدينة فور وصوله إلى مكة ، ونفذ الزوج وعده وخرجت الزوجة المسلمة مهاجرة إلى المدينة .
  • مضت الأيام وخرج الزوج إلى الشام فى تجارة لقريش ، ووقعت القافلة فى أيدى المسلمين ، وفرَّ الزوج هارباً .. وحين أرخى الليل سُدُوله تَسلَّل إلى المدينة ، ولجأ إلى بيت زوجته مستجيراً بها ، فآوته حتى الصباح ، وخرج المسلمون لصلاة الفجر وتقدم النبى  إلى المحراب وكبَّر للصلاة فصرخت السَّيدة زَيْنب (رضى الله عنها) من صفوف النساء قائلة : ياأَيُّها النَّاس ، إِنى قد أَجَرتُ أبَا العَاصِ بنْ الرُّبَيع ..
  • بعد أن إنتهى النبى  من صلاته إلتفت إلى الناس قائلاً : "أَيُّها النَّاس ، هل سَمِعْتُم ما سَمِعتُ ؟! فوالَّذى نفْسى بيده ما عَلِمْتُ بهذا الأمر إلاَّ بعد ما سَمِعتُ كَمَا سَمِعْتُمْ إنَّه يُجيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَدْنَاهُم" وذهب إلى إبنته زَيْنب وقال لها : "يا بُنَيَّتى ، أَكْرمِى مَثْواه ولا يَقْرُبَنَّك فإنَّكِ لا تَحلِّينَ لَهُ" .. فقالت إنما جاء يَطلبُ مالهُ .. فعرض النبى ﷺ الأمر على أفراد السرية التى استولت على القافلة  فقرَّرُوا رد الأموال إليه .
  • عاد الزوج بأموال قريش إلى مكة وردَّها إلى أصحابها ثم نادى فيهم : هل بقى لأحد منكم شىءٌ .. قالوا : لا .. فقال : والله لولا أن تَظنُّوا بِى الخِيَانة لمَكثتُ بالمدينة وأسلمت مع رسول الله ﷺ ثم انطلق مسرعاً إلى المدينة ودخل على رسول الله  جاهراً بالشهادتين معلنا إسلامه وانضم إلى زوجته الوفية الصابرة والتأم شمل الأسرة من جديد فى ظل سماحة الإسلام .
  • تُوفيت (رضى الله عنها) ورسول الله  على قيد الحياة وكان ذلك فى السنة الثامنة من الهجرة ، ونزل النبى  فى قبرها مَهمُوماً حزيناً ولكن سُرى عنه حين خرج فقال : "كُنْت ذَكرْت زَيْنب وضَعفها فَسَألتُ الله تبارك وتعالى أنْ يُخفِّفَ عَنْها ضِيقَ القَبْرِ وغَمه ، فَفَعل وهَوَّنَ عَليْهَا" .                          

(2) السَّيِّدَة رُقَيَّة بِنْت رَسُول الله 

حُزن فى يَوْم فرحٍ 

(رضى الله عنها)
فمن هى ؟
  • ولدت السَّيدَة رُقَيَّة  قبل البعثة بسبع سنوات فى مكة ، ولما بلغت حوالى العشر سنوات  زوجها رسول الله   قبل البعثة من عُتْبَةَ بن أبى لهب ، وزَوَّج أختها أم كلثوم من شقيقه عُتَيْبَةَ بن أبى لهب ، لأن الزواج حينئذ كان مقتصرًا على أبناء وبنات القبيلة الواحدة وكان العرب يزوجون بناتهم  فى سن صغيرة ، لذلك تأجل دخول الزوجين على زوجتيهما حتى يَكْبِرا ويُصْبِحَا أهلا لذلك .
  • وحين بُعث النبى   ودعا قومه للإسلام كان أشدهم معارضةً له وتعذيباً لمن أسلم  أبو لهب ، وإمرأته أم جميل بنت حرب .. وحين نزل قول الله عزَّ وجلَّ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1)  المسد .. استدعى أبو لهب ابنيه عُتْبة وعُتَيْبة وأمرهما بطلاق ابنتى رسول الله   فكان ذلك إكراماً من الله تعالى لهما ، وهواناً لإبنى أبى لهب .
  • تزوجت (رضى الله عنها) من عثمان بن عفان ثم هاجر بها إلى الحبشة فى الهجرة الأولى ورزقا بعبد الله ، ثم هاجر بها إلى المدينة الهجرة الثانية ، لذلك كنِّيت بذات الهجرتين ، وقد عاش عبد الله حتى بلغ عمره ست سنوات ، ثم نقره ديك فى عينه مما تسبب فى وفاته ، وحزن النبى  عليه حزناً شديداً ، وانقطع النسب منها .
  • وفى السنة الثانية من الهجرة مرضت السَّيِّدة رُقيَّة بالحصبة فأمر النيى  عُثمان بأن يَتخلف عن غزوة ( بدر) ليُمرِّضُها ، وحين عاد زيد بن ثابت مبشراً بالنصر المبين فى غزوة (بدر) كانت (رضى الله عنها) تُدفن بالبقيع .
  • فأى مصابٍ هذا ؟ .. وأى بلاءٍ هذا ؟ .. إنه بلاء لا يقوى عليه إلا الأنبياء .. أن يرى الإنسان أبناءه  يموتون قبله واحداً  تلو الآخر فى طفولتهم ، أو فى أوج شبابهم ، ويشاء الله أن يكون موت السَّيدة رُقَية  فى يوم النصر المبين ، يوم دخل السرور فى جميع بيوت المدينة إلا بيت رسول الله  ، وأن يموت ابنها قبلها فلا تترك ذُرِّيَّة تسرى الأب الحزين عن فقد ابنته الشابة . 

(3) السَّيِّدَة أُم كُلثُوم بِنْت رَسُول الله 

على مِثْل عِشْرتهَا   

(رضى الله عنها)
فمن هى ؟
  • دخل النبى  على سيدنا عُثْمَان بن عفان فقال له : "ياعثمان ، مالى أراك مهموماً ؟ قال يارسول الله ، وهل دخل على أحد ما دخل علىَّ ؟ ..ماتت ابنة رسول الله  التى كانت عندى ، وانقطع ظهرى ، وانقطع الصِّهر بينى وبينك ، وبكى .. فإذا برسول الله  يقول : يا عثمان ، هذا جبريل (عليه السلام) يأمرنى عن الله عزَّ وجلَّ أن أزوِّجك أختها أُم كُلثُوم على مثل صداقها ، وعلى مثل عِشرتها وكان ذلك فى السنة الثالثة من الهجرة فى شهر ربيع الأول ، ولم تنجب (رضى الله عنها) منه .
  • ماتت (رضى الله عنها) فى السنة التاسعة من الهجرة ، وغسَّلتها أم عطية الأنصارية بأمر رسول الله  ولفت جسدها بثوب له ، ثم كفَّنتها ، وصلى رسول الله  عليها ودفنها فى البقيع إلى جوار شقيقتها رُقية (رضى الله عنها) ، لتكتمل دائرة الأحزان بفقد البنات دون أن يترُكْنَ ذُرِّيَّة ، ولكى تتحقق إرادة الله عزَّوجلَّ فى إنحصار ذُرِّيَّة النبى  فى أبناء السَّيدة  فاطمة (رضى الله عنها) صغرى بناته ، والوحيدة التى بقيت على قيد الحياة بعدهن ..
  • ومن العجيب أنه   يُسرِّى عن عثمان بن عفان (رضى الله عنه) قائلا : "لَوْ أَنَّ عِنْدنا ثَالثةً لَزَوجنَاك إِيِّاهَا" اللَّهُمَّ صلى وسلم وزد وبارك عليك ياسيدى يارسول الله         

(4) السَّيِّدَة فَاطِمَة بِنْت رَسُول الله 

الَباكيةُ الضَّاحِكةُ 

(رضى الله عنها)
فمن هى ؟
  • كانت السَّيدَة فَاطِمَة صُغرى بنات الرسول  ، وكان سِنُّها قبل البعثة حوالى سنتين أو ثلاث سنوات ، وقد نشأت فى الإسلام منذ طفولتها ، وكانت أحبَّ أهله إليه ، كما جاء عن السَّيدة عائشة (رضى الله عنها) ، وكانت أشبه الناس برسول الله  .
  • لما هاجرت (رضى الله عنها) إلى المدينة خَطَبَهَا أبو بَكْر لنفسه فأبى عليه رسول الله  ، وخَطَبهَا عُمر لنفسه ورفض رسول الله  ، ولما طلبها علىَّ بن أبى طالب سأله رسول الله  : "هَلْ عِنْدكَ شىءٌ تَسْتَحِلُّها بِه ؟" .. قال : والذى نَفْسى بيده مَاعِنْدى شىءٌ ، فسأله  : "أَيْن الدِّرع التى سَلَّحْتُكها ؟" .. فأفاد بوجودها ، وكانت درعاً حطميَّةَ تتحطم عليها السيوف من شِدَّتها ، فكانت هى صَدَاق فَاطِمة (رضى الله عنها) ، وكان سِنُّها خمس عشرة سنة وخمسة أشهر .
  • حين نزلت الآية : ﴿ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)  آل عمران .. جاء رسول الله  بنفسه ، وأهله ، وأهل بيته وهم : على ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين يبتهلون إلى الله لذا فقد اتصف كل من : الحسن والحسين ، وعلى ، والسيدة فاطمة بصفتين لم يجتمعا لغيرهم أبداً وهما : إنهم أهل الرِّداء ، وأهل المُبَاهلة .
  • فى إحدى المرات دخل النبى  على السَّيدَة فَاطِمَة وكانت مُضطجِعة إلى جوار عَلىٍّ ، فشكت إليه مشقَّة عمل البيت ، وكانت تدير الرحى بيدها فتشققتا ، وسألتهُ أن يَهبها خادم تساعدها ، فقال لها : "هَل أَدلُّكُمْ على شىء هو خَيْر لكما منْ خَادم ؟" ..قالا بلى يارسول الله .. قال : "إذا أَخَذتُما مَضْجعَكُما : فسبحا الله ثلاثًا وثلاثين ، واحمدا الله ثلاثًا وثلاثين ، وكبرا أربعًا وثلاثين ذلك خَيرلكُما مِنْ خَادم" .
  • وفى يوم من الأيام خطب النبى  على المنبر وقال: "أَيُّها الناسُ ، إن بنى هشام بن المُغيرة استأذنونى فى أن يَنْكِحُوا ابنتَهُم علىَّ بن أبى طالب فلا آذنُ ، ثم لا آذنُ ، ثم لا آذنُ ، إلا أن يريد علىُّ بن أبى طالب أن يُطلِّق ابنتى وينكح إبْنَتهُم ، فإنها بضعةٌ منى ، يُريبُنى مَارابَها ويُؤذينى ما أذَاها" ولم يقبل النيى  أن يكون لفَاطِمَة ضُرَّة ، وتلك خاصية لرسول الله  ، وهى ابنته التى جاءت منها الذرية ، حيث أنجبت الحسن والحسين ، ومنهما جاءت ذرية النبى  إلى يوم الدين .
  • يقول الرسول  : "كل مولود يُنْسب لأَبيه ، وأولاد عَلى يُنْسبون إلىَّ" .. ويقول علىُّ بنُ أبى طالب : سمعت رسول الله  يقول : "إذَا كَان يَوم القيامة نادى مُناد مِنْ وراء الحِجَاب : ياأَهل الجَمْع ، غُضُّوا أَبصَاركم عنْ فَاطِمةَ بِنْت مُحَمَّد حتى تَمُرَّ" ..
  • تقول عائشة (رضى الله عنها) أقبلت فَاطِمة كأن مشيتها مشية أبيها ، ودخلت عليه فى مرض موته وهى تقول : واكرب أبتاه .. فقال لها : "لا كَربَ على أَبيكِ يابُنَيَّتى بَعد اليَومِ"، فاقتربت من فراشه ، وأسر إليها حديثاً فبكت ، فأدناها منه مرة أخرى وأفضى إليها بشىء فتبسَّمت وتهلَّلت أسارير وجهها ، فقلت : ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن ، فسألتها عما قال ، فقالت : ما كنت لأُفشى سر رسول الله  .. فلما قُبض سألتها ، فأخبرتنى أنَّه أسرَّ إليها فقال : "إنَّ جبريل كان يُعارضُنى بالقرآن فى كلِّ سَنة مَرَّةً ، وإنَّه عَارضَنى العام مَرتين ، وما أراه إلا وقد حَضَرَ أَجَلى ، وإنك أَوَّلُ أهلى لُحوقاً بى ، ونعم السَّلفُ أنا لَكِ" فَبَكيْتُ ، فقال : "ألا تَرضين أنْ تكُونى سَيِّدةَ نساء العَالمين ؟!! " .
  • وحين مات النبى  حَزنت عليه السَّيدَة فَاطِمة حزناً شديداً وقالت لأنس بن مالك : كيف طابت قلوبكم ؟ .. تحثون التراب على رسول الله  وما رُئَيت بعد ذلك ضاحكة أبداً حتى ماتت (رضى الله عنها) .
  • ومضت سِتَّةُ شهور من الحُزن الشديد والترقُّب ، ومرضت مرضاً شديداً حتى كان يوم فأصبحت طيبة النَّفس نشيطة ، وطلبت من صاحبة لها أن تُعد لها غُسلاً فاغْتَسلتْ ، ثم طلبت ثياباً لها جديدة فلبستها ، ثم قدمت فراشها وسط البيت فنامت عليه مُسْتَقبلة القِبْلة ، ثم قالت لصاحبتها : إنِّى مَقْبُوضةٌ الآن ، وقد اغتَسلْت فلا يُكفِّنى أَحدٌ ، وادْفِنُونى ليلاً ..
  • ماتت (رضى الله عنها) وهى بنت تسعة وعشرين عاماً ، ودُفِنَت فى (بقيع الغَرْقد) وكانت أول إمرأة يُغطى نَعْشُها فى الإسلام ، وذلك بناءً على طَلَبها .. ولم يتزوَّج عليها زوجها فى حياتها قط خوفاً من غضب أبيها الذى إنقطع نسْلُهُ إلا منها .

           ؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛