غزوات الرسول | غَزْوة بنِى قُريْظة الموقعة العجيبة التى انتهت بلا قتال
غَزْوة بَنى قُرَيْـظَــــــة
- حدثت هذه الغزوة فى أواخر ذى القعدة من السنة الخامسة من الهجرة فى المدينة ، حينما رجع المسلمين من غزوة الخندق فرحين بنصر الله لهم ، ورد الله الأحزاب خاسئين لم ينالوا خيراً ، وحينما أراد الرسول ﷺ أن يعود إلى بيته ويخلع ملابس الحرب ويستريح من التعب والمشقة فى غزوة الأحزاب نزل جبريل (عليه السلام) يقول له : إنَّ الله يأمرك أن تَذهب إلى بنى قُريْظة الذين نقضوا عهدهم الآن ، فخرج الرسول ﷺ إلى أصحابه وقال لهم : " منْ كَان يُؤمن بالله واليَوم الآخر فَلا يُصليَّن العَصر إِلا فى بنى قُريْظة " ، فانطلق المسلمون فى ثلاثة آلاف مقاتل إلى حصن بنى قُريظة .
- أعطى رسول الله ﷺ الراية لعلى بن أبى طالب وأمره بالإسراع إلى بنى قُريْظة والمسلمين خلفه ، وحاصرهم الرسول ﷺ خمساً وعشرين ليلة حتى أجهدهم الحصار وقذف فى قلوبهم الرُّعب ، وأيقنوا أن رسول الله ﷺ غير منصرف عنهم حتى يحاربهم .
- جمع كعب بن أسد يهود بنى قريظة وقال لهم : يامعشر يهود قد نزل بكم من الأمر ما نزل وإنى عارض عليكم ثلاث أمور ، فخذوا أيهما شئتم ، قالوا وما هى ؟ قال : الأولى : نتابع هذا الرجل ونصدقه ، فوالله لقد تبين لكم إنه لنبى مُرسل ، وإنه للذى تجدونه فى كتابكم ، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم .. قالوا لا نفارق حكم التوراة أبداً ، ولا نستبدل به غيره ، قال : فإذا أبيتم علىَّ هذه فخذوا الثانية : هلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى مُحَمَّد وأصحابه رجالاً حاملين السيوف لم نترك وراءنا ثقلاً (المقصود النساء والذرية) ، حتى يحكم الله بيننا وبين مُحَمَّد ، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا ما نخشى عليه ، وإن نظهر تزوجنا نساءاً وأنجبنا أولاداً غيرهم .. قالوا نقتل هؤلاء المساكين ؟ فما خير العيش بعدهم ؟ قال : فإن أبيتم علىَّ هذه فخذوا الثالثة : فإن الليله ليلة السبت وإنه عسى أن يكون مُحَمَّد وأصحابه قد أمنونا فيها فانزلوا لعلنا نصيب من مُحَمَّد وأصحابه غرة ، قالوا : نفسد سبتنا علينا ونُحْدِثُ فيه مالم يُحْدِثْ من كان قبلنا .
- تشاور القوم فيما بينهم وقال قائل منهم : إنا لن نكون أسوأ من بنى النَّضير مصيراً ، وإن حلفاءنا من الأوس سيدفعون عنَّا الشر ، ولوعرضنا على مُحَمَّد أن نرتحل إلى أذريعات بالشام كما فعلت بنو النضير فلن يجد بأساً من قبول هذا العرض .. وبعثت بنى قُريظة إلى النبى ﷺ هذا العرض ، فأبى عليها ذلك العرض ، فأشاروا إلى وساطة عبد الله بن أُبى ابن سلول ، وسعد بن عبادة حتى يعفوا عنهم رسول الله ﷺ ويوافق على جلائهم عن المدينة ، فقال جماعة من الأوس : يانبى الله ، ألا تقبل من حلفائنا مثل الذى قبلت من حلفاء الخزرج ؟ فقال النبى ﷺ : يامعشرالأوس ، ألا تَرْضَون أنْ أَجعل بينى وبين حُلفائكم رجلاً مِنكم ؟ قالوا بلى قال : فقولوا لهم فَليختاروا من شَاءوا ، فاختار اليهود سعد بن معاذ ، وقد نسوا تحذيره إياهم ووقوعهم فى النبى ﷺ أمامه ، وسبهم له وللمسلمين .
- فذهب جماعة من الأوس إلى سعد بن معاذ ، حيث كان فى المسجد يداوى من جُرِحه الذى أصيب به فى غزوة الخندق ، فقالوا يا أباعمرو ، أحسن فى مواليك ، فإن رسول الله ﷺ ولاَّك ذلك لتحسن فيهم ، فقال سعد : عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيهم هو ما حكمت به ؟ قالوا : نعم ، قال : وعلى من هاهنا ؟ فى الناحية التى فيها رسول الله ﷺ وهو معرض عنه إجلالاً له ، فقال رسول الله ﷺ : نعم ، فقال سعد : إنى أحكم فيهم أن تُقتل الرجال ، وتسبى الذرارى والنساء ، وتقسم الأموال .. فلما سمع النبى ﷺ هذا الحكم قال : " لقد حَكَمت فيهم بِحُكم الله منْ فوق سبع سَماوات " ، ولم يكن بنو قُريْظة يتوقعون هذا الحكم من سعد بن معاذ حليفهم ، بل كانوا يحسبونه يتوسط لهم كما فعل عبد الله بن أبى ابن سلول مع بنى قينقاع ، ولم ينتبهوا للفارق بين الموقفين ، وبدأ تنفيذ الحكم الذى حكم به سعد بن معاذ ، بقتل الرجال ، وسبي النساء والذرارى .
- بدأ المسلمون بتنفيذ حكم سعد ، فجمعوا الرجال فقتلوهم ، وهكذا قُتل من اليهود أربعمائة رجل وفى رواية أخرى سبعمائة رجل ، وقُتل معهم واحد من أكبر مجرمى معركة الأحزاب هو حيىَّ بن أخطب زعيم بنى النضير والد صفية أم المؤمنين (رضى الله عنها) ، كان قد دخل مع بنى قُريظة فى حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاءاً لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه حينما جاء يثيره على الغدر والخيانة أيام غزوة الأحزاب ، وتم تقسيم أموال بنى قُريظة على المسلمين ، ونزل قول الله تعالى فى بنى قريظة : ﴿ وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (27) ﴾ الأحزاب .
- كانت رَيْحَانة إحدى سبايا بنى قُريظة ( هى ريحانة بنت زيد بن عمرو بن خناقة من يهود بنى النضير وكانت متزوجة رجلاً من بنى قريظة يقال له الحكم ، وكان محباً لها يُكرمها ويُحسن إليها ، وكانت إمرأة جميلة تحظى بمكانة رفيعة فى قومها ، وكانت معروفة بكمال عقلها وحسن تدبرها للأمور) ، قد وقعت فى سهم النبى ﷺ فعرض عليها الإسلام وأن يتزوجها ، فقالت بل تتركنى فى ملكك ، فهو أخف علىَّ وعَليْكَ ، وأصرَّت على يهوديتها ، فعزلها رسول الله ﷺ ، ووجد فى نفسه لذلك ، فبينما هو مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه فقال : إن هذا لَثَعْلبَة بن سَعْيَة يُبشِّرُنى بإسلام ريحانة ، فجاءه فقال : يارسول الله قد أسلمت رَيْحَانة .. فَسُرَّالنبى ﷺ لذلك ، وبقيت ريْحَانة فى ملك النبى ﷺ حتى توفى عنها .
- هذه قصة الأحزاب و بنى قُريْظة ، كانت موقعة عجيبة بلا قتال ، وكفى الله المؤمنين شرالقتال ، ولكنها كانت امتحاناً عظيماً لم يثبت فيه إلا الصادق حقاً ، وكانت غزوة فارقة فرقت بين مرحلتين رئيسيتين فى السيرة النبوية ، فقبل الأحزاب كان الاضطراب والقلق وعدم الاستقرار أما بعد الأحزاب فقد نضجت الدولة الاسلامية وأصبحت قادرة على الوقوف بصلابة فى وجه أعدائها وتطهرت المدينة من الخونة والمتآمرين من اليهود ، وإنهاء وجودهم فى المدينة ، كذلك كانت تهيئة للمسلمين لتحقيق إنتصارات جديدة ، وتمكين لدين الله فى الأرض وتأسيس الدولة الإسلامية .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛