رجال حول الرسول | سعد بن عبادة (إنَّما أنا رجلٌ من قومى)
سـَـــعْدُ بْنُ عُبــــادةَ (رضى الله عنه)
إنَّمَا أنا رجلٌ منْ قَوْمى
فمن هو ؟- هو سَعْدُ بْنُ عُبادة الأَنصارى الخزرجى زعيم الخزرج قبل الإسلام ، وهو سيد من الأسياد ومن السابقين إلى الإسلام ، قال عنه النبى ﷺ أن الحور تجرى فى بيته ، صاحب راية الأنصار فى المشاهد كلها ، وكان يُكنى أبا ثابت وأبا قيس ، وكان يكتب بالعربية فى الجاهلية ، وكان أحد النقباء الإثنى عشر .
- كان رجلٌ من سلالة أربعة كانوا يُطعمون الطعام على التوالى ، فجده وأبوه وهو وابنه، أربعة رجال من صلب واحد كانوا يُطعمون الطعام واشتهروا بالإطعام ، والسخاء والكرم .
- الأنصارى الوحيد الذى نال من أذى المشركين ماناله المهاجرين الأوائل ، أدركته قريش من بين وفد الأنصار الذى جاء يبايع النبى ﷺ بيعة العقبة فأوثقوه ، وساقوه إلى مكة وأوسعوه ضربًا .. ولم يُخلصه من أيديهم إلا جُبَيْر بن مُطْعم الذى كان سَعْد يدير له تجارته بالمدينة .
- عاد سَعْد بْن عُبادة إلى المدينة ، وبدأ الإسلام يدخل بيوت قبيلته من الخزرج ، وعندما هاجر النبى ﷺ إلى المدينة استقبله سَعْد وكان يحمل إليه كل يوم جَفْنَة ( قَصْعَة) مملوءة ثريدًا ولحمًا تدور معه فى بيوته يوميًا حيث دار .. فكان أَكثر الأنْصار إنفاقًا وإطعامًا ، وكان يسأل الله عزَّ وجلَّ سِعَةَ الرِّزق قائلا : اللَّهُمَّ إنِّى لا يُصْلحُنى القليل ، ولا أَصْلُحُ عَليْه .
- يَشهد سَعْدُ بن عُبادة غزوة (بدر) مع النبى ﷺ ويُبْلى فيها بلاء حسنًا .. فقد كان من أَمْهَر الرُّماة وجنديا من جنود رسول الله ﷺ ، وتأتى غزوة (الخندق) وقد أحاط المشركون بالمدينة من كل جانب ، فأرسل النبى ﷺ إلى سَعْد بن عُبادة سَيد الخزرج وسعد بن معاذ سَيد الأوس يستشيرهما فى إعطاء عُيَيْنَة بن حِصْن ثُلث ثمار المدينة على أن ينصرف بمن معه من قبيلة غطفان ، فقالا له : يا رسول الله ، إِنْ كُنت أُمِرتَ بشىءٍ من الله فافعله ، وإنْ كان غير ذلك ، فو الله ما نُعْطيهم إلا السيف ، فقال رسول الله ﷺ : " لم أُمَرْ بشىء ، وإنَّما هو رأى أعرضُهُ عَليكُما " فقالا : يا رسول الله ، ماطَمِعُوا بذلك منَّا قطُّ فى الجاهلية ، فَكيْف اليوم وقد هدانا الله بِكَ !! فَسُرَّ النَّبى ﷺ بقولهما وعمل برأيهما ، وتأتى قدرة الله سبحانه وتعالى أن أرسل على المشركين ريحًا كفأت قدورهم ، وهدمت خيامهم ، فانصرفوا جميعا وكفى الله المؤمنين شر القتال .
- تدور الأيام ويأتى فتح ( مكة) وراية الأنصار مع سَعْد بن عُبادة على رأس عشرة آلاف مُقاتل ويمر على أبى سفيان ويتذكر ما ناله من عذاب وإهانة يوم العقبة ، وتذكر ما فعلته قريش بالمسلمين الأوائل ، فقال لأبى سفيان : اليوم يوم المَلْحَمة ، اليوم تستحل الحرمة ، اليوم أذل الله قُريشا .. فغضب أبو سفيان وذهب إلى رسول الله ﷺ وقال له : يا رسول الله ، أَمَرْتَ بِقَتْل قَومِك ؟ زعم سَعْد أنه قاتلنا .. وأخبره بمقالة سَعْد ، فقال رسول الله ﷺ : " يَا أَبا سُفْيان ، اليَومَ يومُ المَرْحمة ، اليوم أعزَّ الله قُريْشًا ".
- أمر النبى ﷺ بأخذ الراية من سَعْد ، وإعطائها لإبنه قيس بن سَعْد ، ودخل رسول الله ﷺ مكة دون قتال ، وأمر مناديًا فنادى : مَنْ دخل المَسْجد فهو آمنٌ ، ومِنْ دخل داره فَهُو آمنٌ ، ومن دَخَلَ دار أبى سفيان فهو آمنٌ ..
- تمضى الأيام وتأتى غزوة (حنين) وتخرج قبائل العرب من هوزان ، وثقيف بأموالهم ، ونسائهم ، وأولادهم حتى لا يفر منهم أحد وقد عزموا على قتال النبى ﷺ وتكون الحرب الفاصلة فى القضاء على هذا الدين الجديد فقد فُتحت مكة ودان العرب جميعًا لهذا الدين .. ويلتقى الفريقان ويشاء الله أن ينتصر المسلمون فيها نصرًا مؤزرًا بعد أن كادت الهزيمة تلحق بهم لقول بعضهم : لنْ نُغْلَبَ اليوم من قِلَّة .. لولا أنَّ الله عفا عنهم بعد ما أراهم أنَّ كثرتهم لم تغن عنهم شيئا.. وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، وولوا مدبرين.. وأنزل الله سكينته عليهم حيث نادى فيهم رسول الله ﷺ : " إلىَّ أَيُّها الناس ، أنا النَّبىُّ لاَ كَذِبْ ، أنَا بْنُ عبد المُطلب "، وانتصر المسلمون وفَرَّت القبائل المُهاجمة تاركة وراءها : الأموال ، والأطفال ، والنساء ، والغنم ، والجمال .. فغنمها المسلمون ، وكانت أكبر وأعظم غنيمة غنمها المسلمون بفضل الله تبارك وتعالى .
- بدأ رسول الله ﷺ فى توزيع الغنائم ، واختص قريشا وحديثى العهد بالإسلام من أهل مكة بالكثير منها ، ولم يُعْط الأنصار شيئا فقال بعض الأنصار : والله لقد وجد رسول الله ﷺ أَهْلَه !! وسَرت الإشاعة بينهم أن النبى ﷺ غير راجع معهم .. ووصلت مقالتهم للنبى ﷺ ، فأرسل إلى زعيم الأنصار ، وسيدهم سَعْد بن عُبادة ، وسأله : "ماذا يقولُ الناسُ ؟" قال سَعْد : يقول هذا الحى من الأنصار : لقد وجد رسول الله ﷺ أهله .. فقد اصطفى هؤلاء القوم من قريش ( حديثى العهد بالإسلام) بالغنائم ، ولم يُعط هذا الحىَّ من الأنصار شيئا .. فقال له النبى ﷺ : " وأَيْن أنت من ذلك يا سَعْد ؟ " قال سَعد : يا رسول الله ، إِنَّما أنا رجلٌ مِنْ قَومى - يريد أن يقول أنه مِنْ رَأْى قومِه وتفكيرهم وهذا يدل على مدى صِدْقِه وشجاعته .. فقال له رسول الله ﷺ : "إذًا .. اجْمَعْ لى قَومَك " .
- اجتمع الأنصار فى سقيفة ودخل عليهم النبى ﷺ وقال : "يامعشر الأنصار .. مقالة بلغتنى عنكم ، ووجدة وجدتموها فى أنفسكم !! يامعشر الأنصار ، ألم آتِكُم ضُلاَّلاً فَهداكُم الله بى ؟ ألم آتِكُم عالةً فَأَغْنَاكُم الله بى ؟ ألم آتكُم أعداءً فألف الله بين قُلُوبِكُم ؟ .. فسكت الأنصار .. فقال رسول الله ﷺ : "أَجيبُونى يامَعْشر الأنْصار " .. قالوا : لله ولرسُولِه المَنُّ والفضْلُ .. قال : "أَجيبونى يامَعشر الأنْصار" .. قالوا : بم نُجيبُك يارسول الله ؟!.. قال : "والله لو شئْتُم لقُلتم فَلَصَدقْتُم ولَصُدِّقْتُم .. ألم تأتنا مخذُولاً فَنَصرْناك ؟ .. ألم تأتنا مُكذَّبًا فَصدَّقْناك ؟ .. ألم تأتنا عالةً فأَغْنَيْناك ؟ .. ألم تأتنا طريدًا فآويْنَاك ؟! .. قالوا : الله ورسُولُه أمنُّ وأَفْضَلُ .. فقال : "يامعشر الأنصار، أَوَ جَدتُم علىَّ فى أنفسكم فى لُعَاعَة ( الشىء الحقير) من الدنيا تَألَّفتُ بها قُلوب قوم ليسلموا ، وَوَكَلْتُكم لإيمانِكُم ؟ .. والذى بعثنى بالحق لولا الهجرة لكنت امْرُؤَا من الأنصار .. الناس ديثارٌ (الملابس الخارجية) والأنصارشعارٌ (الملابس الداخلية) .. يامعشر الأنصار ، والله لو سلك الناس واديًا وشعبًا ، وسَلَكَتْ الأنصار واديًا وشِعبًا لسلَكتُ شِعب الأنْصار وواديها .. يامعشر الأنصار ، ألا تَرضَوْن أن يذهب الناس بالشاة ، والبعير ، وتَعُودوا أنتم برسُولِ الله فى رحالكم ، اللَّهُمَّ اغْفر للأنصار ، وأَبناء الأَنصار ، وأبناء أبناء الأنصار .
- فبكى الأنصار حتى بللت دموعهم لحاهم ندمًا على ما قالوه وظَنُّوه ، واطمأنت قلوبهم وانشرحت صدورهم بعودة النبى ﷺ معهم إلى المدينة التى كانت ملاذًا للمسلمين الأوائل وحصنًا لهم ، وهكذا كان وفاء الرسول ﷺ للأنصار الذين آمنوا به ، وصدقوه ، وعزروه ، ونصروه .
- وعندما انتقل النبى ﷺ إلى الرَّفيق الأعلى ، واجتمع الأنصار فى سقيفة بنى ساعدة ليبايعوا سَعْد بن عُبادة على الخلافة ، جاءهم أبو بكر ، وعمر بن الخطاب الذى قال لهم : يامعشر الأنصار ، لقد رضى رسول الله ﷺ أبا بكر لديننا حيث أمره بالصلاة بالناس .. أفلا نرضاه لدنيانا ؟ .. فقال بعض الأنصار : منَّا أمير ، ومِنْكم أمير .. فقال عُمر : سيفان فى غمدٍ واحد !! إذًا لا يجتمعان .. فبايع الناس أبا بكر (رضى الله عنه) بالخلافة .
- ينتقل سَعْد بن عُبادة إلى الشام ويموت بها (رضى الله عنه) بعد أربع سنوات ويلحق بالسابقين الأولين الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
المرجع / فى رحاب الأصحاب
للداعية الإسلامى / ياسين رشدى