رجال حول الرسول | علىُّ بنُ أبى طَالب (رابع الخلفاء الراشدين)

 عَــلىُّ بْـنُ أَبى طَــالِب (رضى الله عنه) 

(رابع الخلفات الراشدين)

  • فمنْ هو ؟
هو رابِع الخُلفاء الرَّاشدين وابنُ عم المُصطفى   فَاتِح خيْبر بِقَبضتهُ (رضى الله عنه) ، وهو أول منْ أسلمَ منَ الصِبيان وهو ابنُ عشْر سنين أو ثلاثة عشرة سنة فى بَعض الأقوالهو الذى إختاره النِّبىُ  لإبنتَه السَّيِّدة فاطِمة ، الضَّارب بِالسيف ، الصائم بالصيف ، المُواسى للضيف ، مُظهر العجائب ومُفرِّق الكتائب ، ليْث بنى سعد ، قال فيه رسول الله  : "أنا مَدينة العِلمْ بابُها علىَّ بنْ أَبى طَالب" .

أمره النَّبى  بالمبيت فى فراشه ليلةَ الهجْرة وتَغطَّى بِبُردته  وقال لهُ  : "لا يَخْلص إليكَ شىئ تَكرهه" ،وأمرهُ باِلبقاء بعده ثلاثة أيام ليؤدِّى الودائع عنهُ . تَزوَّج سيدة نساء العَالمين فاطِمة بِنت مُحَمَّد  السَّيِّدة الجَمِيلة العَظيمة التى لنْ يُخلق مِثْلُها منْ قبل ولمْ يُخلق مثْلُها من بعد سيدة نساء العالمين التى إذا جاء يوم القيامة نودى فى أهل المحشر والموقف : يا أهل الموقف غضوا البصر حتى تمر فاطمة بنت محمد .

فى يَوم دَخَل النَّبىُ  على إبنتِه فاطمة فيَجدها وحيده ، فيسألها : أينَ ابنُ عمِّك ولم يقل أين زوجُكِ ؟ فتقول فاطمة : خَرج مُغاضباً يا رسول الله ، فقد رأى  أنْ يقول أينَ ابنُ عمِّك ليرقِّقَ قلبها ويُشعُرها بِصلة الرَّحم بينها وبين عَلىَّ ، ولم يسألها عمَّا فعل ولكنْ خرج إلى المسجد فوجده ينام بالمسجد  وقد إنْحسَر الرِّداء عنْ ظهره فأصاب التُراب جسدهُ فجلس إلى جِواره يَنفُض التُراب عنْ ظهره ويقول لهُ : قُمْ أبا تُراب ، قُمْ أبا تُراب ، فكانت تِلك كُنيَتَه .
  • شجاعة على بن أبى طالب
كان (رضى الله عنه) فارس مِغوار ، مِن أشجع النَّاس ففى (غزوة الخندق) خرج رجل مِن صُفُوف كفَّار مكة والأحزاب يُقال لهُ عَمْرو بن وُدَّ  يَخْتال على فرسِه ويُنادى فى المسلمين منْ خلف الخندق هل من مُبارز ؟ ويُنادى للمرة الثَّانية والمرة الثَّالثة فيقوم عَلىَّ ويقول إِئْذن لى يارسول الله فيأْذن لهُ النَّبىُ   فخرج (رضى الله عنه) يجتازالخندق مُترجلاً بِسيفه ، ويُواجه عَمْرو بنْ ودَّ ، فيقول له عَمْرو بنْ ودَّ  لوكان أحد منْ أَعمامك فإنِّى أكره أنْ أقتُلك وأنتَ صغير ، فقال لهُ سيدنا عَلىَّ ولكنِّى لا أكره أنْ أقتُلك ، فاستشاط غضباً وتبادلا المُبارزة حتى هَجَمَ عليه سيدنا عَلىَّ وضربه ضربةً أصابَتْهُ فى مقْتل ، فكبَّر المسلمون ، وعاد عَلىَّ لرسول الله   يُبشِّره بِمقْتَل عَمْرو بنْ ودَّ .
وفى (غزوة خيْبر) تَمْتنِع الحُصُون على المُسلمين يَوم .. ويوم .. ويوم ، فيقول النبى  : لأعطين الراية غدًا لرجُل يُحب الله ورسوله ويُحبه الله ورسولَه ويَفتح اللهُ به ، فيبيت الأنصار والمهاجرون كلهم يأْمل أن يكون ذلك الرجل ، ويصبح الصباح ويسأل النبى ﷺ : أين عَلى ؟ فيقول الأَصحاب : إنه أرْمَد يا رسول الله  فيقول : إئتونى به ، فيتفل النبى ﷺ فى عينيه وينفخ عليها فيشفى فى التو واللحظة وما شكى من عينيه حتى مات (رضى الله عنه) وأخذ الراية من رسول الله وهجم على حُصون اليهود  ودخل علىُّ باب خيْبر بِقبضته فينتزعه ويُكبِّر وتُفْتح حُصُونَهم .

وفى غزوة تبوك يخلفه الرسول ﷺ ولا يأذن له بالخروج معه ، فيذهب إلى الرسول ﷺ باكيا ويقول يا رسول الله خلفتنى مع النساء والصبيان ، فيقول له النبى ﷺ : يا على ألا ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى ليذكره بقول الله عزَّ وجلَّ حينما طلب موسى اللقاء فى موعده : ﴿ .. وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) ﴾ الأعراف .

تدور الأيام ويأتى به النبى ﷺ ويرسله إلى اليمن فيقول : يا رسول الله أرسلتنى إلى اليمن وأنا شاب لا أعرف القضاء فكيف أقضى بينهم ، فقال له النبى ﷺ : أدن منى يا على ، فدنوت منه فخبطنى فى صدرى وقال : "اللَّهُم ثبت لسانه وفقه قلبه" ، فيقول على (رضى الله عنه) : فو الله ما شككت فى قضائى بين أثنين منذ ذلك . وقال النَّبىُ  "أَقضاكُمْ عَلىُّ" أى أَعْلمَكم بِالقضاء ، وقد قضى (رضى الله عنه) فى كثير منْ القضايا فى عهد الخُلفاء وفى عهد سيدُنا عُمَر بن الخطاب .

يُحكى أنَّ رجلاً جاء يَشكو أنَّ بَقرة فُلان قد أَصابت حِمارهُ فَقَتلتهُ فقال أَحد الأَصْحاب لا ضَمان فى الحَيَوان ، فأستأْذن علىَّ وسألهُ أيُّهما كان مَرْبُوطاً ، وأيُّهما كان سائباً ، فَعَلَم أنَّ الحِمار كان مَربُوطاً وكانتْ البَقرة سائِبة وكانَ معها صاحُبها ، فقال : يَضْمن صاحب البَقرة الحِمار وقَضى بِذلك ، وقد أَجاز رسول الله   قَضاء علىُّ بن أبى طالب .

كان (رضى اللهُ عنهُ) مِن السِّتة أهْل الشُّورى الذين عَهِد إليْهم سيدُنا عُمَر بنْ الخطَّاب للخِلافة وهُمْ " عُثمان بن عفَّان ، وعلىَّ بنْ أبى طالب ، وسعد بنْ أبى وقَّاص ، وعبد الرَّحمن بنْ عوف ، وطلحة بن عبيْد الله ، والزُّبيْر بن العوَّام " . وعند مُبَايعة سيدُنا علىَّ للخِلافة حدث خِلاف بينَه وبيْن السيدة عائشة وطلحة والزُّبيْر بنُ العوَّام ، وخرجتْ السَّيدة عائشة ومعها بَعضُ النَّاس يُريدون الشَّام ، وخَرج علىَّ بن أبى طالب ليمنعهم من الخروج والتَقيا فى (موقِعة الجَمل ) . 
  • على بن أبى طالب وموقعة الجمل
فى موقعة الجمل يَستدعى علىُّ بن طالب الزُّبيْر بن العوَّام للقائه ، ويأتى الزبير فيقول له علىُّ : يا زبير أنشدك الله ورسوله أن تذكر يا زبير حينما قال لك رسول الله ﷺ أتحب عليًا يا زبير فقلت : نعم ، فتذكر الزبير وقال : نعم أذكر ذلك ، قال : أتذكر يا زبير أن رسول الله ﷺ حينئذ قال لك أما إنك لتقاتلنه وأنت له ظالم ، فقال الزبير : نعم والله فقد ذكرتنى بما نسيت استغفر الله ، ثم وضع سيفه وقرر العودة للمدينة ، ثم استدعى طلحة وقال له : يا طلحة أتركت أهل بيتك فى خدرها وخرجت بحريم رسول الله ﷺ ، وعاتب طلحة ، وأفاق طلحة وقرر العودة إلى المدينة . 

ولكنَّ النَّاس الذين ابْتَغوا الفِتْنة أَحاطُوا بالجمل الذى عليه هَوْدج السَّيدة عائشة (رضى اللهُ عنها) ، ورمُوا جيْش علىَّ بِالنِّبال وبِالسِّهام وبَقيتْ مَجمُوعة منَ النَّاس تُدافع عنْ الجَمَل ولكنْ حَدَثَ أنْ رَمَى أَحد أَصْحاب علىَّ ذلك الجَمَل فوقع الجَمَل وتفَرَّق النَّاس ، فذهب علىَّ إلى السيِّدة عائشة وأَكْرَمَ نُزُلها وحَمَلها إلى المَديِنة .

عزم علىُّ (رضى الله عنه) المسير إلى الشام بعد أن استدعاه أهل الكوفة وأهل العراق وقبل أن يخرج علىُّ ذهب إليه أحد أصحاب النبى ﷺ وقال له : يا على إذا خرجت إلى العراق فإنك لن تعود فقال على : إنِّى أعلم ذلك وأصرَّ على الخروج ، وجاءه حُذيفة بن اليمان يحاول أن يثنيه عن عزمه فأبى على إلا الخُروج إلى العِراق ، وكان مُعاوية بن أبى سُفيان قد تَوقَّف عنْ بيْعته لأنه عزَلَهُ وعَزلَ جَميع أُمراء عُثمان بن عفَّان  فأبى مُعاوية أنْ يْعتزلَ وأبى أن يبايع علياً حتى يسلمه قتلة عثمان . 

كانَ رأْى مُعاوية والسيَّدة عائشة رفَضَ البيْعة لعلى ولا طاعة لهُ حتى يُقيم القِصَاص ويُقيم الحدَّ على قَتلة سيدُنا عُثمان ، ويأخذ بثأر عثمان قبل البيعة وقبل الخلافة ، وكان رأْى علىُّ بن أبى طالب أنْ تَستَتبَّ الأُمور وتَسْتقرَّ الخِلافة لهُ وتَقْوى شَوكة المُسلمين ثُمَّ يَأْتى بِقَتلة عُثمان حيثُمَا كانوا .

هذا الخِلاف وَقَع فيه كثير مِن النَّاس واختَلَطَت عَليْهم الأُمُور وَوَقَعوا فى أَعراض أَصْحاب النَّبى  وأَخْطأوا فى حُقُوقِهم واغْتابُوهم وشَهِدوا للبَعض وشَهِدوا على البَعض الآخر، كلا الفَرِيقين مُؤمن حيْثُ نَزَلَ قَولُ الله تعالى : ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) ﴾ الحجرات . فى يَوم يُشير النَّبىُّ  إلى رأْس علىَّ (رضى الله عنه) ويقُول لهُ : منْ يَضْرب هذه ياعلىَّ فيخْضب هذه فتَسيلُ الدِّماء مِن رأسك فتُخْضب لِحيَتَك .
  • استشهاد على بن أبى طالب
يَخرج (رضى الله عنه) فى صَبيحة اليوم المَشهُود ، ويَخرج لِصلاة الفجر ومَعه بعْض أَصحابه وبعضُ أهله ، وتَعتَرض طَريقهُ بَعْض الأَوز يَصيح ويَرتفع صَوته فيقول دعُوهنَّ فإنهنَّ نَوائح (جمْع نائحة) ويَتنبأ بِاقتراب أَجله ، ويَأْتى رَجُلُ  يُقال لهُ عبد الرحمن بن مَلْجَم ، يَختبىء وكان مَعَهُ رَجُلُ آخر ويَخْرجا بِسَيفيهما ، ويَضرب عبد الرحمن بن مَلْجم سيدُنا علىَّ فى رأسِه وفى جَبهته فَيَصل السيف مِن الجبْهة إلى مُقدِّم الرأْس ، وينشَقَّ دِماغ سيدُنا علىَّ وتَتَفجَّر الدِّماء وتُخْضب لِحيَته البيضاء بِالدماء كما تَنبأ رسولُ الله  . يقول (رضى الله عنه) : أنا أولُّ هذه الأمَّة يَجثُو تَحْتَ عرش الرَّحمَن يَطلب الخُصُومة ، ويَمُوت سيدُنا علىَّ بِهذه الضَّربة ، ويُؤتى بِابن مَلْجم للحَسن والحُسين ليثأرا لأَبيِهما ..

يَلقى سيدُنا علىَّ (رضى اللهُ عنه) ربه على أكْرَم مَايَكُون اللقاء ، وعندما نَزَل قولُ الله تعالى : ﴿ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7)  الرعد .. قال الرَّسول  : أنا المُنذِر وعلىَّ هاد .. بِك ياعلىَّ يَهتدى المُهتدون رَفَعَ اللهُ دَرَجاتِك يَا أبا الحَسنين .. يا ابن عَم رسول الله .. يارابِع الخُلفاء الرَّاشدين .

                                ؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛                                   
    المرجع : فى رحاب الأصحاب  
       للمرحوم الشيخ / ياسين رشدى