رجال حول الرسول | سَعْدُ بنُ مُعاذ (اهتزَّ لمَوتِه عرشُ الرَّحمن)

 سَـــــعْدُ بْـنُ مُعَـــــاذ (رضى الله عنه)

اهتزَّ لموتِه عرشُ الرَّحْمن 

  • فمن هو ؟
الصحابىُّ الجليل الذى أسْلَم وهو ابن واحد وثلاثون سنة واستُشهد وهو ابن سبع وثلاثون ، فكان عُمرُه فى الإسلام ست سنوات فقط . قال عنه رسولُ الله ﷺ : أنَّ الملائكة حملتْ جَنازتهُ ، وأنَّه قد نزل لتشييع جنازته سبعون ألف ملك لم يَطأوا الأَرض مِنْ قبل .
كان سعد بن معاذ (رضى الله عنه) منْ أكثر النَّاس بركة فى الإسلام ، حين أسلم قال لقبيلته كلام ، رجالكم ونسائِكم علىَّ حرام حتى تُسلموا فاسلمتْ قبيلته جميعاً . الصحابىُّ الجليل الذى حَمل حَربَتَه فى الغزوة التى أُصيب فيها وسار يقول : لا بأس بالموت إذا جاء الأَجل . هو سيد الأوس الأنصارى الأشهلى منْ بنى عبد الأشهل ، وقد أسلم على يد مصعب بن عُمير . 
  • حكمة ورجاحة عقل سعد بن معاذ
هاجر النبىُ  إلى المدينة ، وقد انتشر الإسلام فى ربُوعها بِفضل إسلام سَعْد بنُ مُعاذ سيد الأوس ، وسعد بن عُبادة سيد الخزرج ، وهما أكبر قبيلتين بالمدينة المُنَّورة . وجاءتْ (غزوة بدر) وجَمَعَ رسولُ الله  أصحابه من المهاجرين والأنصار وقال لهم : "أشيروا علىَّ أيها الناس" .. فتكلم أبو بكر الصديق ثم تكلم عُمر بن الخطاب ، فقال النبى ﷺ : "أشيروا على أيها الناس" ، ونظر إلى الأنصار فوقف سعد بن معاذ وقال : والله لكأنَّكَ تُريدُنا يارَسُول الله !! .. قال : "أجل" فقال سَعْد بنُ مُعاذ : يارسول الله آمنَّا بك وصَدَّقناكَ ، وشَهِدنا أنَّ مَاجئْتَ به الحقَّ ، وأعْطيناك مَواثِيقنا على السَّمْع والطَّاعة فامْض يارسُولَ الله لما أرَدْت ، فنَحنُ مَعكَ ، فوالذى بَعثَكَ بِالحقِّ ، لو اسْتعْرضتَ بِنا هذا البَحْر لخُضناهُ مَعكَ ، ماتَخلَّف منَّا رجلٌ واحد ، ومانكْره أنْ تَلقى بنا عدونا غدًا ، إنَّا لصُبر عنْد الحَرْب ، وصُدق عنْد اللِّقَاء .. لعل الله يُريك فِينا مَاتقرَّ به عينُكَ ، فَسِر بِنا على بَرَكَة الله .. فانشرحَ رسولُ الله  وقرر الخُروج إلى (غزوة بدر) .
وقال  : "أبشِرُوا ، فَقد وَعَدنى اللهُ إحْدى الطَائِفَتَيْن .. والله لكأنِّى أنظُرُ إلى مَصَارع القَوْم" وتَحقق وعدُ الله وانتصر المسلمون ، وأبلى سَعْد بن مُعاذ فيها بلاء حسناً ، ثمَّ جاءت (غزوة أُحد) وكان سَعْد بن مُعاذ ممن ثبت مع رسول الله   .

وجاءتْ (غزوة الخَنْدق) ، وكان سَعْد حليفًا ليهود (بنى قُريْظة) قبل إسلامه ، أرسلهُ رسول الله  إليهم يسألهم إنْ كانوا لازالوا على عهدهم مع رسول الله  بألا يُناصروا عليه أحداً ، فلما ذهب إليهم سَعْد وسألهم قالوا لهُ : "لاعَهْد لمُحمَّد عنْدنا ولاعقد" .. فاتضح غدرهم وانكشفتْ نواياهم .. وأتت قُريش عنْ بَكْرة أبيها ومعها غَطفان وبَعض قبائل العرب ، ووصل الخبر إلى المسلمين ففزعوا فزعا شديدًا ، وفى وصف هذا الحدث يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) ﴾ الأحزاب . عندئذٍ أخذ رسول الله ﷺ بمشورة سلمان الفارسى  بِحفر خندق واسع وعميق على طول الجهة الشمالية من المدينة التى لا يوجد به تحصين  . 

أرسل رسول الله  إلى زعيم قبيلة غطفان يعرض عليه أن يعتزل الحرب ، ويرجع ، وله ثلث ثمار المدينة فوافق على ذلك ، وقبل أن يمضى رسول الله  الإتفاق أرسل فى طلب زعيمى الأوس والخزرج سَعْد بنُ مُعاذ ، وسعد بن عبادة يُعرض عليهما ذلك الإتفاق . قال سَعْد بن مُعاذ : يارسول الله .. لقد كُنا وهؤلاء القوم على الشِّرك ، وعبادة الأصنام والأوثان ، ولمْ نكن نعبد الله ولانعرفه ، فمنَّ اللهُ علينا بِالإسلام ، وهدانا لهُ وأعزَّنا بِك وبه .. أفنُعْطيهم ثُلث ثِمار المدينة ؟ والله مالنا حاجةً بِهذا ، والله لانُعْطيهم إِلا السَّيْف حتى يَحكُم اللهُ بيننا وبينهم .. فسُرَّ رسول الله  بمقالته ، واستعدَّ الجميع للحرب .
  • شجاعة سعد بن معاذ
لبِس سَعْد بنُ مُعاذ دِرع لهُ مُقلَّصة (صغيرة مُنضمة) قد خَرج ِمنْه ذِراعه ، وفى يده حربة ، خرج يَصُول ويجُول بِرمحه ، فأصابه سهم فى الأكحل ونزف دمه ، و(الأكْحَل) عرق فى الذِّراع إذا أُصيب لايرقأْ الوريد ، تُسمِِّيه العرب الأَكْحل . حينما أُصيب (رضى الله عنه) أَمر رسولُ الله  أن يُوضع فى خيْمة فى المسجد حتى يكون قريبا مِنه ، ويُرسل الله تبارك وتعالى الريح على جيش قُريش ، ومنْ معهم ، فَتنْطفئ نِيرانَهم ، وتُهدم خِيامُهم ، وتتفرق الأحزاب ، ويعود أهل المدينة منْ المهاجرين والأنْصار إلى بُيوتهم آمنين فرحين بِنصر الله .. يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) ﴾ الأحزاب . توجَّه سعد بالدعاء إلى الله قائلا :"اللهمَّ إنْ كُنت أبقيْت منْ حرب قُريش شيئا فأبقينى لها .. وإنْ كُنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلهُ لى شهادة ، ولا تُمتنى حتى تقرَّ عينى منْ بنى قُريظة" ، وقد تَوقَّف نزيف الدم مُدة الحِصار استجابة لدُعائه .

عندما همَّ النبىَّ  بِخلع ملابس الحرب بعد نصر الله للمسلمين ، نزل جبريل (عليه السلام) يقول له : إنَّ الله يأمرك أنْ تذهب إلى بنى قريظة الذين نقضوا عهدهم الآن .. فخرج النبىَّ  على أصحابه يقول :"من كان يُؤمن بالله واليوم الآخر فلا يُصليَّن العصر إلا فى بنى قريظة" ..تَسارع المسلمون فى الوصول إلى حُصون بنى قريظة وحاصروهم خمسة وعشرين يوماً حتى إستسلموا بشرط أن يَحْكُم فيهم حَليفَهم السابق سَعْد بنُ مُعاذ .
  • حُكم سعد بن معاذ على بنى قريظة
جاءت الفُرصة لسَعْد بن مُعاذ ليَحْكَم على بنى قريظة بُناءاً على طلبهم ، ويُقبل سَعد على حِمَار يَركبه .. فلما دنا منْ رسول الله   قال : "قُومُوا إلى سيدَّكُم" .. فقاموا إليه ، فوقف سَعْد بن مُعاذ وقال لبنى قريظة  "عليكم عهد الله ومِيثاقه هل يَنفْذ حُكْمى عَلَيكم فقالوا : نعم ، فقال سَعْد بن مُعاذ : وعلى منْ ها هنا وخَفَضَ بصره إجلالاً لرسول الله  - يسأل هل يَنْفُذ حُكْمى عليكم وينفذ أيضاً على رسول الله  فقال رسولُ الله ﷺ : "نعم" . فقال سَعْد : أحكم أنْ تُقْتَل الرِّجال ، وتُقسَّم الأَموال ، وتُسبِى الذرارى ...فقال رسولُ الله  : "حَكَمت بِحُكم المَلك من فوق سبع سماوات" حينئذ أقَر اللهُ عين سَعْد بن مُعاذ مُستجيبًا لدعوته (فلا تُمتنى حتى تَقرَّ عينى فى بنى قُريظة) وانفجر الدم من جُرحِه مرة أُخرى بعد تَوقف دام خمسة وعشرين يوماً ..فَحُمَلَ إلى خَيْمَتهُ بالمسجد وذهب إليه أبو بكر وعُمر بن الخطاب ، واحتضنه رسولُ الله   قائلا : "اللَّهمَّ إنَّ سَعداً قد جَاهد فى سبيلك ، وصَدَّق رسولك ، وقَضَى الذى عَليه ، اللَّهم تَقبل روحه بِخير ماتَقَبَّلت بِهِ رُوحًا" "هَنيئاً أبَا عَمْرُو .. هَنيئاً أبَا عَمْرُو" .
  • استشهاد سعد بن معاذ
يعود النَّبىُ  إلى بيته .. وإذا بجبريل ينزل عليه ويقول :"يا نبى الله ، من هذا الذى فُتحت له أبواب السماء ، واهتزَّ لهُ عرش الرحمن ؟ .. فخرج رسول الله  مُسرعا ، يَجرُ ثوبه إلى خَيْمة سَعْد بن مُعاذ ، فوجده  قد قُبض .. ويُدفن الصحابى الجليل سَعْد بن مُعاذ ويعود رسولُ الله  ودُمُوعَه تتساقط على لحيته ويقول لأصحابه : "اهتزَّ عَرشُ الرَّحمن لموت سَعد بنُ مُعاذ !! لقد نزل من الملائكة فى جَنَازة سَعْد بنُ مُعاذ سَبْعُون ألف ملك ، ما وطئوا الأرض من قبل .. وبحق أَعْطاه الله تعالى ذلك" . سعد بن معاذ سيد الأوس الذى أسلم شابًا وقُتل شابًا ذلك الرجل العظيم الذى كان فى الإسلام له شأن بعيد وله فضل كبير ذلك الذى اهتز عرش الرحمن لمماته ، ذلك الرجل الذى بكته المدينة كلها وبكاه رسول الله ﷺ ، ست سنوات فقط عُمره فى الإسلام ، ومع ذلك كان أكثر الناس بركة على الإسلام .. (رضى الله عنه) ، وصدق رسول الله ﷺ : هنيئاً لك أبا عمرو .. هنيئاً لك أبا عمرو ..

نسأل الله عزَّ وجلَّ أنْ يرفع مَقامه فى عليين ويُلحقنا به مع المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين .

                                   ؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛