رجال حول الرسول | العباس بن عبد المطلب (مُؤْمنٌ بين خَليلـيْن)
العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ (رضى الله عنه)
مُـؤمـنٌ بيْنَ خليلــيْنِ
فمن هو ؟- هو العَبَّاس بْنُ عَبد المُطلب بن هاشم عم النبى ﷺ ، ويكنى أبا الفضل ، ولد فى مكة قبل مولد النبى ﷺ بعامين أو ثلاثة ، وقد ضاع من أمه فى صغره فنذرت إنْ وجدته أن تَكسُو الكعبة بالحرير والديباج فلمَّا وجدته فعلت نذرها فكانت أول من كسا الكعبة بالحرير والديباج .
- كانت السقاية لبنى هاشم فى الجاهلية ، وكان أبو طالب يتولاها ، فلما اشتد الفقر بأبى طالب ، أسند السقاية إلى أخيه العباس ، وكان من أكثر قريش مالاً ، فقام بها ، وعليه كانت عمارة المسجد . أسلم العَبَّاس بنُ عبد المُطلب ، ولكنه كتم إسلامه فكان خيرًا له وللأمه ، وكان مجاب الدعوة ، رزقه الله بعشرة من الأبناء ، وثلاثة من البنات ، وكان المسلمون يتبركون به ويتمسحون فيه . من أبنائه عبد الله بن عباس (حبر الأمة) ، أحد العبادلة الأربعة ، وعبيد الله ، وقاسم ، والفضل الذى أردفه النبى ﷺ خلفه فى حجة الوداع .
- عندما خرج النبى ﷺ سرًا لمقابلة الأنصار وفد الخزرج المكون من ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين الذين جاءوا لبيعة النبى ﷺ فى بيعة العقبة الثانية ، لم يكن معه سوى العَبَّاس بنُ عبد المُطلب ولم يكن قد أسلم بعد .. وقف العبَّاس يقول : يا مَعْشر الخَزْرج ، إنَّ مُحَمَّدًا منَّا حيث قد عَلمْتُم ، وقد منعناه مِن قَومِنَا .. فهو فى عِزَّة مِن قومه ، ومَنَعَةٍ من ديارِه .. فإن كنْتم مُوفونَ له ما تدعون إليه ، ومَا نِعُوه ممَّن خالفه فأنتم وما تحمَّلتم .. وإنْ كنتم مُسْلِمُوه وخَاذلُوه بعد أن يخْرجَ إليكُمْ - فقد أبى إلا اللُّحوق بكم ، والإنضِمام إليكُمْ - فمن الآن فَدعُوه .
- أَصرَّ الأنصار على استقبال النبى ﷺ بالمدينة ومنعه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم وأقروا بذلك للعبَّاس .. قال لهم العبَّاس : صفوا لنا كيف أنتم فى الحرب ؟ وكأنَّه يُبين لهم أن الأمر الذى أقبلوا عليه ليس سهلا وسوف يجرهم إلى الحرب ، فلن تسمح قريش للنبى ﷺ أن يهاجر إلى المدينة وينشر دينه فى أمان . وقف عبد الله بن عمرو بن حرام (رضى الله عنه) يجيب العبَّاس عن تساؤله : والله ، إنَّا أهل حَرْب غُذينا بها ، ومُرِّنَّا عليها ، وورثناها كابر عن كابر .. نرمى بالنبل حتى تفرغ ، ثم نطعن بالرماح حتى تكسر ، ثم نمشى بالسيوف حتى يُقتل الأعجل منَّا ، أو من عدونا .. فقال العبَّاس : وهل لكم من دروع ؟ .. قالوا : نعم .. دروع شاملة .. قال : إذًا فأنتم أَهل حرب .. وتمت بيعة العقبة الثانية ، واستعد رسول الله ﷺ للهجرة إلى المدينة .
- هاجر النبى ﷺ إلى المدينة ، وبقى العبَّاس بمكة يتقوى به المستضعفون من المسلمين ومسئولا عن عِمارة المسجد الحرام ، والسقاية ، وكان وصولا لأرحام قريش ، محسنًا إليهم ، وذا رأى سديد ، وجاءت غزوة (بدر) ونادى رسول الله ﷺ فى أصحابه : "من لقى العبَّاس فلا يَقْتله ، فإنه أُخرج كُرْهًا" ودارت الدائرة على المشركين ، ونصر الله رسوله ﷺ والمؤمنين ، وأُسر العبَّاس بنُ عبد المُطلب مع من أُسر ، وشُدَّ وثاقه .. فسهر النبى ﷺ تلك الليلة ولم ينم ، فقال له بعض أصحابه : ما يسهرك يا نبى الله ؟ فقال : "أَسْهر لأنين العبَّاس" .. فقام رجل من القوم فأرخى وثاقه .. فقال النبى ﷺ : "مالى لا أسمع أنين العَبَّاس ؟" .. فقال الرجل : أنا أرخيت وثاقه ، فقال النبى ﷺ : "فَأفْعلْ ذلك بالأَسْرى كُلِّهِم" .
- وعندما أصبح الصباح أُوتى بالعبَّاس فقال له النبى ﷺ : "يا عبَّاس ، افْد نَفْسك ، وافد ابنَىْ أَخوَيْك عقيل بن أبى طالب ، ونوفل بن الحارث" .. ولكن العبَّاس يحاول أن يتملص من ذلك بدعوى أنه خرج مُكْرهًا .. ويَأبى رسول الله ﷺ إلا الفداء .. وينزل قول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (70) ﴾ الأنفال .
- يعود العبَّاس إلى مكة بعد أن أفدى نفسه مع أسارى (بدر) ، وفكر جديًا فى الهجرة ، ويستأذن النبى ﷺ فى ذلك فيقول له النبى ﷺ : "ياعم ، أَقِمْ مَكانك الذى أنت فيه فإنَّ الله تعالى يَختمُ بك الهجرة كما ختم بى النُّبُوُّةَ" . تتحقق نبوءة النبى ﷺ ويُهاجر العبَّاس قبل فتح مكة مباشرة وتُختم بهجرته (رضى الله عنه) الهجرة .. ويشهد العبَّاس فتح مكة مع النبى ﷺ .. ويدخل النبى ﷺ الكعبة ، ويصلى بداخلها ، وينتظره العبَّاس على الباب أملاً فى الحصول على مفتاح الكعبة ليحوز شرف السِّدانة والسِّقاية .. وينزل جبريل (عليه السلام) على النبى ﷺ بقول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) ﴾ النساء .. فينادى النبى ﷺ على عثمان بن طلحة سادن الكعبة فيعطيه المفتاح قائلاً له : "خُذُوها خالدةً تالدةً ، لا يَنْزِعُها مِنكُم إلا ظَالمٌ" .
- وتأتى غزوة (حنين) ، ويخرج النبى ﷺ فى إثنى عشر ألف مقاتل ، عشرة ألاف جاءوا من المدينة وشهدوا فتح مكة ، وألفان من أهل مكة الذين أسلموا يوم الفتح ، ويتربص المشركون فى وادى تهامة وقد جمعوا القبائل من ثقيف ، وغطفان ، وخرجوا بأموالهم ونسائهم لهذه المعركة الفاصلة .. فقد فتحت مكة ، وأسلمت قريش ، وسوف يتبعها العرب جميعا مالم يستأصلوا شأفة المسلمين فى هذه المعركة .. ويحدث اللقاء بين الفريقين ، ويغتر بعض المسلمون بأنفسهم وقالوا : لنْ نُغلب اليوم من قِلة .. وتدور الدائرة عليهم ليعلموا أنَّ النَّصر من عند الله وليس بكثرة العدد أو العُدَد ، ويفر المسلمون من حول الرسول ﷺ ، ولا يثبت معه إلا قلة ، منهم العبَّاس بنُ عبد المطلب الذى كان يأخذ بخطام بغلته وينادى النبى ﷺ فى الناس : "إلىَّ أيها الناس ، أنا النَّبى لا كذب ، أنَا ابنُ عبد المطلب" وينادى العبَّاس ، وكان جهورى الصوت : يا معشر الأنصار .. يا أصحاب البيعة ويتردد صوته فى جنبات الوادى ، فيفىء المسلمون ويعودون إلى النبى ﷺ ويتحقق النصر بفضل الله وينزل قول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26) ﴾ التوبة .
- وفى يوم من الأيام يدخل العبَّاس على النبى ﷺ مغضبًا فقال له : "ما أغضبك ؟" فقال : يا رسول الله ، أرى قومًا من قريش إذا تلاقوا بينهم تلاقوا بوجوه مبشرة ، وإذا لقُونا لقونا بغير ذلك .. فغضب رسول الله ﷺ حتى أحْمرَّ وجهه ثم قال : "والذى نفسى بيده ، لا يَدخلُ قلب رجلٍ الإيمان حتى يُحِبَّكمْ لله ولرسوله .. ثم قال : أيها الناس ، من آذى العبَّاس فقد آذَانى ، فإنَّه عمى ، وعَمُّ الرجل صنو أبيه" . يقول النبى ﷺ مرة أخرى مبينًا فضل العبَّاس بنُ عبد المطلب : " إنَّ الله اتخذنى خليلاً كما اتَّخذ إبراهيم خليلاً ، ومنزلى ومنزلُ إبراهيم تجاهين فى الجنَّة ، ومنزل العبَِّاس بنُ عبد المطلب بيننا .. مُؤمنٌ بين خَليلَين" .
- تمضى الأيام وينتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى .. ويتقبل العبَّاس العزاء فى النبى ﷺ .. ويحظى بتقدير الصحابة (رضوان الله عليهم) واحترامهم ، فيقدمونه ، ويستشيرونه ، ويأخذون برأيه . ويأتى عام الرمادة فى خلافة عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) ويشتد القحط بالناس ، وتجدب الأرض ، ويتأخر نزول المطر .. ويخرج عمر (رضى الله عنه) لصلاة الإستسقاء ، ويأخذ العبَّاس معه ، ثم يتوجه إلى الله قائلا : "اللَّهم إنَّا كنَّا نستسقى بنبيكَ فَتسْقِينَا .. اللهم إنَّا نستسقى بِعمِّ نبيك فَاسْقِنَا" فلم يلبث إلا قليلا ، ولم يتحرك أحد من مكانه ، حتى أمطرت السماء مطرًا شديدا .. فقال عُمر بن الخطاب : هذا والله الوسيلة إلى الله ، والمكان منه .. ويلتف المسلمون حول العبَّاس يُقَبِّلُونهُ ويتمسحون به متبركين ، ويقولون له : هنيئًا لك ساقى الحرمين .. هنيئًا لك ساقى الحرمين .. فقد كان ساقى الحرم المكى فى الجاهلية ، حيث كانت له السقاية ، وأصبح الآن ساقى الحرم المدنى لأن الله سقى حرم المدينة من أجله ، لذلك لُقب بسَاقى الحَرَمَيْن .
- وفى يوم دخل عثمان بن عفان (رضى الله عنه) على العباس (رضى الله عنه) وكان خال أمه أروى بنت كريز فقال : يا خال ، أوصنى . فقال : أوصيك بسلامة القلب ، وترك مصانعة الرجال فى الحق ، وحفظ اللسان ، فإنك متى تفعل ذلك تُرضى ربك ، وتصلح لك رعيتك .
- من كلمات العباس بن عبد المطلب (رضى الله عنه) لإبنه عبد الله بن عباس حين اختصه عمر بن الخطاب وقرَّبه : يا بنى لا تكذبه فيطرحك ، ولا تغتب عنده أحدًا فيمقتك ، ولا تقولن له شيئًا حتى يسألك ، ولا تفشين له سرًا فيزدريك . وقيل يوما للعباس : أنت أكبر أم رسول الله ؟ فقال : "هو أكبر منى وأنا ولدتُ قبله" .
- وفى خلافة عثمان بن عفان (رضى الله عنه) والكل يعرف فضل العبَّاس فقد كبر سنه وضعف بصره ، وبلغ من العمر ثمان وثمانين سنة ، وإذا بصارخ فى صبيحة يوم جمعة يقول : رحم الله من شهد العبَّاس بنُ عبد المطلب ، فعلم الناس أن العبَّاس قد مات ، فخرجت المدينة كلها عن بكرة أبيها للصلاة عليه وعلى رأسهم عُثمان بن عفان (رضى الله عنه) .. ويُحمل إلى البقيع حتى يدفن إلى جوار آل البيت الكرام ، وإلى جوار أصحاب رسول الله ﷺ وتصعد روحه الطيبة إلى مقام لا يدانيه مقام " مؤمن بين خليلين " .
- سلام عليك يا أبا الفضل فقد رويت عن النبى ﷺ قوله : " ذاق طَعْمَ الإيمانِ : منْ رَضَى بالله ربًا ، وبالإسلام دينًا ، وبِمُحمدٍ ﷺ رَسُولاً " .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛